استطلاع: الصمت لم يعد خيارا في حوادث الاغتصاب
"سألجأ للشرطة إذا تعرضت ابنتي للاغتصاب، ثم أعرضها على طبيب نفسي".. كان هذا هو التصرف الذي وقع عليه اختيار أغلبية جمهور شبكة إسلام أون لاين عند نشرها استطلاع "بعد الاغتصاب"، وهو ما يتعارض مع الفكرة السائدة عن طبيعة تعامل الضحية وأسرتها مع مثل هذا الحادث لخصوصيته، والتي أكدت عليها الدراسات الاجتماعية والتقارير الإحصائية من أن الغالبية العظمى تلجأ إلى الصمت وتجاهل الآثار النفسية التي تعاني منها الفتاة.
وكان الموقع أطلق صفحة متخصصة لتقديم الدعم النفسي لضحايا الاغتصاب ورفع الوعي بضرورة مراعاة التعامل السليم مع المغتصبة حتى تتمكن من تخطي الحادث، وفي هذا الإطار أجرت الشبكة استطلاعا للجمهور شارك فيه 1739 شخصا؛ استهدف معرفة كيفية تصرف الأهل بعد الحادث.
الشرطة = حق الضحية
كشف الاستطلاع عن اقتناع الزوار بوجوب لجوء أهالي الضحية إلى القانون وإثبات الواقعة في محضر رسمي عند أقرب مركز شرطة، بينما تبنت فئة أخرى اتجاه الثأر وأنه وحده السبيل لغسل العار من خلال الانتقام من الجاني مباشرة دون اللجوء للشرطة، بينما أصرت آخر فئة على دفن الرءوس في الرمال بدلا من أن تواجه المشكلة بالآليات المناسبة بحجة الستر وعدم الفضيحة فاختاروا "تكتم الأمر".
وعرض الاستطلاع ،الذي بدأ من يوم 24-1-2010 واستمر ثلال أيام، سؤالين أساسين كان أولهما (إذا تعرضت ابنتك للاغتصاب.. كيف تتصرف؟) وكان على الزائر أن يختار بين ثلاثة مواقف: اللجوء للشرطة، الانتقام من الجاني، أو تكتم الأمر، أما السؤال الثاني فجاء فيه (هل ستفكر في عرضها على طبيب نفسي؟) وكان على الزائر الجواب بنعم أو لا.
وجاءت النتيجة لصالح الضحية في المقام الأول؛ حيث بينت الأرقام التي تخص الإجابة على السؤال الأول (إذا تعرضت ابنتك للاغتصاب.. كيف تتصرف؟) أن نسبة 51.64 في المائة من المشاركين في الاستطلاع رأوا ضرورة اللجوء للشرطة لضمان حق ضحية الاغتصاب، بينما تلت تلك النسبة فئة أخرى أكدت ضرورة الانتقام من الجاني ومثلت 42.55 في المائة من إجمالي الأصوات، لتبقى الفئة الأخيرة التي تحتفظ بوجهة نظرها في ضرورة تكتم الأمر وقد مثلت 5.81 في المائة من نسبة الزوار المشاركة في الاستطلاع.
(هل ستفكر في عرضها على الطبيب النفسي؟) كان هذا السؤال الذي تصدر الشق الثاني من الاستطلاع لقياس وعي المجتمع بأهمية دور الطبيب النفسي في ضمان حياة أفضل للمغتصبة، وجاءت الإجابة بنعم من 87.46 بالمائة من المشاركين، أي بالتفكير فعليًّا بضرورة عرضها على الطبيب، بينما تمسكت النسبة الباقية (12.54)في المائة من إجمالي المشاركين برفضها عند تصويتها بالإجابة "لا"
إدانة وخوف
وعلى عكس النتيجة التي أظهرها الاستطلاع تباينت آراء الزوار المعلقين حول القضية التي طرحت من خلال المشاركة التي جاءت بعنوان (لماذا تفضل المغتصبة.. الصمت؟).
