|
عنف
الحصار
وأثره
على تعليم الأطفال في العراق
د.
شفيق مهدي/ العراق
ملخص
بحث
يضم
هذا البحث أربعة فصول، تحدث الفصل
الأول، الذي حمل عنوان "لمحة عن
التعليم" في العراق منذ زمان
السومريين، وكيف عنى العراقيون
القدامى بتعليم ابنائهم، واهتمامهم
بحماية الأطفال كما جاء في شريعة
الملك البابلي الشهير "حمورابي"
. ولم يمنعهم من مواصلة تعليم
أولادهم السيطرة الاستعمارية التي
هيمنت على البلاد، في عصور مختلفة
وكيف جاهدوا حتى فتحوا المدارس في
أنحاء العراق ليتعلم فيها أبناؤهم.
وبعد
قيام ثورة 17 تموز في عام 1968م، قامت
الثورة هذه بخطوات مهمة لإحداث نقلة
نوعية وكمية في التعليم ومن أهم هذه
الخطوات قرار خاص بمجانية التعليم
في كافة المراحل الدراسية ثم قانون
التعليم الإلزامي.
وقد
أدت هاتان الخطوتان إلى نتائج باهرة
في التعليم والقضاء على الأمية بعد
أن صدر قانون آخر هو القانون الشامل
للقضاء على الأمية .
وعنوان
الفصل الثاني "الحصار والأطفال"
تناولنا فيه أولا نسبة الأطفال بين
سكان العراق وإنها نسبة مرتفعة بلغت
في عام 1979م 49% لكنها بدات تقل في
سنوات الحصار بسبب وفيات الأطفال
نتيجة لشح الغذاء والدواء وظهور
الأوبئة ثم تطرقنا الى الحديث عن
حالتين خطيرتين ظهرتا بعد فرض
الحصار وهما حالتان كانتا نادرتي
الحدوث أو شبه معدومتين الأولى
التسرب من المدرسة والثانية الرسوب
وسببهما يعود الى محاولة الابناء
التلاميذ والطلبة الى مساعدة أسرهم
بالاشتغال بعد أن عجزت هذه الأسر عن
تلبية متطلبات الطعام اليومية اثر
ارتفاع أسعاره ارتفاعا فلكيا
بالارقام لقد اضطرت الاسر العراقية
الى زج أطفالها في العمل بعد أن عادت
لا تملك أي شييء يمكن لها ان تبيعه
حتى تشتري به طعاما بعض الأسر اضطرت
الى ان تبيع حتى ابواب بيته.
وجاء
الفصل بأمثلة على ارتفاع الأسعار
هذا الارتفاع الذي تجاوزت نسبته 167000%
كما ذكر هذه الأعمال التي زج بها
الاطفال وهى اعمال هامشية أثرت على
سلوكهم اليومي وعرضت حياتهم الغضة
الى أخطار محدقة عديدة فضلا عن إن
بعضها أعمال غير سليمة وغير صالحة
تربويا ونتج عنها تشرد وجنوح
الكثيرين منهم وازدياد نسبة
المودعين منهم في الإصلاحيات زيادة
كبيرة كما أدت الى ظهور جرائم لم تكن
معروفة من قبل واعمال تتسم بالعنف
والاعتداء.
وتساءل
الباحث في نهاية الفصل عن حقوق
الأطفال التي أقرتها القوانين
الدولية منها مقررات "مؤتمر القمة
العالمي من اجل الطفل" التي جاءت
في الاعلان الذي أصدره في عام 1990م.
ويشير
الفصل الثالث: "الحصار والعملية
التربوية" الى اثر الحصار على
التعليم في نواح مختلفة أهمها
جانبان المادي بتعرض المؤسسات
التربوية الى اضرار مادية ثم الجانب
النفسي والتربوي الذي أشاع حالات
القلق والخوف وضعف الاهتمام بالدروس
والإنهاك العصبي والكآبة وامتداد
هذه الصدمات النفسية الى أفراد
الأسرة جميعا.
وعدد
الفصل بعض ما قامت به الجهات
المسؤولة في محاولة منها لمواجهة
هذه الآثار السلبية بوضع الخطط
لمعالجة هذه الاثار المدمرة للعملية
التربوية منها إجراء البحوث
التربوية وتطوير المناهج وعقد
الندوات وإجراء الزيارات الميدانية
واقامة الدورات التدريبية مع
استثمار اساليب التدبير العراقي
لانتاج المستلزمات التربوية.
