سعة الشريعة الإسلامية وضيق الفقه المطبق

 

الدكتور عبداللطيف الشيخ

أستاذ مساعد

بقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية

جامعة البحرين

 

 
 

 

تقديـم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

 

فمما لاشك فيه أن الإسلام كرّم المرأة وأكدّ أهليتها للتكليف والمسؤولية والجزاء، واعتبرها إنساناً كريماً، لها كل ما للرجل من حقوق إنسانية، لأنهما فرعان من شجرة واحدة، فهما متساويان في أصل النشأة، متساويان في الخصائص الإنسانية العامة.

 

قال تعالى:  (ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكُم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثَ منهما رجالاً كثيراُ ونساءً، واتقوا الله الذي تسآلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) "النساء/1".

فالرجل أخ للمرأة، والمرأة شقيقة الرجل، وفي هذا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:  (إنما النساء شقائق الرجال) "رواه أحمد و أبو داوود والترمذي"

 

وقد جعل القرآن الرجل والمرأة شريكين في تحمل أعظم المسؤوليات في الحياة الإسلامية، هي مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

قال تعالى:  (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله) "التوبة /71".

 

وتطبيقاًً لهذا المبدأ قامت إمرأة في المسجد ترد على أمير المؤمنين عمر الفاروق وهو يتحدث فوق المنبر على ملأ من الناس، فإذا به يرجع عن رأيه إلى رأيها ويقول بصراحة (أصابت امرأة وأخطأ عمر) "ذكره ابن كثير وجود إسناده"

 

وقد جاء التشريع الإسلامي من لدن حكيم خبير بجملة أحكام فيها من المرونة والسعة ما تصلح للتطبيق على المكلف ذكراً كان أو أنثا على اختلاف البيئات والأزمنة والأمكنة مراعياً فيها جلب المصالح للخلق ودفع المفاسد عنهم.

 

ولبيان حكمة الشريعة ودقة مراميها وخاصة فيما يتعلق بحقوق الأسرة فقد قسمت هذه الورقة إلى ثلاثة محاور:

 

الأول:  أهداف هذه الدراسة.

الثاني:  عوامل سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها.

الثالث:  ممارسات فقهية لأحكام الأسرة خاصة بإنشاء عقد الزواج.

 

المحور الأول:  أهداف هذه الدراسة

 

لهذه الدراسة أهداف متعددة من أهمها مايلي:

 

أولاً:  اثبات سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها وقابليتها لمواجهة التطور البشري، والتغير الزماني والمكاني، مما يجعلها صالحة بغير شك – للتطبيق في كل زمان ومكان.

 

فالنصوص الدينية – التي هي أساس هذه الشريعة – لم تكن قيداً على حركة الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية، بل منارات تهتدي بها، ومصابيح تسير على ضوئها، وحوافز تدفع بها في طريق الخير والصلاح، وحواجز تحول بينها وبين الشر والفساد.

 

ثانياً:  بيان أن التشريع عندنا نحن المسلمين جزءاً لا يتجزأ من ديننا، فلا يتم إيماننا إلا بالحكم به والاحتكام إليه، ولاخيار لنا في ذلك بعد التزامنا بالإسلام، والرضا به ديناً وشرعة ومنهاجاً قال تعالى:  (وما كان لمؤمن ٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أن يكونَ لَهُمُ الخِيرةُ من أمرِهم ومن يعصِِِ اللهَ ورَسُولَهُ فقد ضَلٍَّ، ضللاً مبينا) "الاحزاب/36".

 

وقد أشاد علامة القانونين العرب الدكتور عبدالرزاق السنهوري بقيمة الفقه الإسلامي وأصالته وغناه في أكثر من كتاب وأكثر من مناسبة، ففي محاضرة له نشرتها جريدة الأهرام في (1/1/1937) يقول:  (وإني زعيم لكم بأن  تجدوا في ذخائر الشريعة الإسلامية من المبادئ والنظريات ما لا يقل في رقي الصياغة وفي إحكام الصنعة، عن أحدث المبادئ والنظريات وأكثرها تقدماً في الفقه العالمي).

 

ثالثاً:  توضيح أن التشريع الإسلامي المنشود، لايعني فقه مذهب من المذاهب في عصر من العصور، إنما يعني القواعد والأحكام الأساسية التي قررها القرآن والسنة، ونشأ في رحابها فقه خصب، منذ عهد الصحابة ومن بعدهم، سجلته كتب المذاهب المختلفة، وكتب السنن والأثار والفقه المقارن.

 

رابعاً:  بيان أن الثروة الهائلة من الاجتهادات الفقهية للفقهاء السابقين أساس قوي لا يستهان به، ولا يستغنى عنه لأي اجتهاد معاصر قويم، ولا يقبل أن يبدأ اجتهاد جديد من الصفر، ودون أن يبني اللاحق على السابق، ولكن جزئيات هذا الفقه ليست ملزمة لنا إلاّ بمقدار ما يسندها من أدلة الشرع المحكمة، نصوصاً أو قواعد.

 

خامساً:  إن التشريع الإسلامي المنشود هو الذي يقوم على أساس اجتهاد عصري سليم، سواء أكان اجتهاداً انتقائياً أم إنشائياً، ولابد هنا أن نحذر صنفين من الناس:

 

صنف يريد أن يطوع الإسلام للعصر، ويجعله عجينة لينة قابلة للتشكيل في أي صورة. ولو كانت فكرة المعاصرة ومناقضةَ لمصادر الإسلام القرآن أو السنة أو الاجماع، كالذين يحاولون تحليل فوائد البنوك مع اتفاق كل المجامع والمؤتمرات العلمية الإسلامية على تحركها.

 

وصنف يريد أن يجمد على الإسلام في قوالب حجرية، صنعتها عقول من قبلهم مناسبة لزمنهم، ولم تعد مناسبة لزماننا، وهؤلاء نوعان:

 

مذهبيون مقلدون متعصبون لمذاهبهم لا يرون الخروج عنها قيد شعرة.

 

حرفيون لا مذهبيون، كأنهم لا يقرّون بأن النص له مفهوم ومنطوق.

 

وهؤلاء وأولئك هم الذين يشهرون سيف الإرهاب على كل عالم رأى رأياً جديداً أو مخالفا لمن كان قبله، وإن كان من كبار العلماء، الذين قضوا أعمارهم غواصين في بحار العلوم الإسلامية .

 

سادساً:  إن الدعوة إلى الاجتهاد لعصرنا لا تعني الفوضى، وفتح الباب على مصراعيه لكل مدع متطاول، وإن لم يحصّل شروط الاجتهاد الأساسية.

