أساليب التربية العربية - الإسلامية في مواجهة العنف

 

اساليب التربية العربية - الاسلامية في مواجهة العنف

(( رؤية منهجية ))

أ.د. صباح عدامه هيشان

عميد كلية التربية للبنات / جامعة تكريت / العراق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر ))

صدق الله العظيم

(( علموا ولا تعنفوا فان المعلم خير من المعنف ))

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

مشكلة البحث والحاجة اليه:

 

يجمع علماء التربية وعلم النفس على ان المؤتمرات البيئية تلعب دورا حاسما في صياغة نمط شخصية الطفل فهو يتاثر بما يحيط به من قيم وعادات ومعتقدات تشكل شخصيته الوجدانية واتجاهاته الاجتماعية والنفسية والثقافية فهو يكتسب من المؤسسات الاجتماعية والتربوية القائمة في بيئته كالاسرة والمدرسة ودور العبادة ووسائل الثقافة والاعلام كل ما يرتبط بمكونات شخصيته ويتجسد ذلك في نمط سلوكه في المجتمع . وانطلاقا من هذه الحقيقة فقد اولت النظم التربوية في الدول المتقدمة اهتماما خاصا بتكوين شخصية الطفل وجدانيا وقد ضمنت مناهجها الدراسية موادا لها علاقة بهذا الجانب لضمان وتنمية سلوكه السوي البعيد عن العدوان والعنف .

 

ففي النظام التربوي الياباني مثلا تشكل نسبة المواد التي لها علاقة بالجانب الوجداني الانفعالي للطالب حوالي 40% من مجموع المواد وتتوزع هذه النسبة على مواد مثل (الموسيقى، الفنون الجميلة ، التربية الخلقية ، التربية البدنية .. الخ ) .)1(

 

ان اخطر ما يواجه نظامنا التربوي العربي اليوم هو بناء شخصية الفرد والحفاظ على هويته الوطنية والقومية بعيدا عن مؤثرات وافرازات الثقافات الواردة الغريبة عن بيئته العربية الاسلامية والتي تتجسد في الغزو الثقافي تحت شعار ما يسمى بالعولمة وما تحمله من محتويات ووسائل دخلت البيت العربي من دون استئذان ووضعت بصماتها على تحجيم دور الاسرة والمدرسة في التنشئة وبالتالي تغريب الطفل العربي عن بيئته الاجتماعية والثقافية حيث اصبحت القنوات الفضائية اليوم مصدرا وطرفا فاعلا في التنشئة الاجتماعية للاطفال ربما ستقف الاسرة والمدرسة عاجزة في مواجهة ما ستمرره من مضامين ومحتويات تربوية ظاهرة او مخيفة تعبث في خيال الطفل العربي لتغير من سلوكياته واتجاهاته متجاوزة مرجعيات تنشئته في بيئته العربية الاسلامية ( ويرى علماء النفس وعلماء الاجتماع ان الشاب يتغذى فكريا ويكون ذائقته اعتمادا على النماذج التي تقوم ببث وسائل الاعلام وفي مقدمتها التلفزة . ولا غرابة في ذلك طالما ان نسب الاستهلاك للمضامين التلفزية تصل الى ما يفوق الـ(45%) عند الامريكي العادي واكثر من 50% في مجتمعات مثل مصر او سوريا والعراق ). )2(

 

اذن تعدد وتنويع مصادر التنشئة والتربية الاجتماعية تأتي في مقدمة المشاكل التي تواجه المؤسسات التربوية والاجتماعية والثقافية العربية وما يرتبط بها من مكونات البيئة المحيطة بالطفل لما لتلك المصادر من تاثير مباشر على سلوكه الذي سيتأرجح حتما بين محيطين الاول محيطه المحلي وما يفرزه من مكونات ذهنية وثقافية والثاني المحيط الخارجي وما يبنيه من نماذج مبرمجة ومخططة سلفا تهدف الى تنميط سلوكه بشكل يتناغم واهداف المؤسسات الثقافية والتربوية الاجنبية التي تدعو الى العولمة والتغريب الثقافي .

 

ومن هنا تأتي اهمية هذه الورقة لتلقي الضوء والتعرف على اساليب التربية العربية الاسلامية في بناء وتكوين شخصية الطفل العربي السوية المتوازنة البعيدة عن العنف والانحراف من خلال استلهام الموروث التربوي العربي الاسلامي وذلك من خلال الاجابة على السؤالين الآتيين :

 

الاول : ما هو دور اساليب ووسائل التربية العربية الاسلامية في تربية وتنشئة الطفل العربي من خلال مؤسساتها التعليمية والاجتماعية في مواجهة العنف ؟.

 

الثاني : كيف يمكن للتراث التربوي العربي الاسلامي ان يلعب دورا مهما في الاسهام في تكوين شخصية الطفل العربي المتوازنة البعيدة عن العنف .

 

يستند التحليل في هذه الدراسة على التجربة الشخصية الطويلة للباحث في المجال التربوي وفي محاولته بلورة بعض الافكار التشخيصية والعلاجية ذات المساس بتنشئة الطفل فهي لا تعدو كونها اجتهادات شخصية قابلة للنقاش والتعديل قبل اعمامها والاعتماد عليها .

تنقسم الدراسة الى محورين اساسيين :

 

الاول : يتعلق بالاجابة على السؤال الاول التي تطرحه الدراسة في التعرف على اساليب التربية العربية الاسلامية ودور المؤسسات التربوية والاجتماعية في مواجهة العنف .

 

الثاني : يتعلق بالاجابة على السؤال الثاني التي تطرحه الدراسة في التعرف على مضامين التراث العربي - الاسلامي واسهامها في تكوين شخصية الطفل العربي البعيدة عن العنف .

 

اولا : اهداف واساليب التربية العربية الاسلامية:

اهداف التربية العربية قبل الاسلام :

 

حددث المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بعضا من اهداف التربية العربية قبل الاسلام والواردة في الكتاب الصادر عنها والموسوم (( الفكر التربوي العربي الاسلامي : الاصول والمباديء )) نجملها فيما يأتي : )3(

 

التوحيد مع القبيلة :

 

اتسمت التربية العربية قبل الاسلام بسمات انعكست على طبيعة البناء الاجتماعي والقيمي للمجتمع والتي كانت الاسرة الوحدة الاجتماعية الوحيدة التي تتحمل مسؤولية تنشئة الطفل فيه في اطار الوحدة الاكبر التي تتمثل بالقبيلة. وكان لكل فرد من افراد القبيلة حقوق وواجبات يفرضها النظام الاجتماعي القائم ونظرا لعدم وجود سلطة سياسية مركزية تنظم حياة المجتمع كان لزاما على كل فرد التوحد مع قبيلته والاحتماء بها والدفاع عنها وبالمقابل فان القبيلة مسؤولة عن امن وحياة افرادها المصدر الذي يستمد منه الفرد ملامح حياته وخصائصها ظل الضبط الاجتماعي التربوي داخل القبيلة حادا وحاسما فعلى قدر حماية القبيلة لافرادها ودفاعها عنهم يكون التزامهم الخلقي وانضباطهم القيمي اقوى واخلص لعادات وتقاليد القبيلة والحفاظ على سمعتها الاجتماعية .