ومع
هذه الإجراءات كلها لن يكون هناك غير
حل واحد للقضاء على كل هذه الآثار
السلبية هو رفع الحصار الشامل.
وبين
الباحث في الفصل الرابع المعنون "الأسرة
والحصار" النتائج السلبية
الخطيرة التي برزت في نسيج الاسرة
العراقية بعد فرض الحصار منها تغير
مصطلح الأسرة في العراق حتى وصفت
بأنها أسرة تعيش في حالة طواريء من
اجل مواجهة ضغوط الحصار الاقتصادية
والاجتماعية.
وكنتيجة
طبيعية لعنف الحصار هذا ظهرت آثار
خطيرة على هذه الأسرة منها إنها لم
تعد تشعر بالحياة الاسرية المشتركة
وتقليص القيم والمشاعر والتفاعلات
الأسرية واختصارها الى شكل مادي :
الحاجة المادية وقد ادى هذا الى
التأثير على النمو الاجتماعي
والاستقرار الاسري وظهور حالات
نفسية شاعت وانتشرت كالغلظة والشدة
وسرعة الغضب والعصبية.
ونجم
عن ذلك أيضا ظهور خلافات في داخل
الأسرة أدت الى ظهور مشاكل اجتماعية
كثيرة نتج عنها حالات طلاق كبيرة ولا
يخفى عن احد ما يعنيه ابغض الحلال
هذا للأطفال تفكك وتشرد ومعاناة.
بسم
الله الرحمن الرحيم
تمهيد:
"عنف
الحصار" مصطلح جديد يضاف إلى
قاموس الحياة الكبير، الذي يضم بين
دفتيه، كل ماله علاقة بالبشر، من
الناحية الإنسانية. هذا المصطلح
الجديد ، يضيفه أيضا العراق، الذي
أعطى للإنسانية من قبل، منجزات
حضارية، لم تكن معروفة من قبل ، في
غيره ، بدءا من تدجين الحيوان
والاستيطان الزراعي ، حتى مصطلح "
عنف الحصار " .
لقد
ارتأيت، أيها الأساتذة الأفاضل، أن
اقدم هذا البحث العلمي ويقيني وثقتي
بأنه سيكون شيئا جديدا، لم يقدم مثله
سابقا في مؤتمر موقر مثل هذا
المؤتمر، الذي يسعى، من غير شك، إلى
رعاية أحباب الله الأعزاء، الأطفال
.. مستقبل البشرية وأملها على الدوام.
لعل
ما فيه من نقاط ووقائع وأحداث وأرقام
، ستجذب انتباه المعني بالطفولة ،
وسيفكر مليا بآثار الحصار على
الأطفال ؛ أثار سلبية تقتل حتى
البراءة ، ويقيني بأنه سيبذل كل جهده
، لا ليسعى لرفع الحصار عن أطفال
العراق فقط ، بل سيرفع صوته عاليا ،
يمنع تكرار وحدوث مثل هذا الحصار
المؤذي .
وفي
الحقيقة، أن هذا البحث لم يأخذ مني
جهدا كبيرا، ولا وقتا كثيرا، كما هي
عليه الحال في بقية البحوث؛ السبب في
هذا يعود إلى أنني شاهد عيان لمادة
البحث؛ عراقي لمس بيديه ما كان عليه
أطفال العراق قبل أحداث الثاني من آب
من عام 1990م، وحتى لحظة إعداد هذا
البحث، فضلا عن عمله في قطاع ثقافة
الأطفال منذ اكثر من ثلاثة عقود من
السنين .
كان
من الممكن أن أتناول مظهرا أو مظاهر
العنف، بأشكالها وخصائصها العديدة
المختلفة، في كل مجالات الطفولة؛
أتحدث على سبيل المثال، عن التلفاز
والعنف، وأقول أن السلوك العنيف
الذي تبثه الشاشة الصغيرة، قد يصعد
ويضاعف، ويحرك الاتجاهات العدوانية
عند المشاهد الصغير، لو انه اعتبر أن
مثل هذا السلوك أو التصرف مسموح به،
ولا يضير، أو أن الطفل قد لا يتأثر
بهذا العنف، لو انه قد تعلم أو افهم
أن سلوك العنف هذا، لهو عمل خاطيء.
وندرك من هذا أن سلوك الوالدين
نفسيهما ذو تأثير كبير؛ بل كبير جدا
على أطفالهما ، اكثر من تأثير
الحوادث المفردة .