 

إن بعض دعاة التجديد أو التطور يريدون أن يطوّروا الإسلام ذاته حتى يوافق أهواءهم (ولو اتبع الحقُ أهوآءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) "المؤمنون/71" وقد ترجع هذه الأهواء إلى معرفة ضحلة أو مشوشة بالإسلام أو جهل مطبق به في بعض الأحيان، مع معرفة كوَّنتها موائد الثقافة الغربية.

 

ولهذا فهم لا يفرقون بين الجانب الذي له صفة الثبوت والخلود في أحكام الإسلام وتوجيهاته، والجانب المرن المتطور الذي يتغير بغير الزمان والمكان والحال.

 

سابعاً:  التنبيه على ضرورة تقنين قانون لأحكام الأسرة خاص بدولة البحرين، وهذه الضرورة لا تأتي من فراغ وإنما يقتضيها مقتضى الحال والنظرة الثاقبة والعميقة التي تكمن في الأمور التالية: 

 

(1) أن يدرك المتصدرون للعلم والإفتاء والقضاء في الدولة أن التقنين للأحكام الشرعية عموماً ليست بدعة مستحدثة طالما أنه قائم على الاختيار والترجيح والتمحيص للآراء المتعددة دون خروج عن مصادر الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة، فهو لا يعد أكثر من تبويب وتنظيم وترتيب للأحكام الشرعية المنصوصة أو المستنبطة، أو المجتهدة.

 

 (2) النظر إلى المصلحة العامة وهي تحقيق العدالة واعطاء كل ذي حق حقه وخاصة في قضايا الأسرة التي شرع لها الإسلام من الأحكام والتشريعات ما يكفل استقرارها وديمومتها.

 

وإذا كان هذا من مقاصد الشريعة فإنه لا يمكن تحقيقها إلا بسن تشريع ينظم قضايا الأسرة ويكفل لكل من الزوجين والأولاد حقوقهم وواجباتهم.

 

 (3) النظر إلى مصلحة القضاء وإجراءاته في قضايا الأحوال الشخصية، فتطبيقات القضاء في الوقت الحالي في مجال الأسرة محصور في مذهبين فقط هما المذهب المالكي في دائرة المحاكم السنية و المذهب الجعفري في دائرة المحاكم الجعفرية فضلا عن وجود الروايات المتعددة في المذهب الواحد، كما أن هذا التطبيق لا يخضع لآليات ومناهج معينة وإنّما يرجع إلى القاضي نفسه مما يؤدي إلى تضارب في الأحكام الصادرة في موضوع واحد أو لربما في المحكمة الواحدة إن لم يكن من القاضي الواحد، هذا إلى جانب أن أحكام الشريعة متعددة ومصادرها كثيرة، متباينة ووجهات النظر متفاوتة في كثير من مسائلها لما تحتمله نصوصها من المعاني الكثيرة، وعقول البشر محدودة، وتتفاوت في مدى قدرتها على استنباط الأحكام من تلك النصوص، فتتضارب الأحكام في كثير من الأحيان.

 

فلا بد إذن من تقنين أحكام الشريعة المتعلقة بالأسرة بعد اختيار وترجيح - بواسطة العلماء والفقهاء والمختصين – ليساهموا في إقامة العدالة والأمن والاستقرار النفسي لكثير من الزيجات، وليسهلوا مهمة القاضي ويريحوه من المشقة وإطالة البحث في الوقت الذي يطلب منه سرعة البت في القضايا المعروضة المتراكمة والتي تزداد يوما بعد يوم، ولأن كان الاختيار والترجيح متروكين للقاضي في العصور الأولى من الإسلام فإنما ذلك لكون القضاة إذ ذاك مجتهدين بخلاف عصرنا الحاضر.

 

 (4) تنظيم العلاقة بين الافتاء والقضاء في قضايا الأحوال الشخصية لا يمكن أن يتم إلاّ بسنّ قانون لأحكام الأسرة، فبمثل هذا القانون المستمد من الشريعة الإسلامية يستطيع المفتي حينما يستشار من قبل الأفراد في قضايا الأسرة المتعلقة بالأحوال الشخصية أن يفتيه بالرأي الذي يطبقه القضاء البحريني مما يجعل صاحب القضية أكثر إطمئنانا وشعوراً بالعدالة.

 

المحور الثاني: عوامل سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها

 

إن العوامل التي تدل على سعة الشريعة ومرونتها عديدة، فالشريعة بمصادرها ونصوصها وقواعدها لم تقف يوماً من الأيام مكتوفة اليدين، أو مغلولة الرجلين أمام وقائع الحياة المتغيرة، منذ عهد الصحابة - رضى الله عنهم – ومن بعدهم، بل استطاعت الشريعة الإسلامية أن تفي بحاجات كل المجتمعات التي حكمتها، وأن تعالج كافة المشكلات في كافة البيئات التي حلت بها، بأعدل الحلول وأصلحها.

 

ومن أهم عوامل هذه السعة والمرونة ودلائلها مايلي:

 

العامل الأول: سعة منطقة العفو المتروكة قصداً

 

إن الدارس للشريعة الإسلامية وفقهها يلمس اتساع منطقه "العفو" أو الفراغ التي تركتها النصوص قصداً، ليجتهد فيها المجتهدون بما هو أصلح لهم، وأليق بزمانهم وحالهم، مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة.

 

وإنما سميت بمنطقة العفو أخذاً من الحديث الذي رواه سلمان: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو  عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً).  "رواه الحاكم في المستدرك".

 

فتقليل التكاليف، وتوسيع منطقة العفو، لم يجىء اعتباطاً ولا مصادفة، وإنما هو أمر مقصود للشارع، الذي أراد لهذه الشريعة العموم والخلود والصلاحية لكل زمان ومكان وحال.

 

وقد كانت مهمة المجتهدين ملؤ منطقه العفو بالتشريع والتنظيم بعد انقطاع الوحي فتعددت مسالكهم وتنوعت مشاربهم في الاجتهاد فاستعملوا القياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف دون أن تضيق الشريعة ذرعاً بواحد من هذه المسالك مادام قد وضع في موضعه، واستوفى شروطه.

 

ولنشرح نموذجين بايجاز للتدليل على ما سبق:

 

النموذج الأول: القياس:

 

هو: إلحاق أمر لم ينص على حكمه بآخر منصوص عليه في الحكم الشرعي لاشتراكهما في علة الحكم.

