|
صديقتي الانجليزية طبيبة في مستشفى قررت بعد عمر طويل ونجاح مهني وشخصي أن تنجب،
وأثناء حملها قرأت إعلانا عن وظيفة أفضل فتقدمت لها. لم يشعر الذين قابلوها بالرعب
من منظرها ولا بالخوف على مستقبل الوظيفة التي تقدمت لها، بل نظروا للشخص والكفاءة
والخبرة وراء ذلك وحصلت صديقتي على الوظيفة وبعد فترة أنجبت وحصلت على إجازة أمومة
وقضت سنة كاملة مع طفلتها ولم لا فوظيفتها موجودة وتحصل في نفس الوقت على مخصصات
كاملة من الدولة تضمن لها عيشا كريما وتعطيها الفرصة للاستمتاع بأمومتها ولإعطاء
طفلتها الوقت الكافي كي تنشأ إنسانا سويا يتمتع بحقوق وواجبات متساوية.
قبل ما يقارب من ثلاثين سنة تقدمت أمي لوظيفة أعلى في سلك التعليم الذي تعمل به
وكانت حاملا وقد حرصت على ارتداء الملابس الفضفاضة خشية الانطباع السيء الذي يرتبط
بأي موظفة حامل في مجتمعنا وحصلت أمي على الوظيفة وعندما زارتها المفتشة فيما بعد
واكتشفت أنها حامل قالت لها لو كنا نعرف هذا لما اخترناك.
بين صديقتي وأمي ما يقارب الثلاثين سنة تطور العالم خلالها كثيرا وتقدم في جميع
المجالات إلا أن التمييز الذي يمارس ضد النساء في مجتمعنا ما زال كما هو. ما زالت
الموظفة الحامل تعجز عن الاستمرار في عملها في كثير من الأحيان ومازالت المرأة
الحامل تلبس الملابس الفضفاضة لإخفاء الحمل عند تقدمها لوظيفة والأدهى من ذلك ما
زالت الكثيرات يفصلن من عملهن فور إنجابهن. يمارس هذا ضد النساء على جميع المستويات
حتى في مؤسسات تدعي الديمقراطية واللبرالية ومن أناس يزعمون أنهم مع حقوق المرأة.
لو مر علينا ثلاثين سنة أخرى هل نصل لما وصلت له صديقتي الإنجليزية. لا أدري ولكن ما
أعلمه أننا حين نطالب بحقوق المرأة نقرأ النصوص وليس المضمون وأرى أن الحركة
النسوية تركز على حقوق الانتخاب والحقوق السياسية أكثر من غيرها بل وتترك الحقوق
الأساسية مثل الحقوق الإنجابية وحق المرأة في العمل وغيرها مهملة. لا يتم العمل
بجدية على قضايا فصل النساء من عملهن على خلفية الإنجاب.
نطالب بالتوقيع على وتطبيق اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة دون
أن ندرك أنها تنص بشكل واضح على أن من حق المرأة أن تقرر بحرية وبشعور بالمسؤولية
عدد أطفالها والفترات بين الإنجاب وأن من حقها الحصول على إجازة أمومة كافية لها
ولطفلها. وتنص المادة 11 من الجزء الثالث من الاتفاقية على الحق في العمل والحق في
التمتع بنفس فرص التوظيف والحق في اختيار المهنة والعمل والحق في الترقي الوظيفي
والضمان الاجتماعي والتقاعد والبطالة والحق في الوقاية الصحية وفي حماية وظيفة
الإنجاب والحق في حظر الفصل من الخدمة بسبب الحمل أو إجازة الأمومة مع فرض جزاءات
على المخالفين. فأين نحن من هذه الحقوق وعلى عاتق من تقع مسؤولية المطالبة بتنفيذها
وهل يجب أن يتم متابعتها على المستوى الفردي أم على المستوى العام. الحقوق كل لا
يتجزأ وحق المرأة في الانتخاب والمشاركة السياسية لا يزيد أهمية عن حقها بالشعور
بالأمان في حياتها الشخصية ودورها الإنجابي الطبيعي.
وأخيرا يقف خبراء التنمية والاقتصاد ليزعموا أن من المشاكل الرئيسية التي يواجهها
المجتمع الفلسطيني ارتفاع معدلات خصوبة المرأة الفلسطينية وانخفاض معدلات مشاركة
المرأة الفلسطينية في القوى العاملة ويذهب البعض للقول أن الحل الأمثل لخفض معدلات
الخصوبة هو تشجيع المرأة على الدخول لسوق العمل ولكن لا يتم نقاش درجة ودية سوق
العمل هذا والمجال المتاح للمرأة لممارسة حقها في العمل وتحقيق طموحها في ظل غياب
شبه كامل لأي دعم مجتمعي أو مؤسساتي.
لو فكرنا في خطوات عملية لمواجهة الموقف أعتقد أنه لا بد من فتح المجال أمام النساء
اللواتي عانين من التمييز بسبب الإنجاب لطرح مشاكلهن على صفحات صوت النساء وأتمنى
أن تكون هذه دعوة للمهتمات بإثارة قضاياهن وأخص زميلاتي اللواتي اضطررن لترك أطفال
لا تتجاوز أعمارهن الشهر الواحد من أجل الحفاظ على وظيفة مرموقة والزميلة التي
عادت من إجازة الأمومة لتجد ورقة الفصل من العمل والزميلة التي لم تقبل في وظيفة
لأنها حامل ولم يكن هناك أي سبب آخر لرفضها وغيرهن كثيرات لا أعرف تفاصيل قضاياهن.
ربما تكون هذه البداية للإثارة قضية أساسية باتجاه تطوير دعم مجتمعي ومؤسسي
للأمهات العاملات.
|