السياسة الجنائية المعاصرة في مكافحة التحرش الجنسي
التحرش الجنسي سلوك غير مشروع ضد الاخلاق لاستيعابه للأفعال الفاضحة والجارحة للحياء الشخصي وكذلك الحياء العام، فالتحرش هو الإغواء والإغراء والإثارة أو الافساد والخديعة والاحتكاك والتعرض والمضايقات والابتزازات الجنسية أو بالأحرى المراودة عن النفس، وقيل بأن الإغراء والتحريض لهما معنى واحد.
فكلمة "حرض" تؤدي نفس المعنى القانوني لكلمة أغرى والتحريض لغة الحث على الشيء, فهو الحفز والتحريك والدفع والتحريض على ارتكاب جريمة هو الإيعاز بها. وهو ما عبر عنه التعريف اللغوي: بالقول أن التحرش أو الحرش أو التحريش، وهي كلمة مشتقة من الفعل الثلاثي حرش ويقصد به: "إغراؤك الانسان والأسد ليقع بقرنه وحرش بينهم: افسد وأغرى بعضهم البعض, والاحتراش : الجمع والكسب والخداع.
وبذلك نلاحظ أن المعنى اللغوي يقترب حيناً كما قد يبتعد عن المعنى الاصطلاحي للتحرش الذي قد يفيد الاغواء وإثارة العاطفة والغرائز الجنسية، حيث استخدم المصطلح للدلالة على السلوك الذي يهدف إلى الإغواء بقصد الاستمالة إلى ارتكاب افعال لا اخلاقية قد تكون مقدمة لجريمة المواقعة (الزنا) أو الاغتصاب أو اللواط أو هتك العرض. وهو التطفل ذو الطابع الجنسي غير المرحب به ولا المرغوب فيه ويتحقق به اثارة الغريزة لدى المتحرش به على نحو يمس بحيائه. ولا شك أن هذه صورة من صور الأذى التي حذر الله تعالى من وقوعه على المرأة، قال تعالى:"فلا يؤذين" من آية 59 من سورة الاحزاب، وإن كان الفقه الإسلامي لم يعرف هذا المصطلح لأن هذا اللفظ لم يستخدم في الكتاب والسنة، ومع ذلك يتفق على أن التعبير عنه يشمل مقدمات الزنى أو اللواط المحرم شرعاً.
وغني عن البيان أن التحرش قد يتعرض له الرجل أو المرأة على السواء، ومن رجل على رجل، أو إمرأة على إمرأة، ولكن الصورة الغالبة هي وقوعها على المرأة من قبل الرجل، والحالة التي تتعرض لها هي حالة التحرش الجنسي في الاماكن المغلقة، كـأماكن العمل أو الدراسة أو البيت، وليس المقصود بالتحرش الجنسي التعرض للفعل الفاضح والعلني الواقع على المرأة عن طريق أحد صور العلانية وفي الاماكن العامة أو في الطرق وهو ما عالجته معظم التشريعات العقابية منذ القدم.
بل أن ما يزيد الأمر صعوبة حينما يكون المتحرش صاحب سلطة على المرأة، مثل صاحب العمل فقد يؤدي عدم استجابة المرأة لرغباته الجنسية إلى فقدها لوظيفتها أو عدم ترقيتها، أو أحد أقارب المرأة الساكنين معها في المنزل ومما له سلطة فعليه عليها فأي كارثة تلك، أو تلك التحرشات على اطفال في المدارس أو في الجامعات من أصحاب السلطة عليهم ولا تحتاج المسألة للتفكير ملياً لمعرفة مدى الكارثة والظلم الواقع في كل تلك الحالات، بل أن المصيبة الأكبر هو ضبابية التشريعات العقابية في تلك الحالات حيث لا يصل الامر إلى حد الجرائم الجسيمة من اغتصاب أو هتك عرض، بل الأمر يتعلق بإلحاح في طلب لقاء أو مداعبة أو إطلاق النكات الجنسية أو اللمس في غير عورة وفي أماكن مغلقة, بل إن من يزيد الأمر صعوبة بالطبع هو صعوبة اثبات وقوع التحرش الجنسي في تلك الحالات.
