نحو بيئة لا عنيفة للأطفال العرب

 

 

 

محمود  محمد مصري

لبنان- بيروت

 

  • تعريف العنف الموجه ضد الأطفال
  • أشكال العنف
  • أماكن العنف

 

 

مقدمة:

 

تواجه الطفولة في العالم بشكل عام وفي العالم العربي موضوع المؤتمر هذا بشكل خاص تحديات مصيرية في مختلف جوانب الحياة، فما زال الأطفال منذ التاريخ القديم وحتى عصرنا هذا الحلقة الأضعف في بنية الفئات الاجتماعية المعرضة دائماً لكافة أنواع الاستغلال والحرمان، وموضوع دائم لانتهاكات الكبار، لذا فإن الأطفال يحتاجون لرعاية واهتمام خاص بهم.

 

ومما لا يقبل الجدل أو الشك فإن ملايين من  الأطفال العرب لا  يزالون محرومين من حقوقهم الإنسانية الأساسية، فهم عرضة لسوء التغذية أو الأمراض التي يمكن مع ذلك الشفاء منها إلى الاستغلال الجنسي والتحرش الجنسي واستغلال الطفل في العمل والتمييز بين الذكور والإناث أو الأطفال العاديين والأطفال ذوي الحاجات الخاصة وصولاً إلى تدني مستوى التعليم أو انعدامه وأخيراً وليس آخراً التعرض للعنف والإهمال والاستغلال بكافة أشكاله وأنواعه داخل المنزل أو في المدرسة أو في مؤسسات الرعاية البديلة.

 

ولا يغيب عن أذهاننا  وضع الطفل العربي خلال وبعد النزاعات والاعتداءات العسكرية الهمجية كما في فلسطين أو مثلما هو الحال في العراق. فالطفل العربي في فلسطين يتعرض يومياً وعلى مرأى من العالم اجمع ومن مؤسساته الإنسانية والدولية إلى ابشع أشكال العنف الذي يستهدف وجوده ويعمل على إلغائه جسدياً، أو حرمانه معنوياً ونفسياً بتشديد الحصار عليه وتعذيبه  بحرمانه من كافة حقوقه الإنسانية الأساسية، كذلك بالنسبة لأطفال العراق الذين يموتون جوعاً ومرضاً نتيجة للحصار الغاشم على بلدهم.

 

إن الواقع المأساوي الذي يعيشه أطفالنا في العالم العربي ونحن في بداية الألفية الثالثة، قرن الثورات العلمية الإنجازات التكنولوجية والمعلوماتية والتقدم. فكيف لنا أن نواجه هذا التطور الكمي والكيفي الهائل من المعرفة والتقدم ومواكبة ركب الحضارة واحترام حقوق الإنسان والطفل إلا من خلال جيل خلاق مبدع وحر، جيل فتي يؤمن بقيمه وحضارته وثقافته وتاريخ أمته وإنجازاتها الثقافية والروحية التي لا بد لها من أن تزاوج بين الأصالة والمعاصرة والحداثة، جيل مهيأ ثقافياً ونفسياً وجسدياً، جيل يعرف حقوقه، واعياً لها ومناضلاً من أجلها ومعداً لمواجهة مختلف التحديات بنفسية متوازنة وبشخصية سوية متسلحاً بالعلم والمعرفة. وكل هذا لن يتحقق إلا في بيئة حاضنة محبة لا عنفية فالحب سلام والعنف إلغاء.

 

قبل الدخول في تحديد وتعريف مشكلة العنف ضد الأطفال أرى لزاماً عليّ أن أخصص حيزاً من ورقتي هذه حول اتفاقية حقوق الطفل الدولية والتي جاءت تتويجاً لنضالات تاريخية طويلة لنصرة حق الأطفال في البقاء والحياة بكرامة غير محرومين من حقوقهم الإنسانية التي نصت عليها وشرعتها كافة الرسائل والشرائع الدينية والدنيوية.