 

التزود بكريم الخصال :

 

على الرغم من البيئة العربية الصحراوية الجافة والفقيرة في مواردها فقد كانت غنية في اخلاقها صارمة في التزامها وكانت الاخلاق الكريمة عند البدوي تتسم بالضبط المبالغ فيه فخصال كالشجاعة والوفاء والكرم والنجدة والشهامة والمحافظة على العرض وعشق الحرية وحماية الجار هي سمات مجبول عليها وتسري في عروقه، والى جوار هذه الاخلاق الكريمة انتشرت صفات ذميمة بين القبائل مثل الغلظة حينا والقسوة المبالغ فيها حينا اخر والعصبية المتطرفة. وعلى الرغم من ذلك فان المميز في التربية العربية الضبط الاخلاقي والصرامة التي لا هوادة فيها وهذه سمة للبيئات الصحراوية وخاصة للمجتمعات القبلية البسيطة والا انهارت التقاليد والاعراف .

 

الاستعداد للعمل التجاري :

 

لم يقتصر العمل التجاري العربي على كونه نشاطا اقتصاديا فحسب وانما هو نشاط ثقافي ايضا فالاختلاط باقوام اخرى والتعرف على مدنياتها واحوالها كان له الاثر الكبير على تثقيف العقل العربي ورقيه رافق ذلك تركيز القبيلة والاسرة على تزويد افرادها بالمعارف التي تساعدهم على امتهان التجارة وقد برعوا في بعض العلوم كما هو واضح في الهدف التالي.

 

نقل المعارف العربية :

 

على الرغم من البداوة وقسوة الحياة فقد كانت الجزيرة زاخرة بالمعارف والدرايات الضرورية التي ضمنتها ظروف البيئة ولعل من اهم المعارف التي اصطنعتها البيئة العربية الخطابة والقصص والتنجيم والطب والانواء الجوية وقيافه الاثر ومهاب الرياح وكان نقل هذه المعارف بين الاجيال عن طريق التقليد والاقتدار والرواية وهي وسائل تربوية بحد ذاتها جعلت من العربي ان يحفظ الشعر باعتباره سجلا للمآثر والمغازي ويجيد قيافة الاثر لمعرفة التعامل مع الصحراء ومعرفة اثر القادمين والفارين ، ان الاشتغال بالرعي حتم عليه معرفة البيئة الطبيعية لمعرفة اوقات نزول المطر وتجمعات القبائل جغرافياً وهكذا مع باقي النشاطات التربوية والثقافية والاجتماعية .

 

الصبر على مشاق القتال :

 

كان القتال والتدريب على فنونه احد اهم اهداف التربية العربية قبل الاسلام وكان تدريب الطفل على هذه الفنون يتطلب تعلم الفروسية والتطبع باخلاقياتها فالتوحد مع القبيلة والذود عنها في حالات نزاعها على المراعي او تعرضها للغزويتطلب تدريباً مبكراً على القتال واستعداداً عالياً للتضحية بالنفس مقابل الشرف والعرض، واسهمت الاخلاق العربية في ترسيخ هذا الهدف فالشجاعة والحماسة وحفظ الشعر وروايته جعلت من العربي مربيا وفارسا مقاتلا في بيئته يعمل على تغذية وجدانه وتعميق ايمانه بهذه القيم.

 

مما سبق وبتحليل بسيط لاهداف التربية العربية قبل الاسلام نجد ان التربية تتمحور حول جانبين اساسيين في بناء شخصية الطفل .

 

الجانب الاول : البناء العقلي والنفسي والاجتماعي الذي يتجلى في التوحد مع قيم الاسرة والقبيلة كوحدتين اجتماعيتين متكاملتين لها قوانينها ونظمها وسلطاتها الخاصة وما على الفرد الا التمسك بها والذود عنها حفاظا على امنه وسلامة شخصيته من الاضطهاد والعنف الذي قد يتعرض عليه في المجتمع .

 

الجانب الثاني : يتمحور حول البناء الجسمي والمهاري للطفل الذي يجعل منه شخصية قادرة على التكيف مع متطلبات البيئة الصحراوية القاسية فالفروسية وتعلم فنون القتال واكتساب مهارات الفراسة واقتفاء الاثر وما الى ذلك جعله في مأمن من المخاطر التي قد يتعرض عليها في مجتمع لا يتملك سلطة مركزية تنظم شؤون حياته .

 

اهداف التربية العربية الاسلامية :

 

مع ظهور الدين الاسلامي الحنيف في الجزيرة العربية تعرض المجتمع العربي الى نقلة نوعية كبيرة فالبيئة الاجتماعية القائمة على التعددية القبلية اصبحت قائمة على اساس التوحد ومن التناحر والانقسام الاجتماعي الى الوحدة الاجتماعية الكبرى التي تمثلت بالامة وبعد ان خرج العرب حاملين رسالتهم الى الامم الاخرى حملهم الله سبحانه وتعالى مسؤولية عظيمة في تحرير الانسان من الاضطهاد وقد رافق ذلك تمسكهم بمنهجهم الجديد منهج القرآن الكريم المبني على اساس تحكيم العقل بالاعتماد على الحجج والحوار وفي الاثارة والاقناع والتعليل والبرهان والحجة والمنطق . ومن الطبيعي ان تؤثر هذه النقلة بشكل مباشر على التربية واساليبها واهدافها ويمكن اجمال اهم الاهداف التربوية الاسلامية التي لها علاقة بالبيئة والسلوك الديني والاجتماعي والتربوي .