فتقول (هدير) من الطبيعي أن تفضل المغتصبة الصمت وعدم البوح عن ما حدث لها خوفا من الأهل الذين يهددون بقتلها، وخوفا من نظرات الإدانة التي ستلاحقها من المجتمع في أنها قد تكون السبب الرئيسي الذي دفع المغتصب لاغتصابها، هذا بخلاف الكلمات التي قد تجرح مشاعرها فتعيش مذلولة منكسرة، لذا فهي في النهاية تفضل الصمت.
وتؤيدها في الرأي (كاميليا)؛ فترجع السبب الذي يدفع المغتصبة للصمت دائما إلى أنها ستفقد سمعتها بالبوح، وحتما ستقل فرص المتقدمين لها في الزواج، وبذلك ستصبح شخصية معدومة الوجود على حد قولها.
وتؤكد (س) أن ما يدفع ضحية الاغتصاب إلى الصمت هو اليأس من الشعور بحياة أفضل بعد الحادثة، لأن الفتاة ستشعر دائما أنها مدنسة بذنب كانت هي ضحيته لا مرتكبته.
أما (المتعجب) فقد خالف المعلقات في الرأي حول الأسباب التي تجبر الضحية على الصمت، وشدد على ضرورة أن تفصح المغتصبة فورا عما حدث لها، وإن لم تفعل فإنها بذلك تعطي فرصة للجاني أن يفعل فعلته أكثر من مرة مع فتيات أخريات، وبذلك ستنتشر الجريمة في المجتمع أكثر.
البوح قضية شائكة
وتحلل أميرة بدران -المستشارة الاجتماعية بشبكة إسلام أون لاين- قضية البوح بحادثة الاغتصاب بأنها قضية شائكة يتداخل فيها عناصر كثيرة يصعب معها ضمان ثبات نتائج الاستطلاع السابق، حيث يدخل فيها على سبيل المثال لا الحصر عامل ثقافة تلك الفئة، والعوامل الاجتماعية، والدينية، ودرجة الثقة في تنفيذ القوانين، ونظرة المجتمع الأصغر الخاص لها، وطبيعة العلاقة بين الضحية وأهلها، وطبيعة الفتاة نفسها، واعتماد طريقة التفكير المنطقي،...إلخ، وتفسر ذلك بأنه لو تم إجراء هذا الاستطلاع في صعيد مصر مثلاً فستختلف النتيجة تماما عما إذا تم إجراؤه في محافظات ساحلية.
هذا فيما يخص البوح أو اللجوء للشرطة أو حتى عرض الضحية على طبيب نفسي، ولكن –والكلام لأميرة بدران-: "أستطيع أن أقول أنه في السنوات العشر الأخيرة الماضية ارتفعت درجة الوعي في المجتمع عن السابق؛ فزادت الرغبة في رد الحق المسلوب متى استطاع له سبيلا، وزاد اللجوء للشرطة عن السابق لتغيرات كثيرة حدثت في مجتمعاتنا.
وحتى حالات التحرش الجماعي في الميادين العامة ،والتي زادت في الآونة الأخيرة، أثرت في نظرة المجتمع ولو قليلاً تجاه فكرة أن المغتصبة شريكة في حدوث الجريمة بشكل ما قد يتعلق بسلوكها أو ملابسها، وذلك حين تأكد الجميع أن التحرش لم يكن يرتبط فقط بهذا النوع من الفتيات، ولكن انضمت الفتاة المحجبة والسيدة التي تسير مع زوجها أو الفتاة التي كانت برفقة والدها لضحايا هذا التحرش!.
لذلك ترى أميرة أن قضية البوح تحتاج لترسانة من المجهودات المختلفة والتي حتما ستبدأ دائرتها من توعية الأسرة، ومن ثم توعية الفتاة نفسها بالإرشادات التربوية التي تجعل العلاقة بين الفتاة وأهلها أكثر ودا ومصارحة، ومرورا بالتعاون الحقيقي مع المؤسسة الإعلامية فيرى ويسمع ويقرأ الناس عن حالات إيجابية تجاه تلك القضية وكيف سارت الأمور للأفضل بالاستعانة بالمفكرين والمثقفين والدعاة والنفسيين الذين يحظون بالاحترام والثقة عند الناس، وانتهاء بسن قوانين رادعة وسريعة في التطبيق وتخصيص شعبة من الشرطة تتخصص في تلك النوعية لتعطيها جهدها الكامل مثلما خصصنا شرطة للإنترنت والسياحة وغيرهم.