ففي حياتنا المعاصرة تزداد معاناة المرأة سواء العاملة او الدارسة أو ربة البيت - كما ذكرنا آنفاً- في بعض الاحيان بسبب ظاهرة التحرش الجنسي، والتي تتكون مظاهره بين التحرش الشفهي من اطلاق النكات والتعليقات المشينة، والتلميحات الجسدية، والإلحاح في طلب لقاء، وطرح اسئلة جنسية، ونظرات موحية إلى ذلك، ثم تتصاعد حتى تصل إلى حد اللمس والتحسس والقرص، وهو ما يعد وبحق من ألوان إهانة المرأة وإذلالها.
وغني عن البيان أن ظاهرة التحرش الجنسي هي قضية مسكوت عنها في المجتمع العربي نظراً لحساسية هذه القضية من عدة نواح الأولى: الخوف من تلويث السمعة، والثاني: أن إثبات حدوث التحرش من أصعب الامور على المرأة وبخاصة في الاماكن المغلقة وبذلك فإن جريمة التحرش الجنسي تختلف عن الفعل الفاضح في مكان عام المنصوص عليه في أغلب التشريعات العقابية العربية، والثالث: وهو الأهم هو الخوف من فقد الوظيفة او العمل، أوالتعتر في الدراسة اذا تم التحرش في المدارس والجامعات، ولا شك أن التحرش الجنسي اذا تم في البيت من أحد الأقارب تصبح الأمور أكثر تعقيداً، فالبيت من المفروض هو المكان الآمن للمرأة.
فقد اثبتت الدراسات النفسية على المرأة المجني عليها أنه عندما لا تكون المرأة المتحرش بها راضية بالأمر، فإن الأمر يصبح مطاردة، والاحساس بالمطاردة قد يسبب الانهيار العصبي، خاصة اذا كانت ظروف المرأة لا تسمح لها بمغادرة مكان العمل أو الدراسة أو البيت، فإن بقيت تحت الضغط قد تصاب بأمراض نفسية مثل: القلق، والسهر، واللامبالاة، والخوف، والتعرض للكوابيس وأخيراً تصاب بالانهيار، وإذا كان بإمكان المرأة المغادرة أو الهروب فإنها تصبح حذرة في علاقاتها حيث ستظل التجربة السلبية راسخة بذهنها وبداخلها. وإذا وقعت المرأة في شباك المتحرش بها، فيتهدم بيتها وعلاقتها مع زوجها، وبذلك تعيش مع من قوض حياتها الهانئة سعياً وراء السراب.
ولا مرية ان دراسة هذه الظاهرة من الصعوبة بمكان فالارقام والاحصائيات لا تمثل الا جانباً بسيطاُ من تلك المعاناة التي تعيشها المرأة وبخاصة العاملة في العالم اليوم، ولا شك أن ذلك يؤثر على الحياة الإقتصادية، ومبدأ المساواة بين الجنسين فنجد أنه في عالمنا العربي تصريح لمدير منظمة العمل العربية إبراهيم قويدر: "بعد أن لاحظت منظمة العمل العربية انتشاراً للموضوع في الوطن العربي بشكل مخيف من خلال ارتفاع حالات شكاوى النساء الإدارية ضد مرؤوسيهن تحت مسميات تحض غالبيتها خلفيات تحرش".
وفي مصر نجد أن ظاهرة التحرش الجنسي يثير قلقاً بالغاً بعد تفشي تلك الظاهرة وخطورتها على المجتمع المصري، وجميعنا يذكر حالات التحرش الجنسي الجماعي التي تمت في شوارع القاهرة أثناء الأعياد. فالأرقام التي تثير الفزع جاءت بها صحيفة أخبار الحوادث المصرية حيث ذكرت أن من بين مائة إمرأة يوجد 68 تعرضن فعلاً للتحرش الجنسي داخل محيط العمل سواء كان هذا التحرش لفظياُ أو بدنياً. ولقد توجهت الجمعية المصرية لحقوق المرأة إلى لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب بمشروع قانون لمواجهة عمليات التحرش الجنسي بالمرأة يضع عقوبات على مرتكبي هذه العمليات، ولا يختلف الأمر كثيراً في بقية البلاد العربية مثل الجزائر والمغرب.
وكذلك تشير إحصائيات المفوضية الأوروبية إلى أنه خلال الأعوام الماضية تعرض نحو 50 في المئة من النساء العاملات إلى تحرشات جنسية. وجميعنا يذكر الاتهامات الموجهة إلى شخصيات بارزة مثل: الرئيس كلينتون، وقاضي المحكمة العليا كلارينس ثوماس، والسيناتور بوب باكوود، ومفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين رود لوبزر، الذي قدم استقالته على خلفية الإتهامات الموجهة إليه بالتحرش الجنسي.