 

عبادة الله الواحد الاحد :

 

تميزت الثقافة العربية الاسلامية عن الثقافات الاخرى بالتوحيد وقد اشتهرت في العالم على هذا الاساس والتوحيد كهدف لا يقتصر على المعنى الديني المحدود بل يشمل كل جوانب الثقافة العربية وابداعاتها وذلك لسبب جوهري هو اختلاف معنى الدين في الاسلام عن المعنى الذي جرت عليه الديانات السابقة ((فلقد تجاوز الدين في مفهومه الجديد تلك الحدود اولا من صلات الانسان مع قوى الغيب العلوية الى حدود اخرى اعطاها نفس الاهتمام، الا وهي صلات الانسان مع الانسان ثم فوق ذلك حمل المخاطبين به على الاحتكام في كل تلك الصلات مع الله والانسان الى العلم والعقل والفكر ..)) )4(.

 

تعد العبادة في نظر الاسلام الهدف الاساس فهي منهج حياة ويشتمل على ما يقوم به العبد من اقوال واحاسيس او أي مظهر من مظاهر سلوكه وهي لا تعني الانقطاع او الخلو بل تعني المشاركة والتفاعل البشري على اساس ما امر به  الله سبحانه وتعالى او ما نهى عنه فهي ضبط للسلوك الانساني اولا واخيرا ((ولو تحققت بهذا المعنى لكان سلوك الانسان مع نفسه واسرته ومع مجتمعه وعالمه سلوكا اخلاقيا نبيلا خاليا من التعصب والحقد والكره والبغض ولكان في الوقت نفسه سلوكا ملتزما بالحق منصفا للاخرين دون تفريط او افراط )) )5(.

 

ان ذلك يقضي ان يتعلم الانسان ويعي مسؤوليته اتجاه الاخرين ليتطابق ما تعلمه مع فعله الواقعي وتعامله مع فعله الواقعي وتعامله مع افراد مجتمعه ولذلك فقد نبه الله سبحانه وتعالى الذين يعلمون الناس امور دينهم ولم يطبقوها على انفسهم ولم يتجسد في سلوكهم اليومي فيقول تعالى: (( اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون))6

 

تهذيب الاخلاق وضبط السلوك :

 

ان هدف الاخلاق وضبط السلوك يعد من اهم الاهداف التي تسعى التربية العربية الاسلامية الى تحقيقها في تنشئة الطفل وهو محور النشاط التربوي وقد ظهرت اهمية هذا الهدف واضحة من خلال ما ورد في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة من ايات واحاديث تحث المسلم على التحلي بالخلق الكريم وقد خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم في قوله تعالى : (( وانك لعلى خلق عظيم ))(7) وذهب المفكرون المسلمون امثال الامام الغزالي الى ربط العلم بالعمل والسلوك الديني بالسلوك الاخلاقي فالتربية بالنسبة له هي (( اخراج الاخلاق السيئة وغرس الاخلاق الحسنة ))(8) في نفس المتعلم . والتربية الصحيحة ما هي الا عملية بناء للقيم وبذلك فهي تشجيع التلاميذ على الخلق النبيل وان يكون اللوم والتوبيخ والعقاب برفق معهم وهي عملية توجيه لا تانيب وعقاب وعنف لذلك نجد (( ان الغزالي كان ضد الاسراع في معاقبة التلاميذ بل انه كان يحبذ التعرف على الدوافع الكامنة وراء السلوك الشاذ والسعي الى تغيرها وتعديلها فالتلميذ لا يولد شاذا ولا منحرفا وانما هناك ظروف تدفعه الى مثل هذا السلوك غير السوي ))(9).

 

التوحد مع الجماعة :

 

ان التوحد مع الجماعة بالدرجة الاساس هي حماية للفرد وتأمين حاجاته النفسية والمادية وهي بذلك تحفظ كيانه الذي هو جزء من كيان المجتمع الذي يعيش فيه ومن هذا المنطلق فقد شددت التربية العربية - الاسلامية على صيانة حقوق الفرد وتوفير متطلبات حياته ودعت الى تحقيق العدل بين الافراد والتجرد من الانانية والمنفعة الشخصية على حساب حقوق الاخرين .

 

وقد تطلب التوحد بناء علاقات وثيقة مع الاسرة والاقارب والتأدب في المحيط الاجتماعي هي احدى وظائف الاسرة في صياغة سلوك الطفل وتشربه بالقيم الاخلاقية السامية في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه .

 

وقد عكس مبدأ المحافظة على الجماعة والارتباط بها ظلالا على افكار المربين المسلمين حيث يذكر الماوردي اهمية هذا المبدأ من خلال قوله: ((لان تعاطف الارحام وحمية القرابة يعبثان على التناصر والالفة ويمنعان من التخاذل والفرقة، آنفة من استعلاء الاباعد على الاقارب وتوقيا من تسلط الغرباء الاجانب .. ولذلك حفظت العرب انسابها كما امتنعت عن سلطان يقهرها ويكف الاذى عنها لتكون به متظافرة على نواها متناصرة على من شاقها وعاداها ))(10).

 

الجهاد في سبيل الله :

 

فرض الدين الاسلامي الجهاد على كل مسلم يستطيع عليه وهو يختلف عن الحرب من حيث المعنى فالحرب قد تكون بغيا وعدوانا وقد تكون جهادا للدفاع عن امن المسلم وابعاد الاذى عنه. والجهاد بهذا المعنى يرتبط ارتباطا وثيقا بالاهداف التربوية التي سبق ذكرها فهو التزام بعقيدة التوحيد والدفاع عنها ويرتبط بغرس الاخلاق الحميدة وحماية القيم الفاضلة . فالمسلمون ممنوعون من الاعتداء لقوله تعالى: ((ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ))(11) ولكنهم من جهة اخرى مطالبون برد العدوان بحيث لا يتجاوزوا حدود الاعتداء لقوله "وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به"(12). والجهاد اخلاقيات تأمر المسلم بالحفاظ على الأطفال والنساء والعجزة ووسائله لها حدود وقواعد اخلاقية تمتد في اعماق نفس المسلم منها عدم افزاع النساك واحترام بيعهم وخلواتهم وعدم الخيانة الغدر او قتل الاسرى او التمثل بهم وما يتصل بكل انواع العنف .