مرة
أخرى أقول، أنني اقدم مثل هذا البحث
، الذي أظنه قد ابتعد عن خطة بحوث
المؤتمر ، لعلنا نضع وإياكم لبنة في
أساس قانون نتمنى أن يشرع ليمنع
مستقبلا مثل هذا الحصار الذي يطال ،
أول ما يطال الأطفال .
الفصل
الاول:لمحة عن التعليم :العراقيون و
التعليم:
عنى
العراقيون منذ ان اخترعو الكتابة ،
بتعليم ابنائهم، وادخالهم الى
المدارس. وكانوا يطلقون على المدرسة
اسم "بيت الالواح " .
وللدلالة
على اهمية المدرسة، في حياة العراقي
القديم، وضعت هذا الوصف البليغ :
"
يدخل فية من عيناه مغمضتان، و يخرج
منه من عيناه تبصران ".
وقد
تركت لنا الرقم الطينية، الشيء
الكثير عن المناهج الدراسية
المتطورة، والمذكرات اليومية،
ومنها مذكرات تلميذ سومري يرقى
زمنها الى حوالي الفي سنة قبل
الميلاد. من هذه المذكرات، نفهم اسس
التربية والتعليم الصحيحة، التي سار
عليها سكان بلاد الرافدين القدامى .
ونظل
في تلك الحقبة من التاريخ القديم حتى
نذكر شيئا عن رعاية القانون للطفل،
رعاية فائقة. ومن غير شك، اننا عندما
نذكر القانون في العراق القديم يومض
في الذهن اسم الملك البابلي الشهيد
"حمورابي" الذي حكم في السنوات
1792-1750 قبل الميلاد وقانونه الشهير
الذي اصطلح على تسميتة ب" شريعة
حمورابي " .
في
شريعته الشهيرة هذه، اورد "حمورابي"
العديد من المواد التي تهدف الى
حماية الطفولة، وسنقتطف منها هاتين
المادتين :
"المادة
190: إذا لم يعد رجل الطفل الذي تبناه،
ورباه مع اولاده، أي لم يعتبره كواحد
منهم ، يحق لذلك المتبنى الرجوع الى
بيت اهله " .
المادة
194: إذا اعطى رجل ابنه الى مرضعة،
وهذا الابن قد مات في يد المرضعة؛
فاذا تعهدت المرضعة برضاعة طفل آخر
بدون معرفة ابية وامة بموت الطفل
الاول فعليهما اثبات ذلك عليها،
وبسبب تعهدها ارضاع طفل آخر بدون
معرفة ابية وامة بموت الطفل الاول ان
يقطعوا ثديها "1" .
وفي
الماضي القريب ، حرص العراقيون على
تعليم ابنائهم، على الرغم من ظروف
الاحتلال البغيضة التي مرت على هذا
البلد، ونقصد بذلك الاحتلال الفارسي
والعثماني. وعلى الرغم من بساطة
التعليم آنذاك، نرى حرص العراقين
على تعليم ابنائهم، بارسالهم الى
" الملا " ليعلمهم حفظ القرأن
الكريم والقراءة والكتابة .
وقد
جاهد الاباء جهادا مستميتا لفتح
المدارس لأولادهم وبناتهم، كي
يحصلوا على فرص أوفر من التعليم
والثقافة، فسمحوا الى فتح المدارس
في انحاء العراق، ففي العاصمة
بغداد، فتحت على سبيل المثال، مدرسة
"الحميدية" وفي الموصل مدرسة
"المياسية"، وفي البصرة مدرسة
"العشارى" وفي النجف الأشرف
مدرسة "المعتمد" وهكذا.
وعند
قيام ثورة السابع عشر
من تموز المجيدة، في عام 1968م،
كان من اهم اهدافها إحداث نقلة نوعية
وكمية في التعليم، فأصدرت قانونين
مهمين جدا، ولازمين لاحداث مثل تلك
النقلة ؛ وهذان القانونان هما :
*القرار
رقم (102) لسنة 1974م، وهو الخاص بمجانية
التعليم في كافة المراحل
الدراسية .
*القانون
رقم (118 ) لسنة 1974م، وهو القانون الخاص
بالتعليم الالزامي حتى المرحلة
المتوسطة .
ولتنفيذ
خطة التعليم الشامل هذه ، فتحت
المدارس في القصبات النائية ،
والتجمعات السكانية الصغيرة ، بعد
ان وفرت لها كل مستلزمات النجاح .