كالذي فعله الفارق عمر رضى الله عنه – حين أخبره بعض ولاته أن بعض الناس يقتني من الخيل مايبلغ ثمن الفرس منها قيمة عشرات الإبل، ومئات الأغنام، فقال:  أنأخذ الزكاة من أربعين شاة، ولا نأخذ من الخيل شيئا؟  وأمر بأخذ الزكاة منها من باب قياس الأولى، وهو ما أخذ به الإمام أبو حنيفة.

 

ومثل ذلك قياس جماعة من الأئمة "غالب قوت البلد" في صدقة الفطر على ما جاء به الحديث من التمر والزبيب والشعير والأقط.

 

النموذج الثاني:  العرف:

 

وهو:  ما اعتاده الناس، وتواضعوا عليه، في شؤون حياتهم، حتى أنسوا به واطمأنوا إليه، وأصبح أمرا معروفاً، سواء أكان عرفاً قوليا كتعارف الناس على أن السمك لا يسمى لحماً، أم عمليا كتعارفهم على البيع بالمعاطاة من غير صيغة الإيجاب والقبول، أم عاماً يتعارف عليه الناس على اختلاف طبقاتهم في كافة البلاد والأقطار، أم خاصاً يتعارف ويشيع في بعض الأقطار دون بعض كالعرف التجاري بين التجار والعرف الزراعي بين الزراع.

 

ومن قضايا الأسرة التي ترك الشارع تحديده للعرف الصالح، تحديد نفقة المرأة قال تعالى:  (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) "البقرة/233"

 

وكذلك المتعة للمطلقة فقال تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) "البقرة 241"

 

وقد أخذ عامة الفقهاء بالعرف وبنوا عليه كثيراً من الأحكام، ومن القواعد الفقهية المشهورة (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص).

 

ولا يعتبر العرف إلا بشرطين:

 

إذا لم يصادم نصاً ثابتا أو إجماعا يقينياً.

 

إذا لم يكن من ورائه ضرر خالص أو راجح.

 

فأما العرف المصادم للنصوص الذي يحل الحرام، أو يبطل الواجبات، أو يقر البدع في دين الله، أو يشيع الفساد والضرر في دنيا الناس، فلا اعتبار له، ولايجوز أن يراعى في تقنين أو فتوى أو قضاء.

 

والأحكام المبنية على العرف تتغير بتغيره مكانا، وزمانا، ومن الأمثلة على ذلك ماذكره القرافي عن مالك "إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول، فالقول قول الزوج، مع أن الأصل عدم القبض"

 

وعلق القاضي اسماعيل – من فقهاء المالكية – على ذلك بقوله "هذه كانت عادتهم بالمدينة:  أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عادتهم على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها، لأجل اختلاف العادات".

 

العامل الثاني: اهتمام النصوص بالأحكام الكلية

 

إن معظم النصوص جاءت في صورة مبادئ كلية وأحكام عامة، ولم تتعرض للجزئيات والتفصيلات والكيفيات، إلا فيما كان شأنه الثبات والدوام، برغم تغير المكان والزمان، كشؤون العبادات والزواج والطلاق والمواريث ونحوها من شؤون الأسرة، فقد عالجته الشريعة بالتفصيل الملائم، سداً لباب الابتداع والتحريف في أمور العبادة، وحسماً للنزاع والصراع في أمور الأسرة، وإرساء لدعائم الاستقرار في الجانبين معاً، وهما أخطر أمور الحياة.

 

أما فيما عدا ذلك مما يختلف تطبيقه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد، فكانت النصوص فيه غالباً عامة ومرنة إلى حدّ بعيد، لئلا يضيّق الشارع على الناس إذا ألزمهم بصورة جزئية معينة قد تصلح لعصر دون عصر، أو لإقليم دون إقليم ، أو لحال دون أخر.

 

ومن الأمثلة على ذلك:

 

الشورى:  فقد جاءت النصوص القرآنية والنبوية مؤكدة على مبدأ الشورى، فقال تعالى:  (والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون) "الشورى/38".

 

ولكن ما صورة هذه الشورى؟  وكيف تتحقق؟  وخاصة في العلاقة بين الحاكم والمحكومين؟  هذا ما تركته النصوص ولم تفصل فيه، لأن لكل زمن أسلوبه، ولكل واقعة ظروفها، ولكل بيئة حكمها، والتزام شكل واحد جامد للشورى أبد الدهر فيه عنت وتعسير وتضييق، والله يريد لعباده اليسر ولا يريد بهم العسر.

 

القضاء:  جاءت نصوص القرآن والسنة تأمر بالعدل في الحكم قال تعالى:  (وإذا حكمتهم بين الناس أن تحكُوا بالعدل) وأن يكون الحكم بما أنزله الله فقال تعالى:  (وأن احكم بينهم بما أنزل الله).

 

ولكن كيف يكون الحكم أو القضاء؟  أيكون القضاء عاماً أم خاصاً؟  أيكون على درجة أم على درجتين أو أكثر؟  أيكون القاضي واحداً  أم يضم إليه غيره في القضايا المهمة؟  كل هذا لم تفصل فيه النصوص، وتركته للاجتهاد وتطور الزمن.

 

العامل الثالث: قابلية النصوص لتعدد الأفهام

 

إنّ معظم النصوص التي تعرضت للأحكام الجزئية و التفصيلية ظنية الدلالة أي أنّ الشارع الحكيم صاغها صياغة تتسع لأكثر من فهم وأكثر من تفسير، مما أدى إلى وجود مدارس متنوعة، ومشارب متعددة في الفقه الإسلامي.

 

ولا عجب أن نجد هذا الفقه الإسلامي الرحب يتسع صدره لمتشدد كابن عمر، ومترخص كابن عباس، ولقياسي كأبي حنيفة، وأثري كأحمد، وظاهري كداود، فرأينا مدرسة الرأي، ومدرسة الحديث، وأهل الألفاظ والظواهر، وأهل المعاني والمقاصد، وبينهم المتوسطين المعتدلين.

 

والأمثلة التي تدلنا على ذلك كثيرة وسأكتفي بمثالين من نصوص القرآن والسنة، لننظر كيف اتسعا لعديد من الأفهام والآراء.

 

المثال الأول:  قوله تعالى(للذين يُؤْلُونَ من نسائِهم تربُّصْ أربعة أشهر، فإن فاءُوا فإنّ الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميعٌ عليم) "البقرة/226-227".