 

احترام العقائد الاخرى :

 

لم تكن الثقافة العربية الاسلامية منغلقة على نفسها بل العكس من ذلك فهي ثقافة متفاعلة منذ تكوينها وصيرورتها الاولى حيث احتكت مع الثقافات القائمة انذاك وتعاملت مع اجانس واقوام متباينة من البشر لهم ثقافاتهم الخاصة بهم وقد اعطت جل احترامها وتقديرها لها ، وكثيرا ما يوجه الافراد والمؤسسات باحترام هذه العقائد كالتوجيهات التي كانت توجه بها الجيوش الفاتحة لحماية المؤسسات الدينية لغير المسلمين وعدم الاساءة اليها وقد بين لنا التاريخ العربي الاسلامي ان الكثير من الملل غير العربية المسلمة ارتقت مناصب في كثير من الدول والامارات الاسلامية كما وان ((المؤسسات التعليمية الخاصة لهذه الملل استمرت تؤدي عملها في ظل الحضارة العربية الاسلامية دون مصادرة لها او تعطيل عملها))(13).

 

مما تقدم نستطيع القول بان التربية العربية الاسلامية اتجهت الى صقل شخصية الفرد وتنميتها باتجاه صلاح المجتمع وسعادته ضمن اطار محكم من الضبط الاخلاقي والاجتماعي وموازنة دقيقة بين الحقوق والواجبات فهي تتضمن في محتوياتها تنشئة وتكوين الانسان المؤمن الصالح العابد لربه العارف بنفسه مستعينا بعقله الذي كرمه الله به وفضله على سائر المخلوقات .

 

 

 

بعض اساليب التربية العربية الاسلامية :

 

تنوعت وتعددت أساليب التربية العربية الإسلامية وتطورت مع تطور المجتمع العربي الإسلامي وتطور مؤسساته التربوية وكانت ولا زالت هذه المؤسسات تسعى إلى ترسيخ القيم الفاضلة في نفس الطفل المسلم لتجنبه من الانزلاق في مهاوي الانحراف وما تحمله هذه الكلمة من مدلولات سيئة على مستوى الفرد والمجتمع فهي تربية تبعد الطفل عن أقران السوء وتوفر له بيئة سوية تجعل منه فردا متزنا سلوكيا وعاطفيا  واجتماعيا . ومن خلال ما وفره لنا الأديب التربوي العربي - الإسلامي من تراث في هذا المجال يمكن عرض بعض أساليب التربية العربية الإسلامية بما يأتي :

 

تقليد الانموذج (( القدوة الحسنة )) :

 

ان التقليد والمحاكاة اسلوب مقبول ومحبب لدى الطفل وخاصة في مراحل نموه الاولى فعن طريق هذا الاسلوب يكتسب الطفل الوانا من السلوك تجعله يتسامى عن كثير من العادات والتصرفات الغير مقبولة اجتماعيا. وقد امرنا الدين الاسلامي الى الاقتداء بالرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) بقوله تعالى : (( لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الاخر ))(14) وكذلك فقد نهانا الرسول الكريم عن مخالطة ومجالسة السيء من الناس وشبه الجليس الصالح ببائع المسك وجليس السوء بنافخ الكير وفي هذا المثل دعوة الى اختيار القدوة الحسنة التي يكون في تقليدها خير الفرد ومنفعته والتمسك بالسلوك القويم . (15)

 

الترغيب والترهيب :

 

وفي هذا الاسلوب تقوم التربية العربية الاسلامية على استثارة الرغبة الداخلية عند الطفل على التعلم والاجتهاد وتغلب الجانب الترغيبي على الترهيبي وهو اسلوب ساد تطبيقه في مؤسساتنا التعليمية . انطلاقا من مبدأ ان التربية هي عملية انسانية تعتمد على التوجيه والتشجيع والتعامل المتوازن مع الطفل كونه كائنا يحس ويشعر وينفعل ويتاثر فكانت بهذا قد سبقت التربية الحديثة في الاخذ بهذا الاسلوب التربوي السليم وقد امتدح القرآن الكريم اسلوب الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الترغيب ((ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر ))(16) ومن هذه الاية الكريمة نستدل ان العنف والقسوة والغلظة مرفوضة في توجيه وتنشئة الطفل في منظور التربية العربية الاسلامية .

 

التأديب :

 

ان التأديب عملية تربوية تصاحب الطفل في كل مراحل نموه ويبدأ في سن مبكرة من حياته عندما تبدأ مظاهر النضج النفسي والذهني بشكل يمكنه من ادراك الافكار والمفاهيم الخلقية الصحيحة وتوظيفها لصالح  اهداف تربوية واجتماعية .

 

قال بعض الحكماء : (( بادروا بتاديب الاطفال قبل تراكم الاشغال وتفرق البال )) وقال احد الشعراء :

 

ان الغصون اذا قومتها اعتدلت                               ولا يلين اذا قومته الخشب

قد ينفع الادب الاحداث في صغر            وليس ينفع عند الشيبة الادب (17)

 

والتأديب التي تدعوا اليه التربية العربية الاسلامية هو محاربة العنف والقسوة مع الطفل بهذا يضع الماوردي التاديب في مقدمة واجبات المعلمين وبذلك يقول ((ومن ادابهم لا يعنفوا متعلما، ولا يحقروا ناشئا، ولا يستصغروا مبتدئا فان ذلك ادعى اليهم، واعطف عليهم واحدث على الرغبة فيما لديهم ))(18).

 

ان التعنف في مجال التربية والتعليم مرفوض في التعاليم الاسلامية حيث يستشهد الماوردي بحديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) علموا ولا نعنفوا فان المعلم خير من المعنف" (19).

 

التربية بالعمل :

 

وهو اسلوب يعتمد على تطبيق ما تعلمه الطفل من اسرته او مدرسته من معارف وسلوكيات وتوظيفها في حياته العملية مستعينا بذلك بمعلمه او مؤدبه فأنماط السلوك لا يكتسبها الفرد الا اذا قام بتطبيقها واصبحت عادة لديه وبذلك يقول عز وجل: ((يا ايها الذين امنوا لم تقولوا مالا تفعلون، كبر مقتا عند الله ان تقولوا مالا تفعلون))(20) ، ولقد اهتم المفكرون المسلون بهذا الاسلوب التربوي، ((فالغزالي يرى ضرورة تحقيق التطابق والتكافؤ بين النظر والعمل يستدل على ذلك بقول الله تعالى: ((اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم)) وقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ): لا يكون المرء عالما حتى يكون بعلمه عاملا )).(21)

 

التربية باللعب والرياضة :

 

ان ممارسة اللعب والرياضة هو الاخر من اساليب التربية العربية الاسلامية فالفروسية والرماية وركوب الخيل والسباحة انماط من التربية البدنية كانت شائعة في المجتمع العربي الاسلامي وقد شجع المسلمون ابناءهم على ممارستها والتخلق باخلاقياتها وكان ذلك امرا ضروريا لمواجهة متطلبات الجهاد الذي يعتمد على القوة البدنية اضافة الى القوة العقلية .