ورافق ثورة التعليم هذه منجز كبير
اخر ، سعى الى القضاء على الامية .
وقد نجح العراق في هذا نجاحا باهرا ،
شهد عليه الكثير من المنظمات
العربية والدولية المعنية بهذا
الشأن .
الشيء
الذي مر ذكره ، كان ضرورة من
الضرورات التي ينبغي أن تذكر ، حتى
نستطيع أن نقارن التعليم قبل الحصار
وبعده .
الفصل
الثاني :الحصار والاطفال:
نسبة
الاطفال:
لو
تفحصنا الهرم السكاني للعراق، أي
التركيب العمري، لوجدناه ذا قاعدة
عريضة، أي انه يتسم بارتفاع نسبة
الاطفال في الفئة العمرية، أقل من 15
سنة إذ بلغت حسب احصاء عام 1977م 49% .
وهي نسبة مرتفعة من غير شك .
وبعد
الحصار، انخفضت هذه النسبة الى 43.6 %،
حسب احصاء عام 1994م إذ بلغ عدد
الاطفال حوالي (8.5) مليون طفل، من
مجموع عدد السكان البالغ (19.5 ) مليون
نسمة .
وبالرغم
من ذلك ظلت نسبة الاطفال مرتفعة،
مقارنة بغيرها من نسب السكان في
العالم، وللمقارنة نجد ان هذه
النسبة تساوي 34 % في العالم أجمع، و22 %
في البلدان المتقدمة، و 38 % في
البلدان النامية .
أن
انخفاض نسبة الاطفال هذه؛ الآخذ
بالازدياد، كما ذكرت، قد حدث بعد فرض
الحصار الاقتصادي على العراق، الذي
سبب ارتفاعا في وفيات الاطفال من
ناحية، وزيادة الاوبئة وسوء الحالة
الصحية وقلة الغذاء والدواء، والتي
تؤدي الى تقليل فرص الانجاب،
وأرتفاع نسبة الامراض المؤدية الى
العقم، وتقليص برامج رعاية الامومة
والطفولة المتنوعة، نتيجة تأثر
برامجها بالحصار ، بشكل مباشر .
نعود
الى لغة الارقام لنتحدث عن وفيات
أطفال العراق، بعد فرض الحصار؛ فقد
ارنفع معدل وفيات الولادة من 7.8
بالألف في عام 1987م ، إلى 8.6
بالألف في عام 1994م، وكذلك معدل
وفيات الاطفال الرضع، لكل الف ولادة
حية من 47.7 في عام 1987م، إلى 95.4 وفاة في
عام 1994م. ومعدل وفيات الاطفال دون سن
الخامسة من العمر، لكل الف، من 89 في
عام 1987م ، إلى 130.5 في عام 1994م . وبشكل
عام. فإن توقعات الحياة عند الولادة
بالسنوات، قد انخفضت من 66.2 سنة في
عام 1987م، إلى 56.5 سنة في عام 1994م .
الأمر
الخطير الذي يجب ذكره هنا، ان هذه
الوفيات، وانخفاض معدل الاعمار، قد
ازدادت ازديادا مضطردا في السنوات
الاخيرة، بشكل مخيف، وهذا قد جعل
قاعدة الهرم السكاني، العريضة
الفتية، يتقلص حجمها، منذرا بعواقب
وخيمة في المستقبل القريب، لا سمح
الله.
ألقى
الحصار الاقتصادي بصلطه الثقيل
المدمر على العملية التربوية في
العراق. هذه العملية التي كان يستشهد
بها، ويشار اليها بالبنان، في
المحافل العربية والإقليمية
والدولية، وأثر عليها تأثير مروعا،
وبرزت بسبب ذلك حالات كانت من الشواذ
نادرة الحدوث جدا، صارت بمرور الوقت
حالات عامة. وسنتعرض الى بعضها فيما
يأتي .
التسرب
والرسوب:
حالتان
خطيرتان تسللتا الى عملية التعلم في
العراق ، كانتا معدومتين تقريبا ،
قبل فرض الحصار .
الحالة
الاولى هي التسرب من المدرسة؛ و قد
بدأ التسرب هذا اول ما بدأ في مرحلة
الدراسة المتوسطة، وبلغت نسبة هذا
التسرب في سنة الحصار الاولى 6,1% ، ثم
في مرحلة الدراسة الابتدائية، وبلغت
نسبتة في تلك السنة ايضا 3,1% .