 

ومعنى "يُؤْلُونَ" أي يحلفون، والمراد:  أن يحلف الرجل ألا يجامع زوجته.  قال ابن عباس (كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئاً، فأبت أن تعطيه حلف لا يقربها، السنة، والسنتين، والثلاث، فيدعها لا أيما، ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل الله ذلك للمسلمين أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية).

 

والآيتان تهدفان بوجه عام إلى منع الرجال من مضارة زوجاتهم، والاعتراف بحق المرأة الفطري في الصلة الجنسية، وإعطائها الفرصة للتحرر من سلطان أي رجل مضار يريد حرمانها من هذا الحق مدة لا تحتملها طبيعتها الأنثوية.

 

ولكن الأحكام التفصيلية المستنبطة من الايتين نجد فيها خلافا واسعاً بين الفقهاء منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم، مع اعتماد كل منهم على النص نفسه.

 

ومن هذه الأحكام:

 

اختلافهم في دخول المرأة غير المدخول بها في لزوم الإيلاء:

 

:  قال مالك وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي والنخعي وغيرهم:  المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيها.

 

: وقال الزهري وعطاء والثوري:  لا إيلاء إلا بعد الدخول.

 

اختلافهم في وقوع الإيلاء في حالة الغضب فقط أم الرضا والغضب سواء:

 

2-1:  قال كثير من الفقهاء:  يصح الإيلاء في حالة الرضا والغضب.

 

2-2:  وقال غيرهم:  لا يصح إلاّ في حالة الغضب، يعنون في حالة مناكدة ومضارة للزوجة.  وهو قول علي وابن عباس رضي الله عنهما.

 

اختلافهم في مقدار مدة الإيلاء على أربعة اقوال:

 

3-1:  قول ابن عباس:  لا يكون موليا حتى يحلف ألا يقربها أبدا.

 

3-2:  قول الحسن وإسحاق:  إن أي مدة حلف عليها كان موليا وإن كان يوما.

 

3-3:  قول أبي حنيفة والثوري:  مدة الإيلاء أربعة أشهر فما زاد.

 

3-4:  قول مالك والشافعي وأحمد:  لا يكون موليا حتى تزيد المدة على أربع أشهر.

 

وسبب هذا الخلاف أن الآية حددت مدة التربص والانتظار، ولم تتعرض لمدة الإيلاء.

 

4- اختلافهم فيما إذا فاء الزوج قبل انقضاء الأجل المضروب له، لم تطلق زوجته، فهل عليه كفارة يمين أم لا؟   قولان:

 

4-1:  نعم، لأنه يمين حنث فيه ككل الأيمان.

 

4-2:  لا، لقوله تعالى:  (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) فلم يذكر كفارة بل نبه على سقوطها بقوله (غفور رحيم)

 

اختلافهم في حدوث الطلاق بمجرد مضي المدة المضروبة أم لابد من قضاء وحكم؟

 

5-1:  حدوث الطلاق بمجرد مضي المدة، وهذا القول مروي عن عمروعثمان وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم .

 

5-2: إذا رفعت أمرها إلى الحاكم وقفه وخيّره بين الفيئة والطلاق.

 

وهكذا رأينا في ظل هذا النص القرآني الموجز عن "الإيلاء" مجموعة خصبة من الأحكام الفقهية استنبطت من الآيتين الكريمتين، ورغم اختلافها في تفصيلات شتى، تظل مشدودة إلى النص، مربوطة بهدفه الأصلي، وهو منع الرجال من مضارة النساء.

 

المثال الثاني:  قوله تعالى:  (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)  فهذه الاية تقرر مدة العدّه للمرأة المطلقة، وقد حددتها بثلاثة قروء، وقد اختلف الصحابة والفقهاء من بعدهم في هذه المدة تبعاً لاختلافهم في مفهوم (القرء) فالقرء في اللغة لفظ مشترك بين الحيض والطهر، فحمله بعضهم على الحيض، فقال بأن عدة المرأة المطلقة ثلاثة حيض، وحمله البعض الآخر على الطهر، فقال عدة المرأة المطلقة ثلاث أطهار، ومن المعلوم أن المدة تختلف ما بين الطهر والحيض.

 

النتيجة:  مما سبق يتضح لنا أن جلّ النصوص القرآنية والنبوية الخاصة بالأحكام الجزئية الفرعية باستثناء ما كان منها قطعي الدلالة لا يختلف في مفهومه- أتى بها الشارع وهي تتسع لأكثر من مفهوم، مما أدى إلى وجود اجتهادات متعددة، ومدارس فقهية لها مناهجها وأصولها في الاستنباط.

 

العامل الرابع: تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعرف

 

يعد هذا العامل من أهم العوامل التي تثبت سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها، وهو في حدّ ذاته يعتبر تطبيقاً لما سبق من العوامل، فالشريعة الإسلامية بأحكامها لم تأت إلا لتحقيق مصالح العباد، وإقامة القسط بينهم، وإزالة المظالم والمفاسد عنهم، وهذا ما ينبغي مراعاته عند تفسير النصوص وتطبيق الأحكام، فلا يجمد الفقيه على موقف واحد دائم، يتخذه في الفتوى أو التعليم أو التأليف والتقنين، وإن تغير الزمان والمكان والعرف والحال؛  بل ينبغي مراعاة لمقاصد الشريعة الكلية وأهدافها العامة، عند الحكم في الأمور الجزئية الخاصة.

 

وقد قرر ابن القيم وغيره من المحققين:  "أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والعوائد، والنيات" وقد عقد ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين فصلاً لذلك، وقال في مقدمة هذا الفصل "هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع – بسبب الجهل به – غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكاليف مالا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة – التي في أعلى رتب المصالح – لا تاتى به؛  فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها .....فكل مسألة خرجت عن العدالة إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل".

 

تطبيقات عملية لممارسة قاعدة "تغير الفتوى والأزمنة والامكنة والأحوال والأعراف"

 

هدي السنةالنبوية وتغير الفتوى:

 

المتمعن في السنة النبوية يجد لهذه القاعدة أصلا فيها، في أكثر من موضع ومثال . منها:

 

1-1:  مارواه الإمام أحمد في سنده، من حديث عبدلله بن عمرو بن العاص قال: "كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فجاء شاب، فقال:  يا رسول الله، أقبّل وأنا صائم؟  قال:  لا، فجاء شيخ، فقال: يا رسول الله، أقبّل وأنا صائم؟  قال:  نعم، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله:  "قد علمت نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه" (رواه أحمد في مسنده) فيلاحظ كيف أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- في هذا الموضع أجاب الشاب على سؤاله بجواب يختلف عن إجابته للشيخ رغم أن السؤال واحد مما يدل على مراعاته للأحوال.