ولقد أثار البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان السابق اهتمام الأوساط الدينية لموقفه الشجاع، حيث وجه رسالة مباشرة عبر الانترنت اعتذر من خلالها لضحايا التحرش الجنسي لبعض الكهنة جاء الإعتذار لراهبات من العالم الثالث في وثيقة أصدرها البابا مستعرضاُ الموضوعات التي تناولها مجمع كنسي عقد في الفاتيكان عام 1998 للأساقفة من منطقة "الأوقيانوس" التي تتألف من معظم الجزر الصغرى في المحيط الهادي، قال البابا في وثيقته أن التحرشات الجنسية من بعض رجال الدين سببت معاناة هائلة وضرراً روحياً للضحايا.
فالتحرش الجنسي أصبح شائعاً مما استلزم التدخل القانوني، فالتحرش الجنسي لا يمكن التساهل معه أو تجاهله، لذلك كان تجريم التحرش الجنسي هو علامة على الفكر الحديث الذي يتجه نحو تعديل القانون العقابي، الأمر الذي يكشف عما يحتويه زماننا هذا من قيم، بيد أن التجديد لا يتم بسهولة وذلك نظراً للتنوع الحادث في مفهوم الجريمة، وتباين القيم السلوكية ومساحة الحرية التي تلتصق به.
وقبل التعرض لمفاهيم التحرش الجنسي سواء في النظام الفرنسي أو في النظام الأمريكي كنموذجين للمدرسة اللاتينية الأول، والثاني للمدرسة الانجلوامريكية، يجب التعرض للمصلحة المحمية في جرائم العرض بشكل عام ألا وهي الحرية الجنسية، والمعايير المختلفة بين الأخلاق او الدين والقانون بالقول بأن: الحماية الفعالة للعرض هي في الوقت ذاته حماية للسلام الاجتماعي إذ يردع المشرع بها أفعال تجرح الشعور الطبيعي بالحياء وتمس كرامة الفرد والعائلة، وتهدد حصانة البدن ومن شأن ارتكابها أن يولد عوامل إجرامية تدفع إلى جرائم أكثر خطورة كالإعتداء على الحياة أو على الجسم أو على الحرية.
والعرض لغة:ً يعني الجسد، أما عرفاً :هوالطهارة الجنسية أي التزام الشخص بممارسة سلوك جنسي لا يعرضه لأي لوم اجتماعي، بيد أن للعرض في القانون الوضعي مدلولاً مختلفاً فهو لا يرادف الفضيلة الاجتماعية وإنما يعني فحسب" الحرية الجنسية" ومن ثم يعد الفعل اعتداء على العرض إذا تضمن مساساً بهذه الحرية أو خروجاً على الحدود الموضوعة لها.
فالقانون له مجاله الذي يختلف عن مجال الأخلاق فلكل منهما دائرته الخاصة التي لا تتعداها إلى الأخرى، فدائرة القانون اضيق من دائرة الأخلاق، فالقانون لا يعاقب على ما تستهجنه مبادئ الأخلاق، إنما ينتقي بعض الصور من الجرائم الاخلاقية التي تتميز عن غيرها بأضرارها على نحو جسيم بالتنظيم الاجتماعي سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا ظهر جلياً مع بداية الثورة الفرنسية وسيطرة العلمانية على مختلف المفاهيم الاجتماعية، ومن ثم على التشريعات التي توفر لها الحماية، فلم يعد حتماُ أن يشكل الفعل الذي يعتبر خطيئة في نظر الدين أو عيباً في نظر الاخلاق وعملاً غير مشروع في نظر القانون، فقد انفصل الدين عن الأخلاق، وظهرت الحرية الشخصية باعتبارها شيئاً مقدساً من روافد الثورة الفرنسية وبدأ المجتمع في انكار السلطة العامة في الإطلاع على التفاصيل الخاصة بالحياة الشخصية للفرد وفي مقدمتها محاربة الجنس، لذلك بنى المشرع الجنائي خطته على الاعتراف للأفراد بالحرية الجنسية مما يعني اعتبار تلك ممارسة مشروع مادامت تمت بالرضا وهو ما عبر عنه المؤتمر التاسع للقانون الجنائي المنعقد بلاهاي عام 1964م عن هذه الفلسفة بأن أصدر توصية تقرر أن الصلات الجنسية بالرضا بين البالغين لا يجب أن تعتبر جريمة. وعليه فإن أي اعتداء على الحرية الجنسية يشكل خرقاُ للتنظيم القانوني لتلك الحرية.