 

تقوم الاتفاقية على ما مجموعه أربع وخمسون مادة تعنى بحقوق كل الأطفال وتشكل ثلاثة أجزاء متكاملة يعنى كل منها بجملة من القضايا والمضامين المتعلقة بتطبيق الاتفاقية وتقوم على شرح حقوق كل الأطفال بشكل متكامل بإطار حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد دأب الخبراء والاختصاصيون في مجال حقوق الطفل والتوعية على الاتفاقية والتدريب عليها على تفسير كافة المواد التي جاءت بها الاتفاقية مؤكدين على أن:

 

أحد أهداف هذه الاتفاقية وغرضها هو روح الاتفاقية بحد ذاته أو ما يعرف بفلسفة الاتفاقية (المبادئ العامة) التي قامت عليها الاتفاقية بل وضعت من اجل تحقيقها وهي:

 

المادة الثانية: عدم التمييز

المادة الثالثة: مصالح الطفل الفضلى

المادة السادسة: الحق في البقاء والنماء

المادة الثانية عشر: الحق في المشاركة

 

وما يهمنا ذكره هنا والتوقف عنده هي المادة الثالثة أو مظلة فلسفة الاتفاقية وروحها الأساسي أي مصلحة الطفل الفضلى والتي تشكل مدخل بحثنا حول العنف ضد الأطفال.

 

تذهب هذه المادة إلى التأكيد على إيلاء مصالح الطفل الفضلى في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال سواء أقامت بهذه الإجراءات مؤسسات الرعاية البديلة أو المحاكم أو السلطات القضائية أو الإدارية أو الهيئات التشريعية، كما تنص على أن تتعهد الدول الأطراف بتأمين الحماية والرعاية اللازمتين لرفاهه. إن الإجراءات الضرورية والتشريعية اللازمة لتحقيق رفاه الطفل لا يتحقق إلا من خلال تطبيق كافة مواد الاتفاقية التي يعتبر تطبيقها تحقيقاً لمصالح الطفل الفضلى باعتباره قيمة إنسانية بحد ذاته.

 

إن اعتبار الطفل قيمة إنسانية بحد ذاته له الحقوق الإنسانية الأساسية يعني  بكل بساطة أن يحيا في بيئة صحية سليمة معافية خالية من كل عنف موجه عليه أو ضده. وان تحقيق مصلحته الفضلى يرتبط بل (لا يتحقق ذلك حكماً إلا)  بتطبيق كافة مواد الاتفاقية التي جاءت لإعطاء كل الأطفال حقوقهم المشروعة.

 

فالحق في الحياة والحق في الصحة مرتبط بتخفيض نسبة وفيات الأطفال دون الخامسة، والحق في الصحة أيضا مرتبط بتخفيض نسبة وفيات الأمهات عند الولادة ورفع مستوى وعيهم الصحي والحق في الصحة والعيش الكريم مرتبط بتعميم سبل الوصول إلى مصادر المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي والحق في التعليم مرتبط بتوفير التعليم الأساسي وإكمال التعليم الابتدائي وعدم التمييز بين الذكور والإناث وبين الأطفال العاديين وغير العاديين وتخفيض أمية الكبار والحق في الحماية من العنف والاعتداء والإهمال والاستغلال بكافة أشكاله وتأمين الحق في الرعاية البديلة مرتبط بمدى العمل على تحسين حمالة الأطفال وخصوصاً في الظروف الصعبة.

 

وعلى الرغم أن هذه المعاهدة نالت مصادقة اكبر عدد من الدول، 191 دولة باستثناء الولايات المتحدة الأميركية والصومال فإن ذلك لم يحل دون استمرار التماديات القصوى واستغلال الأطفال في العالم.

 

إن عدم تحقيق هذه الشروط اللازمة من قبل الأمم والحكومات والمجتمعات لتطبيق الحقوق التي جاءت الاتفاقية على ذكرها في موادها الأربع والخمسين، لا يعني إلا إجهاضا لحق الطفل في الحياة والبقاء والنماء. فعدم توفير الصحة والتعليم وإلغاء التمييز وإعطاؤه حق المشاركة وإبداء الرأي والتعبير وتوفير الحماية اللازمة له من كل اعتداء وإهمال واستغلال ليس إلا شكلاً من أشكال سلب حياة الطفل من معانيها الإنسانية وتعريضه لأقسى أشكال العنف الذي يعرض حياته لظروف صعبة قد تنتهي بموته وهو أعلى درجات العنف الذي يهدف إلى سلب الطفل حياته.