(( ان روح الاسلام تدعوا الى القوة البدنية وهذا ما وعاه عمر ( رضي الله عنه ) عندما كتب الى الأفاق في توجيه للمجتمع الاسلامي : علموا اولادكم العوم والرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا . ورووهم ما جمل من الشعر ، وخير خلق المرأة المغزل ))(22) ومن وصاياه في مجال الصحة البدنية (( اياكم والبطنة فانها مكسلة عن الصلاة مفسدة للجسد ، موروثة للسقم ))(23) .

 

ثانيا : محتوى التراث التربوي العربي الاسلامي :

 

يتضمن هذا المحور تحليل لمكونات الفكر التربوي والنفسي العربي وابراز المضامين التي ينطوي عليها هذا الفكر من ابداع فكري اسهم في تكوين العقل العربي الخلاق ويركز على مكانة التربية في تشكيل شخصية الطفل العربي ورعايتها وترسيخ مكانتها الاجتماعية باعتبار ان الطفل ثروة وطنية وقومية يمكن ان تستثمر لصالح ترقية وانماء المجتمع العربي حاضرا ومستقبلا . لقد لجأ الباحث الى اسلوب تحليل محتوى التراث التربوي العربي الاسلامي. باستخدام منهج التحليل للمفاهيم والمباديء التربوية المستندة الى القران الكريم والسنة النبوية الشريفة وما خلفه المفكرون العرب المسلمون في هذا الصدد وما قدمته المؤسسات التربوية والدينية والاجتماعية القائمة انذاك من خدمات تربوية جليلة في بناء ونمو شخصية المتعلم .

 

مرجعيات التربية العربية الاسلامية :

 

تستمد التربية العربية الاسلامية اصولها وتكويناتها من ثلاثة مصادر رئيسة يمكن ذكرها كما ياتي :

 

  • القرآن الكريم كتاب الله العزيز وهو المنبع الاساس الذي يحتوي على كل ما يتصل بشؤون الانسان الحياتية والدنيوية والحياة الآخرة وهو الاصل في تشريع القوانين وتحديد الاحكام والحقوق لبني البشر وفيه بيان دقيق للكون والحياة والانسان وبه ومن خلاله استطاع الفرد المسلم ان يفهم حقيقة وجوده وينظم علاقاته مع بيئته الطبيعية والاجتماعية وان يرسم صورة حياته وكينونته .

 

  • السنة النبوية الشريفة وهي ما اثر عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من قول او فعل وهي مصدر متكامل مع القران الكريم وترجمة فعلية لاحكامه وهي استلهام من الوحي المنزل من عند الله بالاستناد الى قوله تعالى بحق النبي صلوات الله عليه ((وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)) (سورة النجم/الايتان 3، 4)

 

 

 

اجتهادات المفكرين :

 

ان فتح باب الاجتهاد في الاسلام فسح المجال امام المفكرين والمربين العرب المسلمين لشرح وتفسير واسنباط الاحكام والمباديء التربوية والنفسية التي تضمنتها تعاليم الاسلام وصياغتها صياغات يسهل على المسلم فهمها واستيعابها بما يؤمن له تربية سليمة ومتوازنة خالية من كل مساويء الحياة وافرازاتها على الشخصية (24)

 

* الابداع الفكري للمربين العرب والمسلمين في تنشئة الطفل :

 

الطفولة حياة قائمة بحد ذاتها ومرحلة نمو لها قوانينها ونظرياتها في التربية وعلم النفس وهي ليست مجرد فترة زمنية يمر بها الانسان دون ان يفهم ويدرك ويفسر ما يدور حوله من متغيرات بيئية مستخدما حواسه وعقله في التعامل مع هذه المتغيرات .

 

لقد اهتم المفكرون العرب المسلمون الاوائل بدراسة وتحليل سمات مرحلة الطفولة وكانت اراؤهم مبنية على اساس الملاحظة والحدس واستلهام ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لتشكل هذه الاراء نسقا فكريا اشبه ما يكون بنظرية وكما يوصفها محمود قنبر ((لم تصل الينا هذه النظرة في بنية فكرية كاملة بذاتها اصطلح عليها المربون، ويمكن نسبتها الى مصدر واحد، او الى مفكر تربوي معروف، او الى منظر فلسفي بشر بها وروج لها، او الى هيئة تربوية اشتغلت بها .. لقد جاءت الينا في شكل معان اولية مستلهمة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله وقد وقف امامها نفر من العلماء المسلمين بالبحث والنظر فحولوها الى مفاهيم متوافقة ومتآلفة تكون فيما بينها مباديء النظرية التربوية الخاصة بتربية الطفل المسلم)) (25) .

 

لالقاء الضوء على الاسهامات الفكرية التي اضطلع بها المربون العرب المسلمون وجد الباحث نفسه امام كم هائل من الانتاج الفكري لهؤلاء المفكرين مما اضطره الى انتقاء نماذج من اعمالهم في مجال الطفولة وهذا لا يعني اهمالا لجهود الاخرين بقدر ما يقتضيه منهج البحث وحدوده وما توفر لديه من مصادر ومراجع تناولت موضوع الطفولة . ويمكن عرض جهود المفكرين العرب .. المسلمين مبتدئين باصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذين تتلمذوا في مدرسة النبوة ثم التابعين ومن تبعهم وفق تسلسلهم الزمني مؤكدين على تربية الطفل موضوع البحث وكالاتي :

 

الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) والطفولة :

 

يمكن اجمال اهتمام الخليفة عمر بن الخطاب بالطفولة باتجاهين :

 

الاهتمام برضاعة الطفل: وفرضه لكل مولود سهما في بيت المال :

 

كان ذلك عندما اهتم برضاع الاطفال وتوفير الحاجات الاساسية لكل مولود بعد ان سمع ام طفل تقول: ان عمر لا يفرض الا للفطيم ولذا حاولت فطامه قبل تمام الرضاعة مما جعل عمر يقول: ((يا بؤسا لعمر كم قتل من اولاد المسلمين)) وكتب للامصار ان يفرض لكل مولود في الاسلام. ومن اهتمامات عمر (رضي الله عنه) عنه بالاطفال :

الاحسان للاطفال ومعاملتهم المعاملة اللائقة بهم .

مسؤولية الحاكم عن اتخاذ سياسة لرعاية الاطفال وتوفير احتياجاتهم .

