دور المناهج التعليمية في مواجهة العنف

 

دور المناهج التعليمية في مواجهة العنف

ميشال بدر/لبنان

 

مقدمة :

 

عانى اللبنانيون بمختلف فئاتهم وشرائحهم من أحداث اليمة عصفت بلبنان على مدى خمس عشرة سنة. ساد خلالها منطق العنف، بمختلف اشكاله وانواعه وأساليبه، في التعاطي بين الناس. وبات منطق الحق للقوة سائدا على حساب منطق القوة للحق وتخلخل بفعل ذلك سلم القيم الاجتماعية الذي كان ينظم التعاطي بين الناس ويرعاه، وكان لهذا الوقع بالغ الاثر على الاجيال الطالعة في لبنان .

 

ومع مطلع التسعينيات واستتباب الامن، انطلقت ورشة النهوض بلبنان، بشرا وحجرا، فكان للتربية حصتها من خلال "خطة النهوض التربوي" التي اخذت في الاعتبار مأسي الماضي ومتطلبات المستقبل \ن وذلك بهدف تحقيق وحدة وطنية كاملة بين اللبنانيين، تؤمن لهم الاستقرار الذي يفتح أمامهم أفاق التطور والتقدم وتؤدي الى بناء مجتمع ديمقراطي، متماسك، يشعر فيه جميع المواطنين بالامن والطمأنينة، وتسوده لغة الحوار والمنطق والتسامح .

 

ونظرا لما للتربية ، بوجه عام ، من دور وتأثير في اعادة بناء الوطن من خلال تنشئة أجياله الصاعدة على أسس وطنية واجتماعية وإنسانية سليمة وصحيحة،

 

وبما ان المدرسة في استطاعتها أعداد مواطنين صالحين عن طريق المنهج وأساليب التدريس، والحياة الاجتماعية التي تؤمنها لهم داخل المدرسة وخارجها عن طريق الأنشطة والنوادي المدرسية والرحلات الثقافية والترفيهية وما اليها، لذا قرر المعنيون إعادة النظر في الناهج التعليمية، العائدة لمراحل التعليم ما قبل الجامعي، لتصبح أكثر ملائمة مع حاجات الوطن وتطلعات المواطنين التواقين الى إعادة بناء وطنهم وأجياله على أسس سليمة وثابتة، وتوحيد كتاب التربية الوطنية والتنشئة المدنية في قطاعي التعليم العام والخاص ، ليكون الكتاب الموحد "الموحد والموحد " لجميع المواطنين، والمتضمن دعوة صريحة وواضحة الى التسامح ونبذ العنف والفرقة بين اللبنانيين، وتغليب لغة العقل والحوار الإيجابي والبناء بين اللبنانيين، في جو من العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

 

أما ما تضمنته كتب التربية الوطنية والتنشئة المدنية من أهداف ومحتوى يترجمان ما سبقت الإشارة إليه ويخدمان الدعوة الى نبذ العنف ، فيمكن تلخيصه بآلاتي :

 

أولا : أهداف التربية الوطنية والتنشئة المدنية ومرتكزاتها :

 

انطلاقا من أن الإنسان هو غاية كل تنشئة وطنية كانت أم مدنية ، باعتباره كائنا اجتماعيا في جوهره ولا تتحقق شخصيته إلا ضمن إطار الجماعة .

 

وانطلاقا من أن مؤدى وثيقة الوفاق الوطني العمل على وضع كتاب موحد على المستوى الوطني " للتربية الوطنية والتنشئة المدنية " ذي أبعاد معرفية ومدنية واجتماعية ووطنية وقومية وإنسانية ، هو بهدف تعزيز قيم الحرية والديمقراطية والتسامح والعدالة والمساواة ، وتربية المواطن على القيم الخلقية ، في إطار التعاون الإنساني ، من أجل الإسهام في إيجاد الحلول لمختلف المشكلات . لذلك تركزت غايات التربية الوطنية والتنشئة المدنية في جملة ما ارتكزت إليه على :

 

  • إعداد المتعلم إعدادا خلقيا منسجما مع الإنسانية في مجتمعه ووطنه .
  • تربيته على النقد والنقاش وتقبل الآخر، وحل المشكلات مع نظرائه بروح المسامحة والعدالة والمساواة .
  • تعزيز وعيه لإنسانيته وقرابته مع أخيه الإنسان بمعزل عن فوارق الجنس واللون والدين واللغة والثقافة .
  • وقد تمت ترجمة هذه المرتكزات ،من خلال مضامين الكتب المدرسية ، بما يراعي المرحلة العمرية للمتعلم ودرجة الوعي التي يتمتع بها .