 

1- تعريف العنف:

 

إن مشكلة العنف عموماً والعنف ضد الأطفال خصوصاً ترتدي أهمية بالغة التعقيد في المجتمع المعاصر، وهي متعددة الجوانب والوجوه، بدءاً بالعنف المدرسي والمجتمعي حتى الأسري كونه أساساً مرتبطاً بالعوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع.

والكتابة عن العنف ضد الأطفال هي مهمة صعبة لأنها تطال الفئة التي دأبنا على اعتبارها وتسميتها بالبريئة والتي نخشى أن نرى بعيونها نظرات الاتهام موجهة إلينا على العنف اليومي الذي نمارسه ضدها نحن الكبار، ولان هذه العبارة أو المصطلح من جانب آخر استخدم بالعديد من المعاني المختلفة جداً.

 

العنف هي واحدة من تلك الكلمات التي يعرفها كل شخص منا، ولكنها برغم ذلك فمن الصعب تعريفها، وكما استخدمها السايكولوجيين وأطباء النفس والعقل وعلماء التربية والاجتماع والسلوك فهي تغطي مدى واسع جداً من السلوك الإنساني.

 

إلا أنه يمكننا القول إن العنف هو وسيلة لإلغاء الآخر. ويصبح العنف بهذا المعنى شكلاً من أشكال الاستبداد وتهميشاً للآخر وإلغاء دوره أو إلغاءه مستنداً في ذلك إلى ضروب الاستغلال والظلم والعدوان والحرمان والطغيان والفقر والتهميش وعدم المساواة.

 

إن العنف الذي يقوم به الراشدين ضد الأطفال هو عنف سلطة وتسلط له جذوره الراسخة في نظام القيم والمعتقدات والمصالح والنفوس المريضة عند الكبار.

 

وهكذا فإن جذور الاستبداد بتناقض أبدي مع العلاقة بالحرية ورفض العنف والاعتراف بالآخر والقبول به وإعطاء الأطفال فسحة كافية متساوية مع الكبار في ممارسة حقوقهم وواجباتهم من خلال الحرية والحب والديمقراطية المستندة إلى المشاركة والمساواة وعدم التمييز. فالحب تسامياً في لقاء الآخر والعنف وسيلة لإلغاء الآخر. والديمقراطية هي الوجه المعاكس للاستبداد والتسلط.

 

العنف ضد الأطفال هو استبداد وإلغاء للآخر (الطفل)، والديمقراطية هي مشاركة ومساواة واعتراف بالآخر (الطفل) اعترافاً بهم بغض النظر عن إمكانياتهم وقدراتهم وطاقاتهم أو جنسهم أو لونهم أو دينهم.

 

2- أشكال العنف:

 

يأخذ العنف ضد الأطفال أشكال عديدة، وهي تختلف فيما بينها في عدد من الجهات وتتفق في عدد آخر، فإذا فحصنا جهات الاختلاف والاتفاق وجدنا عدداً من الأنواع، فالموضوع المعنف في كل الأشكال هو واحد (الطفل) والتأثيرات الناجمة عن العنف ضد الموضوع المعنف (الطفل) وان اختلف مداها وحجمها إلا إن لها التأثير السلبي عليه. وهي بكل الأشكال لها تهديد مباشر على كيانه ونماءه جسدياً ونفسياً قد يصل إلى حد تهديد بقاءه ووجوده. وهي بكل الأشكال استبداد يهدف إلى محاولة الغاء هذا الآخر(الطفل) من خلال عدم تقديره واحترامه باعتباره قيمة إنسانية بحد ذاتها.

 

وهي تختلف فيما بينها بالأشكال التي تتخذها ضد الطفل. إلا إن هذه الأنواع لا يمكن النظر إليها من زاوية واحدة بل ترى من زوايا متعددة. وحسب تأثيراتها على الطفل ودرجة عنفها عليه.

 

وبالنظر إلى الشكل الظاهري الذي يأخذه العنف ضد الأطفال نستطيع القول أن هناك ثلاثة أنواع للعنف:

 

أولا: العنف الجسدي: الذي يشترك فيه الجسد في الاعتداء على الآخر.

ثانيا: العنف الكلامي: الذي يقف عند حدود الكلام.

ثالثا: العنف الرمزي: الذي نمارس فيه سلوكاً يرمز إلى احتقار الآخر أو توجيه الانتباه إلى إهانة تلحق به.