وبذلك نجد أن الإعتداء على الحرية الجنسية واضح اذا اتخذت الجريمة صورة الإغتصاب أو هتك العرض بالقوة أو التهديد، فقد اكره المعتدى أو المجني عليه على سلوك جنسى لم تتجه إليه إرادته، أو إذا تم الفعل على من لم يبلغ السن التي لايعتد فيها بالرضا فتتكون جريمة هتك العرض دون قوة أو تهديد، فكذلك فإن الإعتداء على هذه الحرية يتحقق وقد تتخذ الجريمة صورة الفعل الفاضح، أو بالتحريض على الفسق، أو التعرض لأنثى على وجه يخدش حياءها (المداعبة)، فإن معاني الاعتداء على الحرية الجنسية في الافعال تلك قد تحقق نتيجة ايذاء الشعور بالحياء الجنسي لدى المجني عليه. أما في جريمة الزنا فإن الفعل يتضمن تخطياُ للحدود التي وضعها القانون على الحرية الجنسية للزواج وقد قام هذا الزوج بخرق هذا التنطيم القانوني. ولا شك أن القانون قد تطلب من الجاني أن يرتكب تلك الافعال عن قصد لا عن خطأ.
والقاعدة إن لا أهمية لمكان ارتكاب الجريمة ولا للوسيلة متى تحققت الماديات على الوجه الذي جرمه قانون العقوبات، ومع ذلك فقد تطلب المشرع لتكامل جريمة الفعل الفاضح والتحرش بأنثى ارتكاب السلوك المجرم في محل عام أو مفتوح أو معروض للجمهور،بما يفيد إن التحرش الجنسي الذي يقع داخل الأماكن المغلقة في صورة فعل فاضح لا يسأل عنه مرتكبه لأن ركن علانية الجريمة غير متوفر، وهو ما يقع عملاً في أماكن العمل، لأن جريمة الفعل الفاضح تتطلب أن يرتكب الفاعل جريمته في مكان عام إذا لم تتم بطريق العلانية ولكن إذا اكتفى باستخدام إشارة بيده أو بالقول لها دلالة جنسية داخل هذا المكان المغلق أو طلب منك مرافقته، أو أن الترقية رهناً بالخضوع لرغباته، فإن ذلك للأسف غير مجرم قانوناً إلا إذا تجاوز حدوده باستطالة ما هو عورة في جنس المجني عليه ضحيه التحرش وهو ما يتحقق به جريمة هتك العرض وذلك في معظم التشريعات العقابية العربية!!!
وبتناول مفهوم التحرش الجنسي في القانون الجنائي الفرنسي – حيث تعتبر فرنسا هي أول دولة أوروبية تقرر تجريم التحرش – ويقصد به الفعل الذي يقع من خلال التعسف في استعمال السلطة باستخدام الأوامر والتهديدات والإكراه بغرض الحصول على منفعة أو امتيازات أو مزايا ذات طبيعة جنسية، بيد أن هذه التصرفات ترمز فقط إلى الإغراء والأهواء. وقد تناولت المادة 222/33 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد لعام 1994 هذه الجريمة في نهاية الباب الخاص " بالإعتداءات الجنسية" بعد ما كانت سابقاً في باب " التمييزات المبني على الجنس" ، وبذلك وضع المشرع فعل التحرش جنباً إلى جنب بجوار جرائم الإغتصاب والإيذاء الجنسي المقترن بعنف، وأدخل المشرع الفرنسي تعديلاً آخر بتاريخ 27/6/1998م بالقانون رقم 468/98 وقد عاقب بمقتضاه المشرع بالحبس لمدة عام وغرامة 100 الف فرنك.
ولقد تم تجريم التحرش اعمالاً لمبدأ المساواة بين الأجناس، وحماية الحرية الجنسية، ورفض التمييز الجنسي، مع الأخذ في عين الإعتبار أن كلمة التحرش تفترض في اللغة الفرنسية تكرار موقف موقف وجنائياً تكرارالإعتداء المستمر وتعني إزعاج، اي التعرض دون توقف إلى هجمات متكررة أي إغارات سريعة لا تتوقف. وهذا وقد تناول المشرع الفرنسي أيضاً جريمة التحرش الجنسي في قانون العمل وسماها التمييز في الوظيفة على أساس التحرش في المادة 151-1-1 من قانون العمل وفرض عقوبة الحبس لمدة عام وغرامة 520 فرنك أو احدى هاتين العقوبتين.
