أمان: بوزبون: ضحية الاغتصاب إذا لم يعالج قد يتحول لمعتدِ بوزبون: ضحية الاغتصاب إذا لم يعالج قد يتحول لمعتدِ ================================================================================ حمدي عبد العزيز ---- 02/02/2010 12:34:00 انتشرت بالبحرين مؤخراً حوادث الاغتصاب ما بين الفردي والجماعي، وتصدرت أخبارها صفحات الجرائد اليومية، وأثارت القلق حول ما إذا كان الأمر قد وصل إلى ظاهرة يعاني منها المجتمع؛ خاصة مع زيادة نصيب المراهقات والأطفال من هذه الحوادث، وهو ما كشف عن غياب إحصائيات أو دراسات علمية تحدد مدى انتشار الاغتصاب داخل المجتمع البحريني. حول واقع مشكلة الاغتصاب في البحرين، وعوامل انتشارها وتزايدها، والآثار المختلفة لها على الضحايا والمجتمع، ومدى ملاءمة الأساليب القانونية والقضائية لمكافحتها والخطوات المطلوبة لمواجهتها.. كان حوارنا مع الدكتورة بنة بوزبون، خبيرة الطب النفسي ومديرة مركز "بتلكو لرعاية حالات العنف الأسري". ومن خلال مركز تقدم بوزبون برنامجاً متكاملاً لتأهيل ضحايا الاغتصاب، سواء للزوجات، أو المراهقات والأطفال، يتضمن خدمات نفسية واجتماعية وتدريبية للضحية وأسرتها حول قبول الوضع الجديد واستئناف الحياة، كما يقدم المركز خدمة الخط الساخن الذي يتيح للضحية وأسرتها عقد جلسات هاتفية مع الأخصائيات النفسيات والاجتماعيات للعلاج وتقديم المشورة القانونية والنفسية. المراهقات ضحايا * من خلال عملك كمديرة مركز يرعى ضحايا الاغتصاب.. ما هو الواقع الرقمي للظاهرة والانشغال البحثي والعلمي حولها في المملكة؟ - في عام 2001م عاينت 57 حالة داخل المركز، ومن خلالها أجريت دراسة تحليلية كمية على هذه الحالات تراوحت فيها أعمار الضحايا من 3 أعوام إلى 20 عاما، وكان غالبيتهن من المراهقات، وفي الوقت الراهن يأتينا بالمركز ما بين 3-4 حالات أسبوعيا طوعا أو برفقة الأهل، بخلاف الحالات التي ترد عن طريق أقسام الشرطة. * لكن لا تخلو أخبار الحوادث في الصحف اليومية من حالات التحرش والاغتصاب، فهل أصبح الاغتصاب ظاهرة في المملكة؟ - مفهوم الظاهرة يستدعي وجود إحصائيات وأرقام رسمية بالبحرين، وبسبب ذلك يمكننا القول إنها تمثل مشكلة مقلقة للمجتمع وتزداد حالاتها خلال فترة المراهقة، لكنها لم ترتق لتكون ظاهرة. * منذ متى بدأ اهتمامك بضحايا الاغتصاب بالمملكة؟ - منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي؛ حيث كنت أعمل خبيرة نفسية بالمستشفى العسكري، وكنت مسئولة عن استقبال ورعاية جميع حالات الاغتصاب والتحرش للمراهقات والأطفال من الجنسين، وكانت هذه الحالات يتم تحويلها من قسم الطوارئ بالمستشفى أو من أقسام الشرطة. ومع تأسيس المركز قدمت أول برنامج متكامل للتأهيل النفسي للضحايا وأسرهم، وجاءت خدمة الخط الساخن لاعتقادنا أن أعداد الضحايا التي ترد إلينا طوعا أو من أقسام الشرطة هي أقل بكثير مما يحدث على أرض الواقع. * إذن أنت توافقين على أن الحالات في ازدياد، وأن الاغتصاب قد يتحول إلى ظاهرة؟ - لا أستطيع القول إن الحالات تتزايد كأرقام، وإنما أوافق على ذلك من واقع خبرتي الخاصة، وبالتالي لابد من وجود أرقام رسمية أقوم بمقارنتها بأرقام أخرى خلال الأعوام السابقة لكي نحكم على القضية بشكل علمي ومتكامل. * هل يمكن تقدير عدد الحالات التي عالجها المركز منذ افتتاحه حتى بداية العام الجاري؟ - منذ افتتاح المركز كانت تحضر حالة أو حالتان أسبوعيا ومعظمها تندرج ضمن التحرش للأطفال والفتيات، وليس المواقعة الكاملة، ويحرص أهالي الضحية على زيارتنا للعلاج والتقييم، وبالتالي فإن إجمالي عدد الحالات يتراوح بين 150 و200 حالة طوال الأعوام الثلاثة الماضية. الخوف من الفضيحة * تحدثت عن وجود حالات تأتي طوعا لطلب العلاج والمشورة النفسية والقانونية.. فهل يعد ذلك مؤشرا على زيادة الوعي بخطورة الاغتصاب؟ - نعم، تأتيني حالات غير مسجلة في المستشفيات أو أقسام الشرطة، سواء لأن الفتاة قد تم اغتصابها بالفعل، أو لوجود قلق مخيف لدى الوالدين بأن لها علاقات غير شرعية، لكنني أؤكد أن هذه الحالات أقل بكثير من حالات الاغتصاب وزنا المحارم التي تجري بالفعل. فبعض الأسر لا تقوم بالإبلاغ عن وجود حالات اغتصاب؛ وهذا يعود إلى أسباب عديدة، أهمها: أن هؤلاء يخشون من (الفضيحة) بالقول: إن البلد صغير وسوف يكون الإبلاغ كارثة على العائلة بأكملها. الثاني: وجود حالات للتحرش غير الكامل وغياب التقرير الطبي الذي يفيد بوقوع الجريمة. الثالث: يتمثل في اعتقاد البعض أنهم سيدخلون متاهة التقاضي ولن يحصلوا على حكم رادع يشفي غليلهم! * ذكرت أكثر من مرة أن غالبية ضحايا حوادث التحرش والاغتصاب من المراهقات والأطفال، فما هي برأيك الأسباب وراء ذلك؟ - هذه الحوادث تنتشر بالأساس كنتيجة للعولمة، وتعد أثرا جانبيا أو ضريبة يجب أن تدفعها المجتمعات؛ فلقد أدت الثورة التكنولوجية التي تتمثل في الفضائيات ووسائل الإعلام الجديد إلى التأثير على المراهقين وزيادة الحافز الجنسي لديهم، واستفزاز هذا الجانب بشكل مبتذل، كما أدت إلى زيادة الفجوة الجيلية بين المراهقين والوالدين؛ حيث ساهمت في خلق أزمة التواصل بين الأسرة وابنتها المراهقة. كذلك هيأت الأجواء لاستفحال علاقات الصداقة في المدارس الثانوية والجامعات، ومن خلال دراساتي السابقة وجدت أن أغلبية الفتيات يلجأن إلى هذه العلاقات من أجل الاستماع إلى كلمات الحب والتقبل، ولكنهن في النهاية يصطدمن بمحاولات الطرف الآخر لـ"التنفيس الجنسي"، وتنتهي عبارات الإطراء بحوادث اغتصاب وزنا، فمعظم حالات اغتصاب المراهقات كانت لفتيات سعين إلى الهروب من علاقة "السجان والسجين" داخل نطاق الأسرة؛ حيث كان الوالدان ينظران إليهن على أنهن جيل غريب جاء من المريخ ولا يريد طاعتهما. * هل تقصدين أن الاختلاط بين طلاب المدارس والجامعات يشكل أحد الأسباب المؤدية للاغتصاب؟ - ربما.. لكن الفصل بين الجنسين بشكل قسري قد يؤدي إلى غياب التعامل مع الجنس الآخر على أنه إنسان؛ حيث ينظر كل طرف للآخر نظرة جنسية فقط. * ولكن كيف نفسر الدعوات في بريطانيا بتأسيس مدارس غير مختلطة بعد تزايد أحداث الحمل للفتيات الصغيرات؟ - الاختلاط بهذه الصورة هو الوجه الآخر لعدم الاختلاط عندنا، ويؤديان إلى نفس النتيجة! والفصل الرسمي في مجتمعاتنا ليس في المدارس فقط، وإنما في إطار العائلة أيضا؛ وهو ما أدى إلى البحث عن فرص للالتقاء غير الرسمي، ولكن ما أريد أن ألفت الانتباه إليه هو ضرورة أن يكون الاختلاط في المدرسة على غرار العمل والشارع وتحت إشراف ورقابة من أولياء الأمور والمعلمين، وأن يكون الهدف منه هو التدريب على علاقات تتسم بالعمل والاحترام المتبادل. ضحايا اليوم جناة المستقبل * خلال هذه الأعوام الطويلة في العمل برعاية حالات الاغتصاب.. هل بالإمكان أن تلقي لنا الضوء على أهم الآثار النفسية والاجتماعية التي تعاني منها الضحية؟ - إن النقطة الهامة في هذا السياق هي أن المغتصبات والأطفال الذين يتم التحرش بهم يعانون من الاضطرابات النفسية والأزمات الاجتماعية إذا لم يتم علاجهم في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، وقد يتحول الضحية إلى معتد في المستقبل؛ فالاغتصاب لا يؤثر على الحالة النفسية للضحية فقط، بل على مستوى التحصيل الدراسي، ويؤدي إلى التشويش في الفكر والانعزال عن المجتمع وربما العدوان ضده، أو قتل النفس (الانتحار) في بعض الحالات. والخلاصة هي أن الضحية لن تستطيع التوافق مع المجتمع إذا تعرضت للاغتصاب ولم يتم تقديم الرعاية النفسية والاجتماعية لها ومعاقبة الجاني بطريقة رادعة له ولغيره.. وأتذكر أن إحدى الحالات كانت لطفل اغتصبه اثنان من جيرانه المراهقين وتمت إحالتهما للمحكمة وحوكموا بشهرين ثم أطلق سراحهما؛ مما أدى لظهور أعراض جسمية عليه حيث تآكلت فروة رأسه ونزل منها الدم والصديد مما أعاقه عن الذهاب للمدرسة، ولم يستطع طبيب الأمراض الجلدية أن يجد تفسيرا طبيا، وبعد تحويله إلينا اكتشفنا أن الحالة ببساطة هي بمثابة صرخة ألم ضد أن يكون الجاني حرا وطليقا. * هل يمكننا القول إن تزايد حالات الاغتصاب يرجع إلى عدم نجاح الوسائل القانونية والقضائية في مواجهة المعتدين؟ - النصوص القانونية الرادعة موجودة، والتعريف القانوني يشير إلى مواقعة أنثى أو طفل دون رضاهما، ويندرج تحت هذا التعريف مواقعة الفتاة التي وصلت إلى سن البلوغ ولكنها لم تتجاوز سن الثامنة عشرة من عمرها؛ حيث يعتبر القانون أن الاتصال الجنسي معها هو اغتصاب حتى لو تم برضاها، وكذلك التحرش الجنسي بالأطفال الذكور والإناث. لكن المشكلة أن القضاة لديهم سقف أعلى وسقف أدنى، لكنهم دائما ما يلجئون إلى إصدار الأحكام وفق السقف الأدنى؛ وهذا يؤدي إلى شعور أهالي الضحايا بعدم الثقة والظلم، فضلا عن أنه يدفعهم إلى عدم الإبلاغ عن حوادث الاغتصاب؛ لأن الحكم لن يكون رادعا وسريعا. * إذن برأيك ما هي أهم الإجراءات التي يتطلب اتخاذها لمواجهة حوادث الاغتصاب في البحرين؟ - لابد من تضمين التثقيف الجنسي في البرامج التعليمية منذ مرحلة الروضة، والحديث عن المتغيرات الجنسية في فترة البلوغ بشكل علمي، وعدم التعامل معها كدنس أو جعلها كـ"صندوق أسود" لا يسمح لأحد بفتحه، كما يجب تثقيف الوالدين عن كيفية التعامل والتواصل مع الأبناء، مع ملاحظتهم بدقة والتواصل معهم بدلا من مجرد الوجود الجسدي في المنزل. وفي المقابل يلزم تثقيف الأطفال بالتحرش وطرق مواجهته، ومن أهمها تعلم كلمة: لا؛ ففي ثقافتنا دائما نربي الأطفال على تلبية جميع مطالبنا وعدم الاعتراض على السلطة الأبوية؛ وهو ما يجعلهم لقمة سائغة للمعتدين الذين يأخذونهم إلى أماكن الجريمة بسهولة. كما علينا احترام وجهة نظر أطفالنا؛ لأننا نظن أن ما يتقولونه حول التحرش والاغتصاب هو خيال وأمور بعيدة عن الواقع، وهذا مرفوض؛ لأن الحديث عن التحرش والأمور الجنسية يتعلق بالآلام والمشاعر ولا علاقة له بالخيال. وأخيراً لابد من وجود دور رادع للقانون والقضاء بهدف منع تكرار حوادث الاغتصاب؛ وهو ما يستوجب تشديد العقوبات المتعلقة بالقضية، والحزم من الناحية الأمنية والشرطية تجاه المعتدين.