 

إن أشكال العنف هذه ليست متمايزة كل التمايز ولا هي مستقلة عن بعضها البعض، فمن الممكن طبعاً اجتماع مظهرين أو المظاهر الثلاث في حالة واحدة، فقد يكون العنف جسدياً وكلامياً ورمزياً.

 

أما إذا ما أخذنا من يظهر عنده العنف فإننا نجد العنف على نوعين:

 

النوع الأول: فردي: وهو يتميز بسلوك شخص سلوكاً يتجه إلى ايقاع الأذى بالطفل من خلال العنف.

 

النوع الثاني: جماعي: وهو يتميز بسلوك الجماعة المشترك المتجه إلى إيقاع الأذى بالأطفال من خلال:

 

  • النظام التربوي
  • القيم والعادات والتقاليد
  • النظام الاقتصادي والاجتماعي ... الخ

 

ان هذا العنف أكان فردياً أم جماعياً له وجهان محددان اتفق العلماء النفسانيون والسايكولوجيون والاجتماعيون والتربويون وغيرهم من العاملين مع الأطفال على حصره بالجسدي والنفسي باعتبار ان هناك أساليب متنوعة وأشكال متعددة للعنف إلا إن الهدف منها هو تدمير الجسد أو النفس أو كلاهما معاً على النحو التالي:

 

العنف الجسدي: وهو مباشر:

 

أ  - الضرب: الضرب على الرأس والوجه، اليدين، الفلقة، شد الشعر، شد الأذنين، الرفس بالقدم، التركيع، رفع اليدين إلى اعلى، الحروق الخ.

ب - الحرمان من الأكل والطعام أو الإقلال منه والحرمان من قضاء الحاجة.

ج-  التحرش الجنسي أو الاعتداء الجنسي (عنف جسدي ونفسي).

د-   تشغيل الأطفال بالأعمال الشاقة التي تفوق قدراتهم الجسدية والنفسية على التحمل.

 

العنف النفسي: وهو إما مباشر أو غير مباشر:

 

أ - التهديد، الوعيد، الإذلال، الشتم، الإهانة عن طريق الألقاب والكلمات الشنيعة، التحقير، الحرمان، الإهمال.

ب - التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي.

 

وهذا ما يؤدي إلى تدمير الشعور بالكرامة الذاتية ويدفع بالتالي إلى تنمية الشعور بالذل والعار.

 

إن نتائج العنف ضد الأطفال متنوعة ومعقدة للغاية أكان ذلك من الناحية الجسدية أو النفسية ومن مظاهرها:

 

أ - على الصعيد الفسيولوجي: هزال جسدي، قصر في القامة، إعاقة، ضعف بصري، ضعف في السمع، ارتجاج في الدماغ، ندوب وحروق دائمة على مختلف الأماكن في الجسد.

ب - على الصعيد السيكولوجي والذهني: الخوف، الحذر، الكوابيس، التوتر، فقدان الثقة بالنفس والآخرين، العزلة والانسحاب الاجتماعي، الاهتياج والقضب والسلوك العدواني، هبوط القدرة على التركيز، انخفاض القدرة على القراءة والاستيعاب والدراسة، التراجع الدراسي والتأخر الدراسي، الهروب من المدرسة، تأتأة في الكلام أو انحباس، نظرة دونية للذات.

 

3-  أماكن العنف:

 

إن معاناة الأطفال مغروسة في عمق التاريخ بسبب العنف الذي مورس ضدهم في كل الأزمنة والأمكنة، حيث لا يكاد يوجد أي مكان أو زمان بريء من تسجيل إساءة أو انتهاك أو عنف ضد هذه الشريحة البريئة من أفراد المجتمع. ولقد تعددت الأماكن التي مورس بها العنف ضد الأطفال بدءاً من الأسرة مروراً بالمدرسة وصولاً إلى كافة المؤسسات والأنظمة (النظام التربوي- وسائل الاتصال الحديثة) التي أنتجها المجتمع لحماية نظام قيمه ومصالحه.