وقد
ازدادت حالة التسرب في السنوات
اللاحقة بنسبة كبيرة جدا، وشملت
طلاب المرحلتين الثانوية
والجامعية، بل وفي بعض الاحيان،
الدراسات العليا .
الحالة
الثانية هي الرسوب؛ اذ بلغت نسبته في
المرحلة المتوسطة 36%، وفي المرحلة
الابتدائية التي كان يندر فيها
الرسوب، 3,1%. وازدادت النسبة هذه ايضا
في السنوات التالية، والتي طالت
كذلك طلاب المرحلتين الثانوية
والجامعية. وهذا من غير شك، يشكل
ويؤشر بوضوح جلي الى خطورة هاتين
المشكلتين على مستوى تعليم الاطفال.
ان السبب الرئيسي والاوحد في الذي
ذكرناه، هو رعب الحصار الاقتصادي!
لقد تسرب اولئك التلاميذ والطلاب من
المدارس، ليقدموا بعض العون الى
عوائله، يسد جزء بسيط من احتاجات
الطعام اولا واخيرا، فقد ارتفعت
اسعار السلع ارتفاعا اكثر من فاحش،
ادى الى خلق ظروف متناهية الصعوبة؛
غاية العسر والشدة، للعائلة
العراقية وبنحو خاص التي لديها عدد
من الاطفال؛ فقد اصبحت عاجزة تماما
عن تلبية ابسط ما يمكن ان يسد به
الرمق، ويدفع غالة الجوع .
لم
تلجأ العائلة العراقية الى اطفالها،
الا بعد ان استنفدت كل مالديها،
واعيتها الحيل على مواجهة صعوبات
الحياة القاسية المريرة ؛ لقد اضطرت
العائلات العراقية الى بيع
ممتلكاتها الكمالية اولا، ثم
الاجهزة الكهربائية والمصوغات
الذهبية والمقتنيات الشخصية
الثمينة، الموروثة عن الاجداد، حتى
اضطرت اخيرا الى بيع ابواب البيوت،
وحديد تسليح سقوف بعض غرف البيت!
اضطرت
العائلات العراقية الى ان تفعل ذلك
لشراء الطعام، كما قلت، والذي
ارتفعت اسعاره على نحو لا يصدق.
وساذكر مثالا او مثالين، للاشارة
الى هذه الزيادة في الاسعار.
كان
سعر علبة حليب النيدو الصغيرة، قبل
الحصار (350) فلسا، أي اننا كنا نستطيع
شراء ثلاث علب منها بدينار واحد، اما
بعد فرض الحصار، فقد وصل سعر الواحدة
الى ( 3500 ) دينار فقط لاغير ! .
المثال
الثاني هو الطحين. كان سعر الكيلو
غرام منه قبل فرض الحصار ستين فلسا
فقط، وتجاوز سعره بعد ذلك الف دينار!
ومقارنة بأسعار عدد من السلع
الغذائية المهمه، كالبطاطا والرز
والسكر والسمك، فضلا عن الذي ذكرناه
، قبل فرض الحصار وبعده، نجد ان نسبة
الارتفاع قد تجاوزت هذا الرقم
الفلكي : 167000 % !
هذا
الارتفاع الجنوني في الاسعار، قد
ادى الى الانهيار التام والكامل في
الدخول الحقيقية للأفراد من ذوي
الدخل المحدود، مما ادى الى الحاق
أفدح الاضرار بالاطفال، الذين باتوا
يحصلون على نسبة لا تزيد على 53 % مما
يحتاجونه، بموجب البطاقة التموينية
.
وكنتيجة
لا بد منها ، لمواجهة ما يجري ، اضطر
التلاميذ والطلاب ، وحتى الاطفال
للنزول الى ميادين العمل .. ولكن أي
عمل ؟
أعمال
هامشية:
أين
اشتغل اولئك الذين تركوا مقاعد
الدراسة، وايقذوا عنوة من احلام
الطفولة، وبرائتها النقية الصافية؟
أشتغلوا
في اعمال هامشية، لم تكن مألوفة في
العراق، الا على نحو فريد او شاذ، ان
لم تكن معدومة؛ البيع على الارصفة،
وعند اشارات المرور الضوئية، وهذه
هي اخطر الاماكن التي تعرض اجساد هذه
الزهور الغضة اليانعة الى خطر الدعس
بالسيارات المارة، المسرعة، التي
يريد اصحابها في اغلب الاحيان،
الاجتياز قبل أختفاء اللون الاخضر.