ضرورة المساواة بين اطفال الامة ولا فرق بين طفل ابن حاكم او إبن محكوم .

رعاية الاطفال اليتامى في المجتمع . وكان يفرض لكل مولود لقيط مائة درهم في بيت المال .

 

 

الاهتمام بتوفير البيئة الاجتماعية الصحيحة للطفل :

 

تجسد هذا الاهتمام بدعوته على الزواج وتكوين الاسرة الصالحة لاستقبال الاطفال وتربيتهم وكانت له شروط في الزوجة والزوج تكفي لاقامة بيت نظيف واسرة نظيفة كالحرية والكفاءة والعفة في الرجل والبكورة في المراة والخلو من الامراض والعاهات المضرة كالجنون والعته والعقم. واجاز للمراة ان تطلب الطلاق حين لا يتوفر الامان النفسي والصحة النفسية السوية ولكن بشروط شرعية معتبرة . (26)

 

الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) والطفولة :

 

اهتم الامام جعفر الصادق بالطفل ورعايته واورد كثيرا من النصائح والاقوال المعبرة عن اصالة فهمه واستيعابه لمعنى الطفولة وله آراء قيمة في تربية الطفل ويرى ان سن التعلم هو سبع سنين ويقول: الغلام يلعب سبع سنين ويتعلم الكتاب سبع سنين ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين . يوصي الاباء بحب ابنائهم ويقول : ان الله عز وجل ليرحم الرجل لشدة حبه لولده . ومن نصائحه :

 

اهمية تربية الطفل والعمل على تاديبه ، واسداء النصح له .

اهمية اللعب في حياة الطفل . وترك الطفل ليلعب سبع سنين امر له اهميته .

اهمية توليد الشعور بالمسؤولية الشخصية لدى الطفل ، واحياء روح الاستقلال لديه .

اهمية تنمية روح الاعتماد على النفس ، والجد في  اداء الواجبات (27).

 

الامام الغزالي :

 

التربية عند الغزالي تبدأ في محيط الاسرة اولا وان الطفل تتشكل مكونات شخصيته على يد والديه وان تبدأ حضانته على يد امرأة صالحة متدينة ويوصي ان يبتعد عن اقران السوء من الاطفال ويتعود على الخشونة. كما نصح الغزالي بان يتجنب المعلم استعمال القسوة في تهذيب السلوك فقال: ((ان يزجر المتعلم عن سوء الاخلاق بطريق التعريض ما امكن ولا يصرح، وبطريقة الرحمة لا بطريق التوبيخ، كما نصح بعدم التمادي في العقاب والتانيب ذلك لان الصبي سوف ((يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه فليكن الأب حافظا هيبته في الكلام معه فلا يوبخه الا احيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره احيانا)) (28)

 

ويمكن  تلخيص اهم المباديء التربوية التي اوصى بها الغزالي في تنشئة الطفل بما يلي :

  • الا يقوم بارضاعه وحضانته الا امرأة صالحة .
  • الا يعود الطفل على التدليل بل  يعود على الخشونة .
  • ان يبتعد الطفل عن اقران السوء .
  • ان يمنع الطفل من لغو الكلام ومن السب واللعن.
  • ان يحسن الطفل الاستماع اذا ما تكلم غيره ممن هم اكبر منه سنا .
  • ان يمارس الطفل العبادات كالصلاة والصوم .
  • ويجب تكريم الطفل ومدحه على ما يأتي من افعال حميدة، والاقتصاد في لومه وتأنيبه اذا اخطأ .
  • يجب ان يعود الطفل على المشي والحركة والرياضة البدنية حتى لا يغلب عليه الكسل. (29)
  • وبهذا فقد تناول الغزالي كل جوانب شخصية الطفل الجسمية والعقلية والوجدانية وهذا هو الاتجاه المعاصر للتربية الحديثة .

 

الشيخ ابو الحسن علي الماوردي :

 

يرفض الشيخ الماوردي بشدة العنف في مجال التربية والتعليم انطلاقا من مباديء الشريعة الاسلامية السمحاء ويستند بذلك الى حديث الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): ((علموا ولا تعنفوا فان المعلم خير من المعنف)) وفي رأيه فان العنف يولد الخوف والقلق عند المتعلمين كما ويطلب من المعلمين ان يتقبلوا طلابهم وان ياخذوا الجوانب الايجابية عند المتعلم وتبريزها لزرع الثقة في نفسه والرفع من شأنه وان ثواب المعلم وعقابه يحتاجان الى معرفة ما بين المتعلمين من فروق فردية طبيعية اوجدها الله في خلقه. ويرى الانجاز الذي يؤديه الطفل له حدين حد اعلى وحد ادنى وضرورة ان يتقبل المعلم الحد الادنى وفقا لاستعدادات الطالب وما يملكه من قدرات . ويدعوا المعلمين الى التسامح مع الطالب عندما يخطيء حيث لا وجود للشخص الكامل وسلوك لا زلل فيه فيقول: ((فاما العفو عن الهفوات، فلانه لا مبرأ من سهو وزلل ولا سليم من نقص او خلل، ومن رام سليما من هفوة، والتمس بريئا من نبوة، فقد تعدى على الدهر بشططه، وخادع نفسه بغلطه)) (30)

 

مما تقدم يمكن القول بان الشيخ الماوردي واضح الاتجاه التربوي في موضوع اللاعنف كمبدأ اساس في التربية والتعليم وبذلك فانه يتفق والاتجاه القائم الان في التربية في مراعاة الاعتبارات النفسية عند المتعلم وضرورة الاخذ بها لسد حاجات المتعلم .