 

ومن اكثر الأماكن شيوعاً حيث يظهر العنف الممارس على الأطفال يمكننا تبويبها على النحو التالي:

 

أ   - المنزل

ب - المدرسة

ج  - أماكن عمل الأطفال

د  - المجتمع (النادي، مؤسسات الرعاية البديلة)

هـ- وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة

 

 

أ - المنزل:

 

يكاد يكون المنزل من اكثر الأماكن شيوعاً وأمانا للراشدين لممارسة عنفهم ضد الأطفال ( بسبب محرمات الولوج إلى هذا العالم). وهو ما اصطلح على تسميته بالعنف الأسرى، ويمارس على الطفل في الأسرة كافة أشكال العنف كما يمارسه معظم أفراد الأسرة (الوالدين، الاخوة، الأقارب).

 

أسباب العنف الأسري:

 

وللعنف الأسري على الأطفال أسبابه نورد منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

- اتجاهات الوالدين نحو الزواج.

- التكييف الأسري.

- العلاقات الأسرية.

- علاقات الحب والكراهية بين الوالدين.

- أساليب التربية الخاطئة.

- الانحراف والانحطاط الأخلاقي.

- الإدمان على الكحول والمخدرات.

-عنف القيم.

- تدني القيم الاجتماعية.

- الوضع الاقتصادي.

- الوضع المهني للوالدين.

- التوتر في العمل وعدم الاستقرار المهني (بالنسبة للوالدين).

- كراهية العمل وعدم الاستقرار المهني (بالنسبة للوالدين).

- الاكتظاظ السكاني ضمن العائلة الواحدة.

 - غياب التربية الجنسية العلمية الصحيحة والإرشاد والتوجيه.

 

 

 

أشكال العنف الذي يمارس على الأطفال في المنزل:

 

العنف الجسدي: العقاب الجسدي، الحرمان من الاكل، التعذيب………

العنف النفسي: التمييز بين الذكور والإناث، زواج البنات الأطفال، حرمان البنات من التعلم، الإهمال، التهديد، حرمان الأطفال من حق المشاركة وعدم الاستماع لرأيهم.

التحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية: على الرغم من انه لا توجد نسب تبين حجم هذه المشكلة فإن الأسرة إلى جانب المدرسة والنادي والمؤسسة هي من اكثر الأماكن التي يتم فيها الاعتداء الجنسي أو التحرش بالأطفال. ويمارس الاعتداء أو التحرش الجنسي على الأطفال عادة من قبل الأب أو الاخوة أو الأقارب.

 

ويطلق عالمياً على نسب ضحايا الاعتداءات الجنسية من الأطفال الرقم الأسود حيث لا يعرف أحد العدد الصحيح تماماً. إنما معظم الدراسات ترجح أن 1/3 من الفتيات و 1/7 من الذكور تم الاعتداء عليهم جنسياً.

 

إن حجم المراقبة والعناية والتربية الجنسية العلمية والسماح للطفل بالتعبير عن نفسه وتزويده بالمعلومات والمعرفة والتربية الصحيحة هي من أهم الوسائل الوقائية التي تساعد على إعداد جيل يحمي نفسه، حيث يصبح حينها الطفل قادر على أن يدافع عن نفسه من الاعتداءات والتحرشات الجنسية. كون أن دائرة احتمالات التعدي على الأطفال واسعة جداً، فهي تطال كل من يتعاطى معهم من الأسرة إلى المدرسة إلى المجتمع.

 

أ - المدرسة:

 

هي المؤسسة التي تضطلع بصورة مباشرة كلية أو جزئية بوظيفة تربوية. وللتربية دور أساسي يتمركز أساسا على تطوير الوعي عند الإنسان بشكل عام والطفل بشكل خاص، وعليه فإن كيفية استخدام العلم يعتبر العملية المحورية في عملية التربية. من هنا كان لا بد من التمييز بين العلم والمعرفة، فالمؤسسات التعليمية يجب ان تكون مؤسسات للمعرفة وليست مؤسسات للعلم، إلا أن المدرسة في هذا العصر الاستهلاكي عاجزة عن تطوير المعرفة، فهي تعلم بهدف التعليم الاستهلاكي وهو العنف بعينه، وتبتعد عن التعليم بهدف المعرفة وهو الحب ذاته. ويصبح ما نسمعه في هذا الإطار صحيحاً بأن المدارس تضم الكثير من المعلمين والقليل من المربين الذين يقدمون المعرفة للأطفال بمحبة باعتبارهم كائنات مهمة للتطور والمعرفة كما قال عنهم جان بياجة.