أما عن تفسيرها لطبيعة السؤال الخاص باللجوء للطبيب النفسي ونتيجة التصويت حوله فتقول: في الحقيقة هذا السؤال يتطلب درجة ثقافة ووعي لن نجدها للأسف في الشريحة الأكثر تعرضا للاغتصاب مثل شريحة أطفال الشوارع أو أصحاب الدخول المتوسطة أو الأقل من المتوسطة كالخادمات مثلا، لذلك يجب أن نقوم بإعادة صياغة مفردات العمل في المستشفيات المتخصصة في المجال النفسي والتي تقدم خدمتها النفسية بمقابل رمزي، بداية من العمل على زيادة حماسة الأطباء العاملين فيها برفع قيمة رواتبهم، وتوفير الأدوات التي يحتاجون لها من قياسات واختبارات وبرامج سلوكية وعلاج جمعي وغيره ليقوم بتأهيل الضحية بصدق للبدء من الجديد.
كذلك ما قد يقوم به المختص من علاج أسري لبعض الأسر التي يحدث لها تصدع نفسي بسبب حدوث تلك الجريمة لابنتهم، وهو ما يحتاج لطرق وأدوات معينة أخرى لذلك، فلو أردنا حلا صادقا فعلينا أن ننبش في الواقع وإلا فسيكون حديثنا نظريا ولن نختلف في شيء عن الضحايا الصامتات اللاتي لم ولن تبحن بمصابها الأليم.
الواقع مازال مؤلما
ومن جانبها تتفق د.ليلى الأحدب –الطبية والمستشارة الاجتماعية بشبكة إسلام أون لاين- مع أميرة بدران من حيث إن الاستطلاع لم يبين حتما الحقيقة بأكملها لأن الشعوب والبلدان العربية مازالت تفضل تكتم الأمر عن اللجوء للشرطة أو الانتقام من الجاني، وبالتالي فتلك النتائج مجرد أرقام نظرية وخاصة أن النسبة الأكثر من الناس تفضل الصمت على عكس ما جاء به الاستطلاع من أن النسبة الأكثر ستلجأ للشرطة بعد الاغتصاب، مؤكدة أن الواقع في مجتمعاتنا مازال مؤلما.
كما ترجع الأحدب قضية صمت الضحية وخوفها في عدم البوح لأهلها وللمجتمع إلى طبيعة المجتمعات الشرقية فتقول: "مازلنا ننظر للفتاة المغتصبة على أنها هي المذنبة الجانية وليست الضحية، فخطيئتها الوحيدة أنها تنتهي بالتاء المربوطة، فهي أنثى وتلك هي المشكلة، لذا تفضل الضحية في النهاية التزام الصمت عن البوح لأهلها خوفا من تفكيرهم في قتلها، وإن لم يفعلوا فستعيش محاطة بنظرات الإدانة والانكسار والذل ممن حولها.
وتؤكد د.ليلى أن النسبة الأغلب في العائلات تفضل الصمت خاصة عندما يكون الاغتصاب من داخل الأسرة (اغتصاب المحارم)، ويرجع ذلك إلى الخوف على سمعة العائلة، وتذكر في هذا الإطار أن هناك حالة ما زالت تتابع معها منذ 3 سنوات لفتاة تبلغ من العمر 17 سنة، اغتصبها أخوها وهي في التاسعة من عمرها وعندما أبلغت أهلها هددوها بالقتل إذا باحت لأحد بهذا السر، وما زالت الفتاة تعانى نفسيا من وقع الصدمة عليها وكل ذلك في سبيل مصلحة العائلة وسمعتها.




أضف تعليقك