ويتمثل الفرق بين الجريمتين في كل من قانون العقوبات وقانون العمل تتمثل في الضغوط حيث أن المشرع الفرنسي في القانون الجنائي لم يأخذ بالضغوط بخلاف قانون العمل، وأن المنفعة الجنسية في قانون العمل قد تكون للشخص ذاته بل متصور أن تكون للغير، وأن مفهوم التمييز يتضمن مفهوم البعد الإقتصادي لذلك لا يشمل جميع التحرشات التي لا تترجم أي نتيجة مادية، ويلاحظ أن هذه الجريمة من جرائم السلوك والمشرع الفرنسي لا يتطلع لتحقيق نتيجة معينة فالمشرع نظر لهذه الجريمة باعتبار أنها جريمة شكلية لأنه يهدف إلى توفير حماية أكثر للحرية الجنسية، وهذا يتطلب المشرع في هذه الجريمة توافر اركانها من الركن المادي: المتمثل في سلوك الإزعاج الجنسي، والركن المعنوي المتمثل: في القصد الجنائي وأنها جريمة عمدية وأركانها العلم والإرادة، وبذلك نرى أن المفهوم الفرنسي مغايراً للمفهوم الأنجلوامريكي للتحرش، ففي النظام الفرنسي يتعلق الأمر بإستغلال النفوذ في اماكن العمل، أما في المفهوم الامريكي يتضمن التحرش الجنس التمييز على أساس الجنس وهو لا يوجد في مكان العمل فقط بل يمكن أن يوجد في أماكن أخرى مثل المدارس والجامعات والمعاهد والمستشفيات، فالولايات المتحدة حساسة للغاية لظواهر التمييز لأسباب تاريخية لأنها مرتبطة بالمشكلة العرقية.
فجريمة التحرش الجنسي في الولايات المتحدة يعتبر الأساس لها هو قانون الحقوق المدنية الأمريكي الصادر سنة 1964م، حيث يحظر القانون أي تمييز في الإلتحاق بالوظائف على أساس الجنس والدين واللغة والعرق، ويحرص بالبتعية على عدم التفرقة بين الرجال والنساء في تولي الوظائف. وفي سنة 1980 صدر قانون من لجنة فرص التشغيل المتساوية(I.A.O.S) يحظر كافة أشكال التمييز الجنسي وتصنيف التحرش الجنسي على طبقتين المقابل وبيئة العمل، وأضاف قانون الحقوق المدنية المعدل سنة 1991 شروطاً للحماية من التحرش الجنسي متضمنا الجمع بين الإلتماس من التحرش الجنسي والجمع بين العقوبتين الناتجتين عن اضرار التمييز والتحرش.
وكانت المحكمة العليا الإمريكية سنة 1986م في قضية بنك ميرتيون ف فينسون أعلنت أن التحرش الجنسي هو تمييز جنسى غير قانوني مخالفاً لقانون حقوق المدينة 1964م، والتحرش الجنسي يكون غير قانوني عندما ينشر في مقر العمل نوعاً من التخويف التمييزي، ويغير شروط وظيفة الضحايا وينشئ بيئة عاملة بذيئة. وفي 7/1/1999م ذكرت المحكمة العليا الأمريكية أن المسؤولين ( رب العمل ) يمكن أن يواجهو اتهاماً جنائيا، فالتحرش الجنسي سلوك غير مقبول ولا يجب أن نسمح به في أماكن اعمالنا ومدارسنا، فموقف القضاء الأمريكي يعتبر التحرش الجنسي انتهاكاً للقسم 7 من قانون الحقوق المدنية، وهذا وقد صدر قانون في ولاية كاليفورنيا يمنع التحرش الجنسي وكذلك صدر في ولاية الينوي الأمريكية قانون يمنع فيه السلوك التمييزي.
فالتحرش الجنسي شكل من أشكال التمييز الجنسي وعدم المساواة وينشئ بيئة عمالية سيئة ويتمثل التحرش الجنسي في اللفظ والقول واللمس الجسدي وهو يستعمل كأساس في القرارات الوظيفية والتحرش الجنسي قد يكون بمقابل وهو الذي يتم فيه الرضوخ للمتحرش الجنسي مقابل الوظيفة أو العمل. وبذلك فإن التحرش الجنسي يفترض أن الأفعال التي يترتب عليها آثار أقتصادية ملموسة على المجني عليه وبذلك تخلف آثار نفسية، ويأخذ التحرش الجنسي مع الأخذ بعين الإعتبار التوجه إلى مسئولية رب العمل عن جريمة التحرش الجنسي اذا لم يتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع التحرش في مصنعة أو منشآته... الخ وهو ما نهجته المحاكم الأمريكية في أمريكا إحدى صورتين الأولى: التحرش الجنسي مع وجود صلة رئاسية، والثاني: التحرش الجنسي بدون صلة رئاسية.