 

1-2:  حديث سلمة بن الأكوع قال:  قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  "من ضحى منكم، فلا يصبحن بعد ثلاثة ويبقى في بيته منه شيء".  فلما كان العام المقبل قالوا:  "يا رسول الله، نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟  قال: كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد – أي شدة وأزمة – فاردت أن تعينوا فيها" (رواه البخاري) وفي بعض الأحاديث "إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفت" يعني القوم الذين وفدوا على المدينة من خارجها.  ومعنى هذا أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام في حالة معينة، ولعلة طارئة، وهي وجود ضيوف وافدين على المدينة  في هذه المناسبة الطيبة، فيجب أن يوفر لهم ما يوجبه كرم الضيافة من لحم الضحايا، فلما انتهى هذا الظرف العارض، وزالت هذه العلة الطارئة، زال الحكم الذي افتى به الرسول تبعا لها، فإن المعلول يدور مع علته وجوداً وعدماً، وغير النبي- صلى الله عليه وسلم- فتواه من المنع إلى الإباحة، ولهذا صرح في أحاديثه بإباحة الادخار بعد ذلك قائلاً:  "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا وأطعموا، وادخروا" (رواه البخاري) فهذا مثل واضح لتغير الفتوى بتغير الأحوال.

 

هدي الصحابة في تغير الفتوى

 

الناظر في هدي الصحابة وسنة الراشدين –رضى الله عنهم- يجدهم أفقه الناس في استعمال هذه القاعدة – قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها – ولذلك أمثلة عديدة منها:  تغير فتواهم في عقوبة شارب الخمر، وزكاة الفطر، وفتوى عمر في زكاة الخيل وإيقافه لسهم المؤلفة قلوبهم، وفتواه ايضاً في طلاق الثلاث، وتغيّر الفتوى في قسمة الأرض المفتوحة وغير ذلك.

 

ولا يتسع المقام للحديث عن هذه النماذج كلها، لذلك اكتفي بنموذج واحد هو:

 

تغيّر فتواهم في عقوبة شارب الخمر:

 

فإنه لم يكن فيها في زمن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حد مقدر، وانما جرى الزجر فيه مجرى التعزير، فعن عتبة بن الحارث:  "أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أتى بنعيمان أو ابن نعيمان، وهو سكران، فشق عليه، وأمر من في البيت أن يضربوه، بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه" (رواه البخاري).

 

وفي عهد أبي بكر –رضى الله عنه- قرر العقوبة أربعين على طريق النظر، فقد روى البيهقي عن ابن عباس:  أن الشراب كانوا في خلافة أبي بكر أكثرمنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر:  لو فرضنا لهم لهذا، فتوخى لهم نحوا مما كانوا يضربون في عهد –النبي صلى الله عليه وسلم- فكان أبو بكر - رضي الله عنه – يجلدهم أربعين حتى توفى.

 

وفي عهد عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- شاور الناس في جلد الخمر، وقال:  "إن الناس قد شربوها، واجترأوا عليها:  فقال علي:  إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى – أي قذف الأبرياء - فاجعله حد الفرية -أي القذف- فجعله عمر حد الفرية ثمانين.

 

أما عثمان -رضى الله عنه- فجلد ثمانين وأربعين ، وعلي ورد عنه الأمران وقال: كل سنة.

 

ومما سبق يتضح أن الصحابة –رضي الله عنهم- لم يثبت لديهم أن النبي –صلى الله عليه وسلم- وقت في الخمر حداً معينا، ولوثبت لهم ذلك لم يحتاجوا إلى المشاورة فيه، وإلى استعمال الرأي بالقياس على القاذف وغير ذلك من الاعتبارات.

 

وإذا لم يثبت لديهم نص ملزم، فقد تغير حكمهم، واختلفت فتواهم بتغير الزمن واختلاف الأحوال.

 

تغيرّ الفتوى في عهد التابعين ومن بعدهم:

 

وفي عهد التابعين نجد أمثلة عديدة  لتغير الفتوى منها:

 

ما روى عنهم أنهم أجازوا تسعير السلع دفعاً للضرر عن الجمهور، لتغير أحوال الناس عما كانت عليه في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

 

ما روى أن عمر بن العزيز كان يقضي –وهو أمير في المدينة- بشاهد واحد ويمين، فلما كان بالشام، لم يقبل إلا شاهدين، لما رأى من تغير الناس هناك عما عرفه من أهل المدينة.  وهو القائل كلمته المشهورة:  "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور"

 

ما ذكر أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده، اكتفاء بالعدالة الظاهرة، وفي عهد صاحبيه –أبي يوسف ومحمد- منعا ذلك لانتشار الكذب بين الناس.

 

ويقول علماء الحنيفة في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه:  إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان.

 

وقد خالف المتأخرون من علماء المذهب الحنفي ما نص عليه أئمتهم، والمتقدمون عنهم في مسائل عديدة، بناء على تغير الزمان والحال، وألّف في ذلك علامة المتأخرين منهم الشيخ "ابن عابدين" في ذلك رسالته الشهيرة "نشر العرف" وذكر في هذه الرسالة:  "أنّ كثيراً من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد ، ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد –إمام المذهب- في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به، أخذا من قواعد مذهبه.

 

ما حكى عن الشيخ الإمام أبي زيد القيرواني صاحب "الرسالة" المشهورة في فقه المالكية "أن حائطاً انهدم من داره، وكان يخاف على نفسه من بعض الفئات، فاتخذ كلبا للحراسة، وربطه في الدار، فلما قيل له: إن مالكاً يكره ذلك، قال لمن كلمه:  لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسداً ضاريا!!".

 

وفي كل مذهب نجد مثل هذه المواقف مما يدلنا على مقدار السعة والمرونة التي أودعها الله هذه الشريعة، وجعلها بذلك صالحة لكل زمان ومكان.

 

ضابط لقاعدة تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف:

 

ومما ينبغي التنبيه إليه أننا إذا قلنا بتغير الفتوى فليس معنى ذلك أن أحكام الشريعة كلها قابلة لتغيّر الفتوى بها بتغير الزمان والمكان والعرف، فالأحكام نوعان:

 

نوع ثابت دائم لا مجال فيه للتغير والاختلاف مهما دار الفلك وتغيّرت الظروف والأحوال كوجوب الواجبات، والحدود المقررة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

 

ونوع يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له، زمانا ومكانا، وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإنّ الشرع ينوع فيها بحسب المصلحة، وهذا هو النوع المقصود منه بهذه القاعدة "تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف" التي تطرقنا إليها في هذا العامل الذي يدل على مرونة الشريعة وسعتها.