يبيع
هؤلاء الاطفال المحارم الورقية
وزينة السيارات البسيطة والاوعية
وعلب لفافات التبغ! وليس من غير
المألوف ان ترى بينهم من يشعل لفافة
تبغ، ويسحب انفاسا منها بحرقة وحسرة
على الطفولة الضائعة من غير شك !
بين
هؤلاء الاطفال، ظهرت ظاهرة كانت
معدومة في المجتمع العراقي، وبشكل
خاص بعد مرحلة التنمية التي شهدتها
سبعينات القرن الماضي، ونقصد بها
ظاهرة التسول.
نعم..
كانت ظاهرة التسول معدومة تماما في
العراق، ليس لان القانون يعاقب
عليها فقط، بل لأنه لم يعد هناك
عراقي يحتاج الى التسول: اذ جمع جميع
المتسولين، وكانوا قلة، واجريت لهم
مرتبات شهرية تكفيهم وتسد حاجتهم .
الشيء
الخطير جدا، لتأثير عمالة الاطفال
على الاطفال أنفسهم هو تعرضهم
لبيئات عمل غير سليمة، بعضها لم يكن
يسمح لهم، قبل فرض الحصار،
بارتياده، والتقرب منه، مثل بيع
المقبلات امام مخازن بيع المشروبات
الروحية، او المجازر ونحوها ،
ان
أشتغال الاطفال في مثل هذه البيئات
غير الصالحة تربويا لهم قد ادى الى
تشرد العديد منهم، وجنوحهم. ويكفي ان
نذكر ان اعداد المودعين في المدارس
الاصلاحية، قد ازداد في عام 1993م،
بنسبة 80 %، عما كان عليه العدد في عام
1990م. وزادت هذه النسبة في السنوات
التي تلت زيادة مضطردة .
ونيجة
لهذا، ظهر العديد من جرائم الاحداث،
لم يكن معروفا من قبل، أي قبل فرض
الحصار؛ ان هذا يؤشر الى خطورة
الحصار على تغير سلوكية الاطفال
والاحداث، والتحول الى الاعمال
الاكثر عنفا، واعتداء على الغير.
اين
هذا من حقوق الاطفال التي اقرتها
القوانين الدولية؟ لنأخذ مثلا مؤتمر
القمة العالمي من أجل الطفل، في
الاعلان الذي اصدره في عام 1990 م، في
شهر ايلول، والذي اكد على الالتزام
المشترك تحاه رعاية وحماية الاطفال
وتنميتهم ، وضمان مستقبل افضل لهم،
والذي وضع خطة عمل لتكون دليلا
يسترشد به في صياغة البرامج التي
تسعى الى تحقيق اهداف تنفذ بحلول عام
2000م، والبالغ عددها سبعة وعشرون
هدفا، تناولت تخفيض معدلات وفيات
الاطفال الرضع ، وتخفيض حالات سوء
التغذية ، وتوفير التعلم الاساس ،
وحماية الاطفال الذين يعيشون في
ظروف صعبة .
ولنأت
الان على ذكر الاجتماع العربي رفيع
المستوى، الذي عقد في تونس في عام 1992
م، والذي اقر "الخطة العربية
لرعاية الطفولة"، والتي جسدت
اهداف نبيلة، منها توجيه عناية خاصة
للاطفال الذين يعيشون ظروفا صعبة ،
بسبب الاحتلال والنزاع المسلح
والكوارث الطبيعية والحظر الجوي
والحصار الاقتصادي .
الفصل
الثالث :الحصار والعملية التربوية:
اثر
الحصار على التعليم :
برزت
آثار الحصار على تعليم الاطفال في
مجالات عديدة ، لكننا سنتحدث عن
مجالين رئيسيين :
الجوانب
المادية:
في
الجانب المادي لآثار الحصار على
تعليم الاطفال ، تبرز لنا نقطتان
مهمتان :
تعرض
المؤسسات التربوية الى اضرار مادية،
وتعطل المؤسسات الانتاجية في القطاع
التربوي، نذكر منها المطابع
والمعامل الانتاجية التي كانت تنتج
القرطاسية والسبورات ومقاعد الجلوس
وغيرها، فضلا عن الحوانيت ومشاريع
الانتاج والتدريب المهني.
تذبذب
اعداد الاطفال والتلاميذ والطلبة،
في المراحل الدراسية، جميعا، كما مر
ذكره، إضافة الى تناقص اعداد الطلبة
والمعلمين والمدرسين، وهو تناقص
يزداد سنة بعد سنة.