أما في بلادنا العربية فنجد فقط هذه الجريمة مجرمة في كل من المغرب وتونس، ففي الفصل 503/1 من القانون الجنائي المغرب لسنة 1963م عاقبت على التحرش حيث جاء نص المادة كما يلي:" يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين وبالغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف درهم، من اجل جريمة التحرش الجنسي كل من استعمل ضد الغير أوامر أو تهديدات أو رسائل إكراه أو ايه وسيلة أخرى مستغلاً السلطة التي تخولها لها مهامه، لأغراض ذات طبيعة جنسية". وقد أضيف هذا الفصل بمقتضى المادة الخامسة من القانون رقم 24.03 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي.
وكذلك معاقب على التحرش الجنسي في المجلة الجزائية التونسية بموجب الفصل 226 ثالثا اضيفت بالقانون عدد 63لسنة 2004م المؤرخ في 2 أوت2004 والتي جاء نصها كالآتي:" يعاقب بالسجن مدة عام وبخطية قدرها ثلاثة آلاف دينار مرتكب التحرش الجنسي. ويعد تحرشاُ جنسياً كل إمعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال وأقوال أو إشارات من شأنها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه وذلك بغاية حملة على الإستجابة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الرغبات. ويضاعف العقاب اذا ارتكبت الجريمة ضد طفل أو غيره من الأشخاص المستهدفين، بصفة خاصة بسبب قصور ذهني أو بدني يعوق تصديهم للجاني" ويلاحظ أن النص التونسي أفضل وأشمل وأحدث من النص المغربي. أما بقية الدول العربية فلم تجرم التحرش الجنسي، وإن كان بعض الفقهاء المصريين يرون بأن التشريعات العربية بها من الجرائم ما يكفي لمواجهة مثل هذه الأفعال ( التحرش الجنسي) وبخاصة في القانون المصري، ولكن اتضح من سرد مفاهيم هذه الجريمة أن حالاتها لا ينطبق عليها أوصاف الجرائم التي تمس العرض أو الأداب العامة أو الأسرة وبخاصة الجرائم التي ترتكب في الأماكن المغلقة مثل أماكن العمل أو الدراسة أو البيت.
وإني أناشد المشرع الفلسطيني خاصة والمشرع العربي عامة بتقنين جريمة التحرش الجنسي في المدونة العقابية لما لها من أهمية في حماية الحياء العام والخاص ، وحماية المرأة من الوقوع في براثن تلك الجريمة النكراء مع تشديد العقاب في حالة كون المتحرش بهم من الأطفال. وبالفعل ففي مسودة مشروع قانون العقوبات الفلسطيني المعد في عام2010م والمقدم لمجلس الوزراء والذي شرفت بأن كنت أمين سر لجنة مشروع قانون العقوبات، وتقنين جريمة التحرش الجنسي طبقاُ لمفهومها الحديث وذلك في المادة 405 منه والتي جاء نصها كالتالي:
1. يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة قدرها ثلاثمائة دينار كل من ارتكب فعل التحرش الجنسي.
2. يقصد بالتحرش الجنسي كلا إمعان مضايقة الغير بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات من شأنها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه وذلك لحمله على الإستجابة لرغباته أو رغبات غيرة الجنسية أو بممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الرغبات.
3. يضاعف العقاب اذا ارتكبت الجريمة ضد طفل أو شخص من ذوي القصور الذهني أو البدني الذي يعوق تصديهم للجاني.
4. لا تقل العقوبة عن الحبس لمدة سنتين إذ كان الفاعل أحد الاصول أو الفروع، أو من المتولين التربية أو الملاحظة، أو ممن لهم سلطة وظيفية أو فعلية على المجني عليه.
وحسناً فعل المشرع الفلسطيني لتلبية متطلبات السياسة الجنائية المعاصرة في جريمة مكافحة التحرش الجنسي بل أن هناك من وضع قانونا خاصا لمكافحة التحرش الجنسي مثل تشيلي.




أضف تعليقك