 

المحور الثالث: ممارسات فقهية لأحكام الأسرة خاصة بعقد الزواج وانهائه متعلقة بالمرأة

 

قبل أن نخوض في بعض هذه الممارسات التي تدل على عمق فقهاء الإسلام ونظرتهم الثاقبة لمقاصد الشريعة الإسلامية، كان لا بد من كلمة موجزة حول كيفية ممارسة فقهاء الشريعة الإسلامية من السلف الصالح للإجتهاد في الأحكام الفرعية ودلالة ذلك على سعة هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

 

أولاً:  أقر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مبدأ الاجتهاد في حياته، بل ودرب صحابته عليه لّما أذن لبعضهم بالاجتهاد إن كانوا بعيدين عنه، فلقد ثبت أن رسول الله لّما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قاضياً قال له:  بم تقضي؟  قال:  بكتاب الله، قال فإن لم تجد، قال:   فبسنة رسول الله، قال:  فإن لم تجد، قال: فبرأي، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي الله ورسوله"، وهذا الحديث يعتبر أساساً في الإذن بالاجتهاد.

 

ولم يقف الأمر عند هذا بل تعداه إلى ان الرسول أمر بعض الصحابة بالقضاء في خصومة أمامه، فقد روى انه صلى الله عليه وسلم قال يوماً لعمرو بن العاص:  "أحكم في هذه القضية، فقال عمرو: أأجتهد وأنت حاضر؟  قال "نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر"

 

ثانياً:  بعد وفاة الرسول –صلى الله عليه وسلم- انتقلت قيادة الأمة في أمور الدين والدنيا إلى خلفائه الراشدين، وكبار الصحابة، فواجهوا أحداثاً لم تكن في عصر النبوة لاتساع رقعة الدولة الإسلامية بفتح الشام والعراق ومصر وفارس وغيره، وفي هذه البلاد نظم لم يألفوها، وعادات وتقاليد تغاير ما عندهم في شبه الجزيرة العربية، وأحداث جديدة ما كانت تعرف لهم في بلادهم، وكل ذلك يتطلب حكم الإسلام فيه، وهم بحكم قيادتهم مكلفون بهذا، فماذا يفعلون والنصوص لم تصرح بالكثير منه؟  فلم يكن لهم منقذ إلا الاجتهاد، واستعمال الرأي على ضؤ القواعد الشرعية، فاجتهدوا تأسياً برسول الله واستصحاباً لإذنه لهم بالاجتهاد في عصره، واستنباطاً من تعليل النصوص لبعض الأحكام، فإن هذا التعليل إشارة إلى أن التشريع قصد به تحقيق مصالح الناس، وهذا يدعو إلى الاجتهاد عند فقدان النص الصريح.

 

ثالثاً:  وحينما أصبح الفقه علماً قائماً بنفسه نشط نشاطاً عظيماً، ووجدت طائفة من العلماء تخصصت فيه، ووقفت حياتها عليه، فتعددت مراكز الفقه، المدينة بفقهائها، ومكة بعلمائها الذين استوطنوها أو وفدوا إليها في مواسم الحج، وفي العراق اشتهرت الكوفة والبصرة ومن بعدهما بغداد بكثرة الفقهاء، كما نجد فقهاء آخرين عاشوا في دمشق، الشام، أو فسطاط مصر ، وقد ورث هؤلاء علم أصحاب رسول الله –صلى عليه وسلم- الذين رحلوا إلى تلك البلدان، كما أخذوا عنهم ما عندهم من الأحاديث، فكان لكل مركز من تلك المراكز فقهه الذي يختلف عن فقه الآخرين من بعض الوجوه، فخلّف لنا هؤلاء ثروة فقهية عظيمة تجعل الفقه الإسلامي بأرائه المتعددة مسايراً لتطور الزمن، وتغير الأحوال.

 

رابعاً:  مما تجدر الإشارة إليه أنّ فقهاء السلف الصالح سواء أكانوا في عصر الصحابة أو عصر المدارس الفقهية حينما مارسوا الاجتهاد فيما لا نص فيه اختلفت آرائهم وتباينت وجهات انظارهم فقد روى عن عمر بن العزيز قوله:  "ما أحب أن أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا، لأنه لو كان قولاً واحداً، كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم، كان في سعة" إلا أنّ ذلك الاختلاف لم يؤد إلى تعصبهم لآرائهم واعتبار أن رأيهم هو الصواب ورأي غيرهم هو الخطأ بل على العكس من ذلك، فعمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وهو خليفة- لقي رجلاً له قضية فسأله ماذا صنعت؟  فقال:  قضي علىَّ بكذا، قال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال الرجل فما يمنعك والأمر إليك؟  فأجابه عمر: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة رسوله لفعلت، ولكني أدرك إلى رأي والرأي مشترك، ولست أدري أي الرأيين أحق عند الله".

 

وقد روى عن الشافعي أنه قال:  "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

 

وبعد هذه الكلمة الموجزة حول ممارسة فقهاء الأمة من السلف الصالح للاجتهاد في الأحكام الفرعية التي لم تستند إلى نص قطعي الدلالة -، فتعددت آرائهم في المسألة الواحدة بناء على مناهجهم ومسالكهم التي وضعوها ليهتدوا بها في استنباطاتهم- نأتي إلى لمحة مبسطة عن ممارساتهم واجتهاداتهم في الأحكام المتعلقة بالأسرة، ولماّ كانت هذه الأحكام متسعة وشاملة فلا يمكن لهذه الورقة أن تغطي جميع جوانب أحكام الأسرة، ولذلك فأنني سأكتفي ببعض المسائل- وخصوصاً منها المتعلقة بالمرأة- التي ناقشها الفقهاء حول إنشاء عقد الزواج.

 

إنشاء عقد الزواج

 

كل عقد من العقود له أركان وشروط، فالأركان بها قوام الشيء ولا تتحقق ماهيته إلا بها لكونها جزءاً من حقيقته، أما الشروط فيتوقف عليها وجود الشيء وتكون خارجة عن حقيقته.

 

وعقد الزواج كغيره من العقود له ركنان هما:  الايجاب والقبول، اللذان يصدران من العاقدين، فيرتبط أحدهما بالآخر فيتحقق العقد.