الجوانب
النفسية والتربوية:
نجمت
عن الحصار نتائج سلبية في العملية
التربوية ، نتيجة تعطل العديد من
مؤسسات القطاع التربوي ، ونتيجة
توقف عملية الاستيراد ، مما أظهر ذلك
نقصا حادا في توفير مستلزمات
العملية التربوية والتقنيات
والوسائل التعليمية والمواد
المخبرية والاثاث والطباشير
والقرطاسية ولعب الاطفال .
بالاضافة
الى هذا، هناك الاثار الاخرى التي
سببها الحصار، التي تتصل بنقص
الغذاء والدواء، وانعكاس ذلك سلبيا
على أحوالهم الصحية والنفسية، فسوء
التغذية، ادى الى اصابة الاطفال
بفقر الدم والامراض المعدية، وهذا
اثر بما لا يقبل الشك على ضعف متابعة
دروسهم ومزاولة النشاطات المدرسية،
وهذا بدوره كذلك، ضاعف من جهد
الهيئات التعليمية وزيادة مشكلاتهم
.
كما
ان تعقد الحالة المعيشية، وارتفاع
اسعار المواد، مما اضطر، كما أسلفنا
العديد من التلاميذ والطلبة، الى
ترك الدراسة، كما ان ذلك قد اضطر
العديد، ان لم نقل جميع المعلمين
للاشتغال خارج اوقات الدوام .
وبسبب
تأثير قطاع الخدمات العامة، وبنحو
خاص المواصلات، مما أثر سلبيا على
وصول التلاميذ والطلبة والهيئات
التدريسية، الى المدارس، في الاوقات
المحددة للدوام الرسمي، وارتفاع
اجور النقل مما القى عبئا ماديا
ثقيلا على كاهل اولياء الامور
والمعلمين، صعب عليهم تحمله .
وبرزت
كذلك اثار نفسية لدى التلاميذ
والطلبة، تمثلت في حالات القلق
والخوف، وضعف الاهتمام بالدروس
والإنهاك العصبي، وسوء التوافق
والكآبة، وامتداد هذه الاثار الى
الاسرة ذاتها.
كما
اثر الحصار كذلك في العملية
التربوية، ببروز العديد من المشاكل
والمعوقات، التي تعترض مواصلة
التوسع الكمي والتطور النوعي، في
مراحل التعليم المختلفة، كما هي
الحال في صعوبة توفير الابنية
المدرسية، وتلافي نظام الازدواج في
الدوام اليومي، وصعوبة توفير
الاعداد اللازمة من المعلمين
والمعلمات والمدرسين والمدرسات، بل
وحتى اساتذة الجامعات ، فضلا عن
صعوبة توفير المستلزمات التربوية .
وبالطبع
ان الجهات التربوية المسؤولة لم تقف
مكتوفة الايدي ، وتقف موقف المتفرج
مما يجري ويحدث لقد بذلت جهودا كبيرة
لمجابهة هذه الاثار السلبية، وعنفها
المدمر على مسيرة التعليم والتربية،
فقامت برسم وتنفيذ خطة لمعالجة هذه
الاثار الخطيرة، ومعالجة مشاكل
الرسوب والتسرب، واستيعاب الاطفال
المشمولين بالتعليم الالزامي،
وتنفيذ خطة لترميم المدارس .
كما
قامت برغم الظروف الاستثنائية
الطارئة، باجراء البحوث التربوية،
وتطوير المناهج والامتحانات، وعقد
الندوات الدراسية والمؤتمرات،
وتأليف الكتب المنهجية الجديدة،
واجراء الزيارات الميدانية، واقامة
الدورات التدريبة، وبث الدروس عبر
التلفاز، والمشاركة باجتماعات
المنظمات العربية والدولية ، مع
استثمار اساليب التدبير العراقي ،
لانتاج المستلزمات التربوية .
ولكن
.. هذه المحاولات والجهود المبذولة،
برغم تقديرنا العالي لها، ما هي الا
معالجات موضعية، لا تفي الا بالنزر
اليسير، و لا يمكن الحل في رفع شامل
للحصار .