 

إن توكيد المدرسة على تقديم العلم على المعرفة يؤكد ما يذهب إليه بير بورديو باعتباره إن أي نشاط تربوي هو موضوعياً نوع من العنف الرمزي، وذلك بوصفه فرضاً من قبل جهة متعسفة لتعسف ثقافي معين، والمؤسسة المدرسية هي المجال الناشط التي تعيد إنتاج الثقافة الغالبة.

 

وهي بالتالي إحدى الأماكن التي يتم فيها ممارسة العنف ضد الأطفال.

 

أشكال العنف وسوء معاملة الأطفال في المدرسة:

 

العنف الجسدي: الضرب بكافة اشكاله، العنف باستخدام أشكال التعذيب المتعلق بالوقوف المستمر ورفع اليدين إلى أعلى، أو الجلوس بوضع القرفصاء، عدم الحركة أو الركوع على الحصى أو بذر الزيتون، حمل الشنط والكتب الكثيرة.

 

العنف النفسي: التمييز بين الأطفال استناداً إلى قدراتهم العقلية واستعدادهم الدراسي ومدى تحصيلهم وتفوقهم، أو التمييز بينهم استناداً إلى شكلهم أو جنسهم أو مستواهم الطبقي.

 

الطرد خارج الصف أو خارج المدرسة، والتهديد بالحجز في غرفة الفئران، التهديد بالترسيب أو الإعادة إلى الصف الأدنى.

 

العنف الكلامي: توجيه الكلمات النابية والألقاب المهينة، الشتم، التوبيخ، التحقير.

 

العنف على التربية المدرسية: عدم إعداد المدرسين بشكل كاف، استعمال دفتر العلامات، كثرة الامتحانات، نظام الترسيب والترفيع، إعادة الصف بالطريقة نفسها، التربية على التمييز، الفصل بين الذكور والإناث (مدارس خاصة أو فصول خاصة)، مدارس خاصة ومدارس عامة (عدم المسأواة في إعطاء الفرص المتكافئة)، التربية على التنافس، التعليم الكمي، الحفظ والتسميع الببغائي، كثرة عدد التلاميذ في الصف الواحد، القصاص الكتابي.

 

ب- التحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية:يتعرض الأطفال في المدارس وخاصة الداخلية منها إلى شتى أنواع التحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية.

 

إن المؤسسة المدرسة بصفتها نشاطاً لاعادة إنتاج الثقافة السائدة في المجتمع ليست إلا مركزاً للاستبداد ومعقلاً للعنف ضد الطفل، حيث تسود فيها آليات الظلم والقمع والكره والتسلط وفرض النظام الصارم والقاسي وذلك من خلال قسوة النظام التربوي الذي يعد برامجاً لا تهم الطفل ولا تنظر لحاجاته ولا تتوجه إليه كعنصر متكامل الكينونة والشخصية ولا تتوجه إليه كفاعل وشريك، بل مفعول به ومشارك مشاركة تلقينية على ابعد تقدير.

 

ج- أماكن عمل الأطفال:

 

إن عمل الأطفال هو نتيجة عدم المسأواة الاجتماعية في المجتمع وهو شكل عالٍ من أشكال العنف والاستبداد ضد الأطفال كونه يساهم مساهمة مباشرة في حرمان الأطفال من حقوقهم الإنسانية المشروعة في الحصول على الفرص المتكافئة في التعلم والتزود بالمعرفة والنمو السليم على المستوى الجسدي والنفسي، وحرمانهم من حقهم عيش طفولتهم البريئة وممارسة حقهم باللعب والترفيه وقضاء أوقات الفراغ كالأطفال العاديين الذين لم تجبرهم الظروف على العمل في سن مبكرة.

 

ويتعرض الأطفال الذين يعملون لكافة أشكال العنف التي يتعرض لها باقي الأطفال في البيت أو المدرسة من عنف جسدي ونفسي وتحرش واعتداء جنسي، إلا إن العنف الجسدي الذي يتعرضون له بسبب ممارستهم لأعمال خطيرة أو قاسية عليهم بسبب عودهم الطري وصغر سنهم قد تؤثر تأثيراً مباشراً على نموهم الجسدي بشكل سوي.