 

ولست هنا بصدد الحديث عن هذين الركنين بالتفصيل وإنما فقط أتناول مسألتين لهما علاقة بانشاء العقد هما:

 

ولاية الاجبار، والشروط المقترنة بالعقد، وسنرى من خلال مناقشة هاتين المسألتين كيف اختلف فيهما فقهاء الشريعة وتعددت الآراء فيما بينهم، كما ويتضح لنا سعة الشريعة الإسلامية في هذه الآراء التي بنيت على ادلة توصلوا إليها، على خلاف من يأتي في الوقت المعاصر لكي يطبق ويقلد رأياً واحداَ لا يخرج عنه مع أنّ المصلحة العامة للمجتمع لا تتفق مع هذا الرأي، كما وأنه لا يحقق مقاصد الشريعة من كونها محققة للمصالح ودافعة للمفاسد.

 

ولاية الاجبار (الولاية المتعدية)

 

1-1:  حكم ولاية المرأة البالغة العاقلة على عقد الزواج:

 

إختلف الفقهاء في ثبوت هذه الولاية لها:

 

القول الأول:  مالك والشافعي وأحمد قالوا:  ينفرد الولي بزواجها، وليس لها أن تتولى عقد زواجها، ولا زواج غيرها، فلوليها سلطان عليها، لا ينفرد دونها بالزواج، ول تنفرد به بل يشتركان، ويتولى هو الصيغة، لأنهم يرون أن النساء لا يتولين إنشاء عقد الزواج، ولا تعقد بعبارتهم قط، وإن كان لا بد من رضاهن.

 

أدلتهم:

 

1- الرويات الكثيرة التي وردت في ذلك منها:  "ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  "لا نكاح إلاّ بولي، وأيما أمرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، فإن، لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له".

 

ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"

 

إن الزواج من العقود التي تراد لأغراض ومصالح لا تتحقق مع كل زوج، فهو يتطلب العناية والدقة والدراسة الواسعة لأحوال الرجال، ومن يصلح منهم ومن لا يصلح، وهذه الأمور غير متيسرة بالنسبة للنساء، لقلة خبرتهن، وسرعة تأثرهن، وانخداعهن بالثناء، فلهذا لا تحقق مقاصد الزواج إذا ما باشرت المرأة بنفسها عقد زواجها.

 

القول الثاني: أبو حنيفة وأبو يوسف، يجوز انفراد المرأة بزواجها، فلها أن تنشيء العقد بعبارتها من غير اشراك وليها، وإن كان من المستحب عندهم أن يتولى العقد الولي وأن يكون عنه راضياَ، بشرط أن تزوج نفسها من كفء لها و ألا يقل المهر عن المثل، فإن زوجت نفسها من كفء وبمهر المثل صح الزواج عندهم، وكان لازما، رضي الولي بذلك أو لم يرض.

 

أدلتهم: 

 

1- قوله تعالى "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن" (البقرة/232) وقوله تعالى "حتى تنكح زوجاً غيره" (البقرة/230) فقد نسب سبحانه النكاح إلى المرأة وأضافه إليها، ففيه الدلالة على أن النكاح يصدر منها، فلها شرعاً أن تتولى عقد زواجها بنفسها.

 

قوله عليه السلام " الأيم أحق بنفسها من وليها" قالوا: إن الحديث أثبت لكل من المرأة، ومن الولي حقاَ بدلالة "أحق" ومعلوم أنه ليس للولي حق سوى مباشرة العقد إذا رضيت، وقد جعلها أحق منه به.

 

إن المرأة البالغة العاقلة حين تزوج نفسها فقد تصرفت في خالص حقها وهي من أهل التصرف، فيكون تصرفها صحيحاَ، كما إذا تصرفت في مالها بنفسها.

 

القول الثالث:  قال أكثر الإمامية:  إن البالغة الرشيدة تمللك ببلوغها ورشدها جميع التصرفات من العقود وغيرها حتى الزواج، بكراَ كانت أو ثيبا، فيصح لها أن تعقد لنفسها ولغيرها مباشرة وتوكيلاً ايجاباَ وقبولاَ، سواء أكان لها أب أو جد أو غيرهما من العصبات، سواء رضي الأب أو كره، وليس لأحد كائن من كان أن يعترض، فهي تماماَ كالرجل دون أي فرق.

 

أدلتهم:

 

1- قوله تعالى "ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن" (البقرة/232).

 

قوله صلى الله عليه وسلم "الأيم أحق بنفسها من وليها" والأيم من لا زوج لها رجلاَ كان أو امرأة بكراَ كانت أو ثيباَ.

 

إن لكل انسان الحرية التامة في تصرفاته، وليس لغيره أي سلطان عليه قريباَ كان أو بعيداَ.

 

الخلاصة:  من المعلوم عند أهل الاختصاص أن قوانين الأحوال الشخصية في الدول الإسلامية منها من أخذ في هذه المسألة برأي جمهور الفقهاء فلم يعط للمرأة الحق في أن تلي عقد زواجها بنفسها، ومنهم من أخذ بالرأي الآخر في اعطاء المرأة حقها في تولي عقد زواجها بنفسها.

 

وبالنظر إلى أدلة الفقهاء في هذه المسألة وأقوالهم يتبين لي أن هناك شبه اتفاق بينهم في أن للمرأة حق في عقد الزواج وان للولي حق فيه ايضاَ.

 

 فالجمهور على أن المرأة لا تتولى هي الصيغة فلوليها سلطان عليها ولكنه لا ينفرد دونها بالزواج، ولا تنفرد به هي ايضاَ بل يشتركان، ويتولى الولي الصيغة.

 

والحنفية للمرأة أن تلي عقد زواجها بنفسها بشرط ان تزوج نفسها من كفء لها وفي هذا الشرط اعتبار لحق الولي.

 

ومرعاة لهذين الحقين معاَ، ولكون عقد الزواج من العقود الدقيقة التي تتطلب عناية واهتماماَ بالغين لكونه يتعلق بانشاء حياة أسرية تتفق مع مقاصد الشريعة من شرعية الزواج، ورعاية لمصلحة المرأة، أرى بأن ما ذهب إليه الفقيه أبو ثور من مجتهدي مذهب الشافعية يحقق الاعتبارات المذكورة، ويجمع بين النصوص، ويتفق مع المصلحة والمعقول، حيث يقول "أنه لابد في عقد الزواج من رضا المرأة ووليها، وحتى تحقق رضا الولي والمرأة، فأيهما قام بإجراء العقد صح الزواج سواء أكان الولي أم المرأة، فليس لأحدهما أن يستبد بالزواج بدون رضا الآخر، وذلك لأنه لم يعهد في الشريعة الإسلامية أن الانوثة مانعة من مباشرة العقود، بل أنها جعلت المرأة مثل الرجل في التصرفات"

 

فإنني أرى في هذا الرأي صلاح حال الأسر، وقضاء على أسباب النزاع، لأنه ضمان للحقين معاَ حق المرأة من جهة وحق وليها ممثلاَ عن أسرتها من جهة أخرى، فكم من مشاكل أسرية حدثت نتيجة انفراد الزوجة بعقد زواجها بنفسها، وفي المقابل كم من زيجات تصدّعت نتيجة انفراد الولي بعقد زواج من وليها.