الفصل
الرابع :الاسرة والحصار:
تغير
مصطلح ومفهوم الاسرة، في العراق،
بعد فرض الحصار، حتى وصفت بأنها تعيش
في حالة طواريء، من اجل مواجهة ضغوط
الحصار الاقتصادية والاجتماعية،
واشباع حاجاتها الاساسية، ولهذا فأن
الاسرة بكل أفرادها، تتصرف بصيغة
الحاجة الى موارد مادية اضافية،
لمواجهة الارتفاع المتسارع في
الاسعار. وهذا قد جعل مدرب الاسرة
يلجأ الى يوم عمل طويل، أكثر من عشر
ساعات يوميا في عمل واحد أو في
عملين، كما ان كثير من النسوة رحن
يعملن لاضافة موارد مالية لصالح
الاسرة. وكما مر بنا، القت اسر عديدة
بأطفالها في اعمال هامشية، لا
يتناسب معظمها معهم، لا جسديا ولا
صحيا ولا تربويا.
وكنتيجة
طبيعية لهذا، لم تعد الاسرة
العراقية تشعر أو تحس كثيرا بالحياة
الاجتماعية المشتركة، كما ان القيم
والخصائص والمشاعر والتفاعلات
الاسرية والاجتماعية، قد تم تقليصها
واختصارها الى شكل مادي واحد؛
الحاجة المادية للاسرة. وهذا بدوره
قد اثر على النمو الاجتماعي
والاستقرار في حياة الاسرة، في ظل
الحصار. ويمكن ان يفسر هذا حالات
الغلظة والشدة وسرعة الغضب والعصبية
في سلوك أفرادها، بعد ان أفتقروا
وافتقدوا الحياة الاسرية الرائعة
وعلاقتها، بكل ما تعنيه من محبة
وألفة وتعلطف وأحاسيس ومشاعر
انسانية رقيقة .
وهنا،
لا بد ان نشير الى اننا لا ينبغي ان
ننكر أهمية تضحية افراد الاسرة في
توفير المال، لمواجهة صعوبات الحياة
الجديدة، الا ان الاثر الاجتماعي
لهذا، غالبا ما يكون هو الثمن
المقابل لحياة أسرية ضعيفة
العلاقات، لا وقت فيها للحياة
الاجتماعية، والاسرية المشتركة. ولا
شك ان الاطفال هم الاكثر تضررا بهذه
الظروف، ومعاناتهم هي الاصعب، بسبب
تأثرهم العميق وانعكاسه البالغ على
شخصيتهم الفضة، النامية، المسلمة
أمرها الى التشكيل الجديد .
واذا
كانت الاسرة العراقية ما تزال مع
حاجات الاطفال، على اساس "الاطفال
أولا " فإن هذا ينطبق على الحاجة
المادية، في حين ان الضرر الاخر
المهم ايضا هو الحاجة الى العاطفة
الاسرية، وعلاقتها الحميمة، وهو ما
يجب الاهتمام به، والتوعية بأبعاده،
من أجل طفولة اسرية اجتماعية طبيعية
.
من
المشاكل الاخرى التي تعرضت لها
الاسرة العراقية، بعد فرض الحصار،
مشكلة الطلاق بعد ان أخذت الخلافات
الاسرية تعم وتنتشر بسبب ضيق اليد،
ونتج عن هذا تعرض الاطفال لمعاناة
قاسية مريرة ، كضحايا للتفكك الاسري
.
قائمة
المراجع
آ
– الكتب :
د
. رشيد ، د . فوزي :
الشرائع
العراقية القديمة ، دار الشؤون
الثقافية ، بغداد ، 1987 من .
كونتينو
، جورج :
الحياة
اليومية في بلاد بابل وآشور ، ترجمة
وتعليق سليم طه التكريتي وبرهان عبد
التكريتي ، دار الرشيد للنشر ، بغداد
، 1979 م .
ب
– البحوث والدراسات :
- الاطرقجي
، د. عبد الغفور محمد سليم :
- الجوانب
الاقتصادية لآثار وانعكاسات
الحصار الجائر على أطفال العراق ،
الراوي أحمد عمر .
- الحصار
الاقتصادي وتأثيره على رعاية
الفئات الخاصة من الاطفال في
العراق ، عبد الكريم ، د. احمد ،
وأخرون :
- آثار
وانعكاسات الحصار الجائر على صحة
اطفال العراق .
- العظماوي
، د. ابراهيم كاظم ، واخرون .
- الصدمة
النفسية عند الاطفال نتيجة الحرب
والعدوان .
- العمار
، د. زكية ، وأخرون .
- آثار
الحصار الجائر على الاسرة والطفل .
- مبارك
، د. بديع محمود :
- تعليم
الطفولة في العراق .
- مهدي
، شفيق :احباب الله والحصار
الثقافي .
|