 

  • ثانيا : أهداف مادة التربية الوطنية وتدرج محتوياتها وفق المراحل :
  • المرحلة الابتدائية :
  • -تعويد المتعلم الاعتماد على نفسه، والعناية بالجسد والحفاظ على السلامة الشخصية وتجنب المخاطر، وتوجيهه بالتالي إلى كل ما يساعد على تنمية الشعور الإيجابي نحو الذات.
  • اكتساب التعامل الصحيح مع أفراد الأسرة والتفاعل الإيجابي في ما بينهم  والتمرس باحترام نظام الأسرة واحترام النظام العام في المجتمع الأكبر .
  • ترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية واحترام قيم الحياة اليومية والعمل على تطبيقها والاعتراف بوجود الآخرين في المجتمع ، ووعي المتعلم لحقوقهم ، مقابل وعيه لحدود حقوقه ، واحترام حريات الآخرين وملكيا تهم .
  • الحفاظ على البيئة واعتبار حمايتهم للذات وللجماعة .
  • احترام نظام المجتمع المدرسي وقيم المجتمع المدني واكتساب مهارة التواصل مع أفراد المجتمع .

 

2 – المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية :

 

تزداد في هذه المرحلة من عمر الطفل الأسئلة والتساؤلات التي يطرحها على نفسه حول هويته الشخصية وعلاقته بالآخرين وبالمؤسسات القائمة وسلطتها عليه ودوره فيها، ويتبلور ميله الى النقد والمناقشة. واستجابة على هذه الأسئلة والتساؤلات تناولت أهداف مادة التربية والتنشئة المدنية على هذا المستوى جملة نقاط تعزز وعي المتعلم وترسخ لديه قيم التعامل الواعي والمسالم مع ذاته ومحيطه والآخرين وتركزت على :

 

  • تعريف المتعلم إلى حقوقه وواجباته ومسؤولياته كمواطن وتثبيت التزامه بها وتدريبه على ممارستها بما يكرس العدالة والمساواة . ويتأمن تعرف المواطن إلى الحريات العامة والى حقوقه الشخصية والاجتماعية وإلى واجباته الوطنية المتمثلة باحترام حقوق الآخرين والالتزام بالقوانين والأنظمة العامة والعمل على تطبيقها والمساهمة بتطويرها وتغييرها بالطرق الديمقراطية .
  • تعريف المتعلم الى أهمية الأسرة في بنيتها والعلاقات المتبادلة في إطارها، وتوعيته على دور الأسرة في إقامة الروابط بين مؤسسات الوطن المختلفة بما يؤمن التوازن والاستقرار الاجتماعي والوطني .
  • ترقية الحس الإنساني والالتزام الخلقي لدى المتعلم من خلال تعزيز أيمانه بالمساواة وعدم التمييز بين البشر وتدريبه على ممارسة سلوك يومي يرتكز إلى قيم الصدق والتهذيب والجراءة في التعبير عن الذات ديمقراطيا، والانفتاح علىالغير واحترامهم، واعتماد الحوار سبيلا إلى حل النزاعات .
  • تعريف المتعلم إلى أهمية وسائل الاعلام والاتصال كسلطة مشاركة في تحسين الحياة العامة وسبيلا الى تعزيز التفاهم والتعاون بين الأمم والى توطيد السلام بين الشعوب.
  • تعريف المتعلم الى أهم التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والسكانية التي تمر بها المجتمعات المعاصرة وما ينشأ عنها من نتائج إيجابية ينبغي تشجيعها: كالتقدم التكنولوجي وتطبيقاته، وتحسين العناية الصحية، وتأمين الاتصال والتواصل بين البشر، ومن نتائج سلبية ينبغي مقاومتها على مستوى الأفراد والشعوب: كالاعتداء على الشعوب والهيمنة عليها واستغلالها، وانتهاك حقوق الإنسان والحلول بينه وبين ممارسة حرياته وانتشار الأوبئة والآفات الأخلاقية والبيئية .

 

أما معالجة هذه الأهداف فقد تمت من خلال محتوى منهج التربية الوطنية والتنشئة المدنية بأبعاد أربعة : (ملحق رقم 1)

  • التنشئة المجتمعية.
  • التنشئة المدنية .
  • التنشئة الوطنية .
  • التنشئة الإنسانية .

 

وإذا عرفنا أن عدد التلاميذ في المدارس اللبنانية، في مختلف مراحل التعليم ما قبل الجامعي، الذين هم دون سن الثامنة عسرة هو864087 تلميذا ، (وفق إحصاءات المركز التربوي للبحوث والإنماء ) أي ما يعادل ربع سكان لبنان تقريبا ، لعرفنا عندها أهمية هذه المواضيع ودور المدرسة في ترسيخ المفاهيم المتصلة بها معرفة وسلوكا لديهم إذ أن الغاية الأولى من تدريس مادة التربية الوطنية والتنشئة المدنية هي الإغناء المعرفي بهدف الاستثمار السلوكي .