 

محمد بن سحنون :

 

ان استخدام العنف مع الطفل في آراء ابن سحنون التربوية مشروطة وعلى المعلم ان يلتزم بشروط وحدد حق المعلم في هذا الجانب في اضيق الحدود ومن تلك الشروط :

  • ان يستعمل الرحمة والشفقة .
  • الا يضربهم وهو غاضب .
  • ان يكون الضرب لمنفعتهم هم ، لا انتقاما او شهوة منه في الضرب .
  • الا يتجاوز ثلاث ضربات، الا اذا اذن له الآباء في الزيادة عليها فانه يجوز له ذلك على الا يتجاوز عشر ضربات .
  • ان يكون الضرب باداة لا تؤذي ولا تجرح .
  • الا تؤذيه في جسمه والا كان عليه القصاص .
  • واكد بن سحنون في موضوع ضرب الاولاد على ما يأتي :
  • عناية المعلم باخلاق المتعلم ، فلم يكن الضرب قاصرا على تقصير المتعلم في التعليم بل لاسباب اخرى كأن يكذب او لسوء خلقه او يؤذي غيره .
  • احترام انسانية المتعلم وان يكون العقاب بقدر الذنب وعدم الحاق الضرر ببدن المتعلم او تشويهه  (31)

 

ابن سينا :

 

لابن سينا اراء قد تكون قريبة من آراء المتحدثين في ميدان التربية وعلم النفس وقد اولى اهتماما خاصا بالعناية بتربية الطفل وتاديبه منذ الطفولة المبكرة واشار اذا ما اهمل تاديب الطفل في السن المبكرة فمن الصعب لاحقا عليه التخلص من الاخلاق الذميمة والعادات السيئة وبذلك قد سبق ابن سينا فرويد وعلماء النفس المتحدثين الذين انتهوا الى ضرورة الاهتمام بالسنوات الاولى من حياة الطفل التي تتشكل خلالها سماته الخلقية . في موضوع استخدام الثواب والعقاب في تاديب الطفل يوصي ابن سينا فيقول: ((اذا فطم الصبي عن الرضاع بديء بتأديبه ورياضة اخلاقه قبل ان تهجم عليه الاخلاق اللئيمة وتفاجئه الشيم الذميمة فان الصبي تتبادر اليه مساويء الاخلاق وتنثال عليه الضرائب الخبيثة .. وينكب عنه معايب العادات بالترهيب والترغيب والايحاش والاقبال وبالاعراض والاقبال وبالحمد مرة وبالتوبيخ اخرى ما كان كافيا فان احتاج الى الاستعانة باليد لم يحجم عنه، وليكن اول الضرب قليلا موجعا كما اشار به الحكماء قبل، بعد الارهاب الشديد، وبعد اعداد الشفعاء، فان الضربة الاولى اذا كانت موجعة ساء ظن الصبي بما بعدها واشتد منها خوفه واذا كانت خفيفة غير مؤلمة حسن ظنه بالباقي فلم يحفل به)) (32) .

 

ووضع ابن سينا شروطا للمؤدب ويجب ان يكون ذا دين وخلق وذا شخصية متزنة وقورا عارفا بطرق التأديب .

 

ابن خلدون :

 

تعتمد آراء ابن خلدون في اساليب التعليم وجانب العقاب والثواب منها على مبدأ معروف عنه وهي ((الشدة على المتعلمين مضرة بهم)) خصوصا في المرحلة المبكرة من حياة الطفل فهو يرى بان استخدام العنف مع الطفل يكون بمثابة الكبت على نفس الطفل وذلك لان طبيعة الطفل النفسية حسب رأيه تكون منبسطة وتمتلك نشاطا وحيوية فالعنف والشدة في التعامل مع الطفل اسلوب يدفعه الى الكذب والخبث والفساد والاعتماد على الغير وله تأثير سلبي على تنشئته في المستقبل في مرحلة صباه حيث يقول (( .. واما اذا كانت الاحكام تاديبيه وتعليمية واخذت من عهد الصبا اثرت في ذلك بعض الشيء لمرباه على المخافة والانقياد فلا يكون مدللا (أي معتزا ) ببأسه ..)) ويناقش تاثيرات ((القدوة)) و((العادة)) و ((البيئة)) في السلوك البشري في كثير من ارائه التربوية (3) ويلخص ابن خلدون رايه في تعليم الولدان ويعده من احسن الاساليب التربوية وامثلها هي وصية الخليفة هارون الرشيد لمعلم ولده محمد الامين فقال يا احمر ان امير المؤمنين قد دفع اليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة وكن له بحيث وضعك امير المؤمنين اقرئه القران وعرفه الاخبار وروه الاشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك الا في اوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم اذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد اذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة الا وانت مغتنم فائدة تفيده اياها من غير ان تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مساحته فيستجلى الفراغ ويالفه وقومه ما استعطت بالقرب والملاينة فان اباهما فعليك بالشدة والغلظة)) (34) .

 

اهم المؤسسات الاجتماعية والتربوية :

 

لم تقتصر تنشئة الطفل في عصر ما قبل الاسلام على المؤسستين الاجتماعيتين الاسرة والقبيلة فحسب بل ((عرف المجتمع العربي قبل الاسلام الكتاب كاحدى المؤسسات التي اختصت بتعليم القراءة والكتابة والخط العربي، وبعد ظهور الاسلام استمرت هذه المؤسسات التي كانت في الغالب تدار من قبل الذميين لهذا الغرض)) (35) ومع تطور المجتمع العربي في العصر الاسلامي فقد ظهرت مؤسسات جديدة نذكر اهمها وكما يأتي:

 

المساجد والجوامع :

 

لعب المسجد والجامع دورا كبيرا في نشر التعليم وخاصة التعليم الديني باعتباره مكانا للعبادة وكان طلاب العلم يتحلقون حول شيوخهم على شكل حلقات لتلقي دروس في تفسير القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة واستمر هذا الحال فترة ليست بالقصيرة ليشمل تدريس العلوم الاخرى كعلوم اللغة من نحو وبلاغة وأدب .

 

وكانت الجوامع كالمدارس تقدم الجرايات لطلابها واساتذتها ففي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز تقدم رعاية مادية لكل من انقطع الى المسجد الجامع من بلده وغيرها للفقه ونشر العلم وتلاوة القران الكريم (36)  ومن اهم المساجد التي كانت مشهورة في تقديم الخدمات التعليمية ( مساجد مكة والمدينة والكوفة ومسجد عمرو بن العاص بمصر والمسجد الاموي ومسجد المنصور ببغداد وقرطبة والقيروان وجامع الازهر بالقاهرة وغيرها من المساجد في المدن العربية الاسلامية . (37)

 

بيوت العلماء ودور العلم :

 

وكانت تقوم بوظيفة رديفه للمساجد والجوامع والمدارس وتكون اما ملحقة بالجوامع او بيوت العلماء انفسهم ولها تقاليد واعراف تربوية خاصة بها وتحتوي على خزانات للكتب ومن هذه الدور التعليمية :

 

  • دار اقيمت بجوار الجامع الازهر بالقاهرة تم بناؤها وسكنها جماعة من فقهاء الازهر، ثم دار الحكمة او دار العلم التي انشئت 395هـ وكانت مجهزة بكل ما يحتاجه الطلاب من الحبر والاقلام والورق وتضم اساتذة من اهل الحساب والمنطق والطب واستخدمت لتثقيف القضاة وتدريبهم على شؤون القضاء ومن هذه الدور :
  • دار علي بن يحيى بن المنجم في بغداد .
  • دار ابي القاسم جفعر بن حمدان الموصلي في الموصل .
  • دار المعافى بن زكريا المعرف بابن طرار .
  • دار ابي نصر سابور بن اردشير في الكرخ ببغداد .
  • دار الشريف الرضي في بغداد (38)