 

إلاّ أنه ينبغي عدم الأخذ بهذا القول مجرداَ، وإنما لا بد من أن يربط بأنه في حالة امتناع الولي من تزويج المرأة، وهي بالغة عاقلة، أو لم يأذن لها في الزواج بغير حق كان لها أن تلجأ إلى القاضي، ليأذن لها في الزواج، لأنه بهذا الامتناع الذي لا مبرر له يعد ظالماً، والقاضي جعل لرفع الظلم، دل على ذلك حديث الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم – "فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، يكف الظالم عن ظلمه ، ويرد الحق إلى نصابه".

 

1-2:حكم تزويج الأب ابنته بغير رضاها:

 

هل يحق للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ بدون رضاها بحكم ولاية الإجبار؟

 

-          ذهب بعض الفقهاء على إعطاء الحق للأب في تزويج ابنته البكر البالغ بدون إذنها وهو مذهب الشافعي ومالك.

-           

إلاّ أن الشافعية شرطوا لتزويج الأب ابنته البكر بغير إذنها شروطاً:

 

ألاّ يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة، كطلاق أمها، أو نحو ذلك.

أن يزوجها من كفء.

أن يزوجها بمهر مثلها.

ألا يكون الزوج معسراً بالمهر.

ألا يزوجها بمن تتضرر بمعاشرته كأعمى وشيخ هرم.

 

وفي هذه الشروط تخفيف لبعض آثار الإجبار، ولكنها لا تحل المشكلة من جذورها.  لذلك فإن الرأي الراجح والصحيح في هذه المسألة أنه لا يجوز تزويج البكر البالغ بغير رضاها وهذا ما أقرته وثيقة مسقط للنظام الموحد للأحوال الشخصية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي حيث ورد في الفصل الأول منه المـــادة (18) "يتولى ولي المرأة عقد زواجها برضاها".

 

كما أخذ بهذا القانون المغربي للأحوال الشخصية حيث نص في الفصل الثاني الفقرة الرابعة "لا يسوغ للولي ولو كان أباً أن يجبر ابنته البالغ ولو بكراً على النكاح إلاّ بإذنها ورضاها" غير أن هذه الفقرة من القانون نصت على استثناء مضمونة "إلاّ إذا خيف على المرأة الفساد فللقاضي الحق في إجبارها حتى تكون في عصمة زوج يقوم عليها"، والصحيح إن هذا الاستثناء غير منضبط لأنه يقوم على حالة (الخوف) وهذه حالة تقديرية غير منضبطة فقط يتمكن الولي من التذرع بحالة الخوف عليها من إجل إجبارها على الزواج وبالتالي تقع المرأة في مفسدة عظيمة.

 

فالرأي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة هو أنه لا يجوز تزويج البكر البالغ بغير رضاها، وهو الرأي الذي تؤيده النصوص النبوية التي توجب استئمار الفتاة أو استئذانها عند زواجها فلا تزوج بغير رضاها، ولو كان الذي يزوجها أباها، ومن هذه الأحاديث:

 

قوله –صلى الله عليه وسلم- لا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: كيف إذنها؟  قال: أن تسكت" قوله "البكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها" وقوله " الثيب أحق بنفسها ، والبكر يستأذنها أبوها".

 

وعن عائشة: أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قلت: اجلسي حتى يأتي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من الأمر شئ".

 

وكأن هذه الفتاة الراشدة أرادت أن توعي بنات جنسها بما جعل لهن الشارع من الحق في أنفسهن، حتى لا يتسلط عليهن بعض الآباء أو من دونهم فيزوجوهن بغير رضاهن لمن يكرهنه ويسخطنه.

 

كما أن القول بعدم جواز تـزويج البكر البالغ بغير رضاها ذهب إليه ورجحه كثير من العلماء، كابن تيميه في فتاوي، وابن القيم في زاد المعاد، والصنعاني في سبل السلام والشوكاني في نيل الأوطار.

فقد قال ابن تيمية: "إن استئذان البكر البالغ واجب على الأب وغيره، وأنه لا يجوز إجبارها على النكاح وإن هذا هو الصواب".

 

وقال ابن القيم آبعد ما ذكر ما حكم به النبي –صلى الله عليه وسلم- من وجوب استئذان البكر-:  "وموجب هذا الحكم ألا تجبر البكر البالغ على النكاح ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه".

 

وقال الشوكاني: "ظاهر الأحاديث أن البكر البالغة إذا زُوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم.

 

ومن رجح هذا القول من الفقهاء المعاصرين الشيخ الدكتور/ يوسف القرضاوي، وقد علق على مذهب الشافعي الذي يرى يجوز الإجبار من قبل الولي لابنته البكر بقوله:  "من الانصاف للمجتهدين أن نضع آراءهم في إطارها التاريخي، فإن المجتهد ابن بيئته وزمنه، ولا يمكن إغفال العنصر الذاتي للمجتهد، وقد عاش الإمام الشافعي في عصر قلما كانت تعرف الفتاة عمن يتقدم لخطبتها شيئاً إلاّ ما يعرفه أهلها عنه، لهذا أعطى والدها خاصة حق تزويجها ولو بغير استئذانها.

 

ومن يدري لعل الشافعي لو عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم ، وأنها أصبحت قادرة على التمييز بين الرجال الذين يتقدمون إليها، وأنها إذا زوجت بغير رضاها ستسحيل حياتها الزوجية إلى جحيم وعلى زوجها، لعله لو رأى ذلك لغير رأيه كما غيره من أمور كثيرة، فمن المعلوم أنه كان له مذهبان أحدهما: قديم قبل أن يرحل إلى مصر، والثاني: جديد بعد أن انتقل إلى مصر واستقر فيها ورأى فيها مالم يكن قد رأى، وسمع فيها ما لم يكون قد سمع، وأصبح من المعروف في كتب الشافعية، قال الش