 

أما  نتائج هذه السياسة التربوية التوجيهية الرافضة للعنف والداعية إلى الحوار والنقاش الواعي وتقبل الآخر والسلوك المسالم مع الذات والآخر والمجتمع والبيئة ، ونبذ العنف في التعامل ، فقد بدأ تلمسها في سلوكيات تلامذتنا في مرحلة التعليم الابتدائي ولا شك في أن عدواها ستطول لاحقا تلامذة باقي المراحل .

 

ما نرجوه في الختام أن تعطى التربية ثمارها ليعم الأمن والسلام بين أطفالنا وفي مجتمعنا اللبناني والعربي، لا سيما وأننا خبرنا العنف وويلاته وتأثيراته على مختلف الصعد وما زلنا نعاني من أثار الحرب وتراكماتها .

 

فإذا " كان ملكوت السماوات هو لمثل هؤلاء الأطفال " فتعالوا معا نعمل لتكون الأرض جنة لأطفالنا تليق بهم وبنا ، خالية من العنف والتسلط والفوقية ، أفليسوا  فلذات أكبادنا تمشي على الأرض ؟ …

 

المراجع :

 

  • خطة النهوض التربوي في لبنان /أيار 1994
  • الأهداف العامة والخاصة لمادة التربية الوطنية والتنشئة المدنية / بيروت 15 آذار 1996
  • الجمهورية اللبنانية /المرسوم رقم 10227/97
  • المركز التربوي للبحوث والإنماء/ الإحصاءات الأولية/ العام الدراسي 1996/1997

 

 

محاور مادة التربية الوطنية الاربعة وتفصيلاتها

وما يتصل منها بالسلوك السليم ونبذ العنف

 

التنشئة الإنسانية

التنشئة الوطنية

التنشئة المدنية

التنشئة المجتمعة

الأخلاق والدين .

تربية الضمير والروادع الخلقية .

الأخلاق والمبادئ الإنسانية .

الأخلاق والفلسفات الكبرى .

حقوق الإنسان والطفل والمرأة والمسنين والمعاقين .

التأكيد على المساواة بين البشر دون تمييز .

النجدة والعون .

حل النزاع بالوسائل السليمة حلا قائما على العدل .

الحروب ونتائجها على المجتمعات .

النزعة إلى التسلط والهيمنة وتمجيد القوة .

مواجهة الظلم والتسلط.

العمل على إشاعة السلام بين الشعوب .

الدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة

الحفاظ على السيادة الوطنية بمقاومة الاحتلال والاعتداء على أرض الوطن .

التمسك بالأمن والسلم الأهلي .

بناء دولة ديمقراطية ومجتمع سليم .

الدينامية والتفاني لخدمة أخيه الإنسان .

التضامن والاحترام والتعاون.

الحقوق الشخصية: حرية المعتقد ، الدين ، التنقل ، السكن …

الحقوق السياسية: تعبيرا ونشرا والانتساب إلى جمعيات وأحزاب وحق التجمع وحق الانتخاب .

احترام القانون/احترام حقوق الآخرين .

الاعتناء بالنفس ، حفظ الحياة وتجنب المخاطر او تعريض الآخرين لها .

السعي لكسب الأموال والأنفاق على الذات .

التصدي للاعتداء على حقوق الإنسان ومقاومة

الاستبداد والتسلط والاستعمار والهيمنة .

احترام القانون ، الملكية ، الرأي الآخر وحق الآخر وحريته ، التفاوض ، السلم الأهلي ، ضبط النفس .

التفاهم والتعاون بين الشعوب وتوطيد السلام .

وسائل الاعلام ومسؤوليتها الوطنية والتربوية والاجتماعية والمدنية  .

 -العلاقة مع الذات/العلاقة مع الآخر

تكامل الفرد وانضباطه ضمن المجتمع لتأمين  المصلحة العامة

الحياة المشتركة وتوازن الشخصية .

الانتماء إلى الجماعة وما يتحقق للفرد .

التوازن بين رغبات الإنسان ومقتضيات الاستقرار الاجتماعي .

المساواة /المشتركة

القوانين العامة

التسامح/الثقة بالنفس

الآداب العامة : في المناسبات الوطنية والاجتماعية .

تعاطي المخدرات .

التعصب العاطفي .

السرقة والتهريب .

الخيانة بجميع أشكالها  .

التهرب من دفع الضرائب   

 

 

 

 

 

تصميم: منير إدعيبس