 

أشكال العنف الذي يمارس على الأطفال العاملين:

 

العنف الجسدي: تؤثر ظروف العمل القاسية والشاقة وعدم توفير الشروط الصحية اللازمة إلى قصور في النمو الجسدي السليم للطفل وتعرضه لكثير من الأمراض التي قد تكون مزمنة (أمراض التنفس، الصدر، أوجاع الظهر والانحناء في العامود الفقري) وذلك بسبب تعرضه لتنشق مواد سامة وخطرة أو لحمله أثقال تفوق قدرته أو قد يتعرض لخطر الموت بسبب مزاولته لاعمال خطرة. إلى جانب تعرضهم للضرب بحجة تعليمهم الكار.

 

العنف النفسي: يتعرض الأطفال العاملون إلى شتى أنواع التعنيف النفسي من قبل (معلمي المهنة) الناس الذين يتواصلون معهم في مجال العمل الذي يقومون به من إهانات وإذلال وتحقير وشتائم. تؤثر سلباً على نظرتهم للمجتمع، كما أن حرمانهم من التمتع بحقوقهم هو عنف بحد ذاته.

 

التحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية: قد يكون الأطفال العاملون من اكثر الأطفال تعرضاً للتحرش والاعتداءات الجنسية خاصة الذين يعملون منهم بالأحياء الفقيرة والشعبية ضمن أجواء الورش المغلقة أو البعيدة عن الأعين مع راشدين منحرفين أو مدمنين على الكحول والمخدرات حيث تتدنى القيم الاجتماعية والرادع الأخلاقي لديهم.

 

د- مؤسسات الرعاية البديلة:

 

تقوم المؤسسات الرعائية البديلة بتقديم الخدمات النفسية والتربوية والمهنية وتوفير الحاجات الفسيولوجية للأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية لأي سبب من الأسباب. وهي تقوم بهذا الدور بحكم الاعتراف القانوني والمجتمعي بها. وهي أن كانت تقوم بدور بديل عن الأسرة التي لا تستطيع أن تقدم الشروط الصحية الضرورية لنمو الأطفال جسدياً ونفسياً واجتماعياً بشكل صحيح إلا أن بعض هذه المؤسسات، كالمؤسسة الأسرية والمدرسة والنادي وغيرها تمارس كثير من إشكال العنف ضد الأطفال، كالعنف الجسدي والنفسي والتحرش والاعتداءات الجنسية واستغلال الأطفال وغيرها من الأشكال المتعددة.

 

إن مشكلة العنف ضد الأطفال مشكلة مزمنة عبر التاريخ، لم يسلم منها أي مجتمع وستبقى هذه الظاهرة ملازمة للطفولة عبر كل الأزمنة والعصور ما دام المجتمع مقصراً في دور الرقابة والحماية الضرورية للأطفال، وما دام تفاوت توزيع الثروات في العالم قائم حيث ينجم عنه تفاوت كبير في تقديم الخدمات وتوفير فرص الحياة والعيش الكريم بما يتوافق مع حقوق كل الأطفال. كما إن المشاكل الأسرية وتقصير المؤسسات الأهلية عن لعب دورها الرائد في تأمين الحماية المجتمعية للأطفال ونشر الوعي والتثقيف سبب في تزايد مشكلة العنف ضدهم إضافة إلى تحول القيم المجتمعية إلى قيم استهلاكية تتعاطى مع الأطفال كسلعة وكقيمة متجردة من كل حقوقها الإنسانية، إضافة إلى انتشار الفقر والبطالة وتدني القيم الاجتماعية.

 

وأخيراً لعل الاعتذار من الطفولة غير كافٍ والمطلوب هو مزيد من العمل للتقليل من العنف الموجه ضد الأطفال، فلا يوجد في الطبيعة ما يوازي معاملتنا الوحشية للأطفال، والحقيقة الكئيبة أو المعتمة هي أننا النوع الأقسى والأكثر تحجراً في القلب "عديمي الشفقة أو الرحمة". منذ أن سرنا بأرجلنا على الأرض، وانه على الرغم من إننا في بعض اللحظات نتراجع برعب صامت حين نسمع أو نقرأ عن الفظاعات أو الشناعات التي ارتكبت بحق الأطفال فإن مسلسل العنف ما زال مستمراً وفي هذه اللحظة بالذات في اكثر من مكان في العالم هناك أطفال تنتهك حقوقهم ويستبد بهم لا لسبب إلا كونهم الأضعف.

 

 

تصميم: منير إدعيبس