 

قصور الخلافة :

 

بدأت قصور الخلافة اهتمامها بالتربية والتعليم والتثقيف في مطلع قيام الدولة الاموية واحتفى الخلفاء والامراء باهل العلم وكثير منهم كانوا انفسهم طلاب علم حيث ان من شروط الخلافة في الاسلام ان يكون الخليفة عالما بالامور الشرعية خاصة وكان هؤلاء الامراء يعقدون المجالس العلمية ويقربون الفقهاء والمحدثين ويذكر المؤرخون جهود الوليد بن عبد الملك العلمية وكان افضل خلفاء اهل الشام في هذا المجال فقد بنى مسجد دمشق، ومسجد المدينة. وكان المأمون من اشهر خلفاء بني العباس في رعاية العلم ونشره وكان عالما بالشرع واللغة والنجوم والفلسفة والمنطق. وكان سيف الدولة الحمداني هو الاخر من الحكام المهتمين بشؤون العلم والعلماء وكان الفرابي يقيم في بلاطه يعلم طلابه في حلب دروس المنطق والالهيات والسياسة والرياضة والكيمياء والموسيقى وقد بقي في بلاط سيف الدولة في الشام الى ان مات سنة 339 هـ. (39)

 

المدارس :

 

بدأ ظهور المدرسة كمؤسسة تربوية لها اهدافها ونظامها ومناهجها المعروفة في المجتمع العربي الاسلامي في اواسط القرن الخامس الهجري وقامت بوظائف متعددة منها تعليمية ومنها اجتماعية ومنها دينية واخرى عسكرية ويختلف المؤرخون في نشاة هذه المدارس فمنهم من يربطها بالوزير السلجوقي نظام الملك الذي نسبت اليه ما يعرف بالمدارس النظامية وكان عددها تسع مدارس منتشرة في العالم الاسلامي ومنهم من يقول ان المدارس ظهرت في المجتمع الاسلامي قبل مولد هذا الوزير منها المدرسة البيهقية والسعيدية في نيسابور. ولكن ما يهمنا لاغراض هذه الدراسة ان المدرسة كمؤسسة تربوية ادت دورا كبيرا في التنشئة التربوية والاجتماعية للانسان العربي المسلم وكان اشهر هذه المدارس ما يسمى بالمدارس النظامية التي تعد اول المدارس الحكومية الرسمية وهي تمثل عصرا مدرسيا جديدا لها اهداف تعليمية واضحة وشروط تنظيمية تضمن لها استمرارية التمويل والتدريس والتفرغ من الطلبة والمدرسين حيث يجدون كل ما يحتاجون اليه في امور معاشهم واشتغالهم بالعلم والتعليم وقد استلهمت النظاميات كثيرا من عناصر ومصادر مدرسية خارجية وداخلية ومن هذه المدارس المدارس السريانية التي كانت قائمة قبل الاسلام في الرها ونصيبين وجنديسابور وحران التي كانت تهتم بالفلك والرياضيات والفلسفة تبعا للمذهب الافلاطوني وظلت مفتوحة في عهد الدولة الاموية وتخرج منها علماء مثل يعقوب الرهاوي الذي ترجم عددا من كتب الالهيات كما وجد في العراق مدارس نصرانية امتدادا لمدارس حمورابي الاولى وعرفت مدن عراقية مثل المدائن وكسكر والحيرة وغيرها عددا من هذه المدارس . (40)

 

مؤسسات اخرى :

 

اضافة الى ما ذكر من مؤسسات تربوية فقد ظهرت في المجتمع العربي الاسلامي اماكن اختصت بالثقافة والعلوم ومنها :

 

  • الكتاتيب: التي ظهرت بعد ظهور الاسلام وكانت تدار من قبل شيوخ مسلمين بهدف تعليم القرآن الكريم ومباديء الدين الحنيف اضافة الى تدريس مباديء الحساب والشعر والتربية الاسلامية .
  • الحوانيت: التي كان يملكها استاذة وعلماء حيث كانت تتحول الى حلقات علمية ينتظم فيها زملاء الدراسة للمناظرة والمحاورة في شتي مباديء العلم والمعرفة .
  • المنتديات: التي ظهرت في العصر الاموي وبلغت ذروتها في العصر العباسي حيث كانت مسارح للحوار العلمي والادبي يؤمها ابناء الامراء وطلاب المعرفة لاغراض المناقشة والمساجلة والمنافسة والمطارحة وعقد المناظرات .
  • البوادي : التي كانت مصدرا اساسيا في تعليم اللغة الفصيحة يؤمها ابناء الامراء ليتعلموا فنون الشعر والادب .
  • دور الحكمة او المكتبات والزوايا : كانت مركز اشعاع فكري وثقافي اثرت كثيرا في تطور ورقي الثقافة العربية الاسلامية . (41)

 

الاستنتاجات :

 

مما تقدم يمكن ان نستنتج ما يأتي :

 

  • ان التربية العربية الاسلامية تقف ضد العنف كاسلوب في تنشئة الطفل .
  • تتناول التربية العربية الاسلامية جميع جوانب شخصية الطفل العقلية والوجدانية والجسمية .
  • تؤكد التربية العربية الاسلامية على دور الاسرة كمؤسسة اجتماعية تربوية لها اهميتها في تنشئة الطفل وحمايته من الانحراف .
  • تعد التربية العربية الاسلامية القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة اهم مصدرين في التنشئة الاجتماعية للطفل لما وردت فيهما من احكام بحق معاملة الطفل بلطف ورعاية .
  • تعدد اساليب التربية العربية الاسلامية ومصادرها جعلتها تمتلك قدرا كبيرا من التجربة في تكوين وتشكيل شخصية الطفل .

 

التوصيات :

يوصي الباحث بما ياتي :

 

  • ضرورة دراسة التراث التربوي العربي الاسلامي بشكل اعمق وتقديمه كنظريات يمكن اعتمادها والاستفادة منها في مؤسساتنا التعليمية .
  • اجراء دراسات مقارنة بين التراث العربي الاسلامي التربوي والتراث التربوي العالمي وخاصة في مجال الطفولة ورع