الرئيسية | أخبار ونشاطات | أخبار ونشاطات دولية | النساء الأفغانيات... معاناة مع القضاء

النساء الأفغانيات... معاناة مع القضاء

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

"أرجوك ساعدنا"، هذه كانت الكلمات الأولى التي استقبلتني بها موكلتي الأفغانية، "جولناز"، عندما التقيتها لأول مرة داخل سجن كابل الذي يستضيف بين جدرانه، أو بالأحرى خلف قضبانه، المئات من النساء الأفغانيات اللواتي، وعلى غرار "جولناز"، يقضين فترات سجن طويلة بسبب ما يطلق عليه بالجرائم الأخلاقية المرتبطة بالزنى، أو الفرار من البيت، و"جولناز" بجسدها النحيف التي لم تتجاوز العشرين ربيعاً كانت عند لقائنا بها في السجن متمسكة برضيعها الذي حملت به إثر تعرضها لحادثة اغتصاب، حيث أنجبت في السجن وقضت فيه عامين مع وليدها، وبعيون دامعة سردت "جولناز" وقائع الاعتداء الذي تعرضت له، وكيف أنها عندما ذهبت إلى الشرطة مع أمها للتبليغ عن الحادث تم اعتقالها لتوضع في السجن وكأنها المجرمة وليست الضحية، لكن مشكلة "جولناز" مع النظام القانوني في أفغانستان ليست الوحيدة، بل هناك نساء كثيرات ما زلن يعانين من انحياز النظام القضائي ضدهن حتى بعد مرور سنوات على نشاط مناضلي حقوق الإنسان في أفغانستان ودفاعهم المستميت عن حقوق المرأة.

وبعد سنوات أيضاً على التواجد الأميركي في البلاد، هذا التواجد الذي كان من بين مبرراته تخليص الأفغان من حكم "طالبان" وتحرير النساء من ظلم القوانين الجائرة، وخلال اللقاء مع "جولناز" أخبرتني عن محنتها مع المحكمة في كابل، وكيف أنها تجهل تماماً، بسبب أميتها، الإجراءات وتعقيداتها، فقد أُرغمت على تمثيل نفسها بعدما تغيب المحامي عن حضور الجلسة. ومع ذلك رفض القضاة الذين أداروا الجلسة السماح لها بالحديث، واكتفوا بتقريع "جولناز" متهمين إيها بالكذب، ذلك أنه في نظرهم لا يمكن لامرأة أن تحمل من أول وهلة، فكان هذا الاعتقاد البعيد عن الموضوعية، والواقع كفيل برميها في السجن لإثني عشر عاماً.

والمشكلة أن معاناة "جولناز" مع قانون يجرم المرأة أخلاقياً حتى قبل التأكد ليست محدودة، بل تمس تقريباً نصف النساء في سجن كابول، ولإعادة فتح ملف "جولناز" وإخراجها من محنتها تقدمت بطلب عفو مصحوباً بعريضة ممهورة بأزيد من ستة آلاف توقيع إلى السلطات العليا في أفغانستان، فكما أسلفت كان أحد أسباب الحرب الأميركية على أفغانستان والإطاحة بنظام "طالبان" القضاء على الإرهاب والتطرف، الذي كما قال بوش الإبن نفسه "يقمع النساء".
وفي نوفمبر 2001 أقر الكونجرس الأميركي قانوناً يدين الاضطهاد الذي تمارسه "طالبان" ضد النساء في أفغانستان، مشدداً على الحاجة إلى تمكين النساء من خدمات أفضل في مجالي الصحة والتعليم، هذا الاهتمام بمصير النساء لم يقتصر فقط على المجتمع الدولي، بل امتد إلى الحكومة الأفغانية نفسها التي أقرت في 2009 قانون الحد من العنف ضد النساء الذي وإن كان قد حظي بإشادة دولية واسعة، إلا أنه ظل يفتقد للمراقبة الميدانية للتأكد من فعاليته على أرض الواقع وبقي القانون غير معمول به في المحاكم الأفغانية التي تستمر في توقيع عقوبات قاسية ضد النساء دون التحقق من الجرائم المنسوبة إليهن.
وفي حالة "جولناز"، وبعد رفع طلب العفو إلى الحكومة استجاب كرزاي فوراً بتشكيل لجنة قضائية تضم أعضاء من وزارة العدل والمحكمة العليا. ومكتب المدعي العام لتوكل إليهم مهمة التحقيق في جميع قضايا النساء المدانات بجرائم أخلاقية، وهي خطوة غير مسبوقة من قبل الحكومة الأفغانية في إقرار ضمني بوجود اختلالات خطيرة في العملية القضائية التي تهم النساء، وهكذا خلصت اللجنة أن إدانة "جولناز" استندت إلى تأويل متطرف للشريعة الإسلامية دون التحقق من الأدلة الموضوعية، هذا التأويل للشريعة الإسلامية يبقى من مخلفات فترة حكم "طالبان" التي فرضت قواعد متشددة يقول المسلمون أنفسهم إنها بعيدة عن صحيح الدين ومقاصده النبيلة.

وفي 14 ديسمبر الماضي، استجاب "كرزاي" لطلب العفو، وأخلى سبيل "جولناز" بعدما اعترف بأن تهمة الزنى التي وجهت لها كانت مغلوطة وقائمة على تصورات ثقافية وتقاليد اجتماعية أكثر منها قواعد أخلاقية صحيحة تنهل من الدين الإسلامي. وتكمن أهمية العفو بالأساس في تسجيل سابقة تشجع النساء على التوجه إلى المحاكم، في حال تعرضن لاعتداءات والوثوق أكثر في الجهاز القضائي الذي تلقى إشارات واضحة بضرورة إنصاف النساء والتعامل الإيجابي مع قضاياهن. وفي هذا السياق يلعب الضغط الدولي على الحكومة الأفغانية، وعلى القضاء دوراً مهماً في تصويب الاختلالات التي تعاني منها النساء، لا سيما في ظل استمرار المساعدات الدولية للحكومة الأفغانية وتمويل العديد من مشاريعها.

ويجب التركيز بالخصوص على إصلاح النظام القانوني بالتأسيس لمبادرات قانونية متقدمة تخلص المحاكم من الانحياز ضد المرأة، وتكرس لثقافة جديدة تتحرر ما أمكن من التركة الثقيلة لطالبان، ورغم الحاجة إلى احترام الخصوصيات الثقافية لبلد مسلم مثل أفغانستان ومراعاة مبادئ الشريعة الإسلامية التي يُستمد منها التشريع وتُبنى عليها القوانين، إلا أنه في نفس الوقت يتعين الالتزام بالقوانين الدولية وتبني نظرة فقهية منفتحة لا تغمط النساء حقوقهن. وللحد من المعاملة السيئة للنساء في القضايا المعروضة على المحاكم يتعين على الحكومة الأفغانية إنشاء لجنة مشتركة بين مكتب المدعي العام والقضاة تنظر في الجرائم الأخلاقية، وتضمن عدم الزج بالنساء ضحايا العنف، اللواتي يفترض إنصافهن، في السجن.

سجّل لتصلك آخر التعليقات التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • نسخة قابلة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية كاملة
السمات الأكثر بحثاً
لا توجد سمات لهذا الموضوع
قيم هذا الموضوع
0
آخر التعليقات
أمان في خدمتكم دائماً
إتصل بنا