دراسة مختصرة حول عمالة الأطفال

 

دراسة مختصرة

حول

عمالة الأطفال

( تحديد المشكلة ، طبيعتها ، أسبابها ، مواجهتها )

إعداد :د. عبد الحميد ملكاني/سوريا

خبير وباحث في إدارة الأعمال وشؤون العمل

خبير لدى منظمتي العمل العربية والدولية

 

محتويات الدراسة :

1 مقدمة .

2 تحديد المشكلة .

3 طبيعة المشكلة وحجمها .

4 أسباب عمل الأطفال .

5 مواجهة مشكلة عمل الأطفال .

 

إجراءات وقائية :

 

  • وضع حد أدنى لسن العمل .
  • حظر عمل الأطفال في الأنشطة الخطرة .
  • حظر العمل الجبري .
  • مهاجمة بغاء الأطفال والاتجار بهم .
  • رعاية الوالدين .
  • التعليم الإلزامي .

 

إجراءات علاجية :

 

  • تفتيش العمل .
  • وضع سياسات وبرامج عمل وطنية .
  • تعزيز القدرة المؤسسية .
  • تحسين التشريعات وتطبيقها .
  • الاهتمام بالتعليم ودعمه .
  • الدعم الاقتصادي .
  • الاهتمام بإعادة التأهيل .
  • التأكيد على أهمية التعاون الدولي .

 

6_ خاتمة / استنتاجات وتوصيات .

 

1 مقدمة :

 

لاشك في أن الطفل هو كنز الأمة ومستقبلها ، يمثل استمرار الحياة وتدفقها ، ونحن الآباء والأمهات نرغب أن ينمو أطفالنا أقوياء أذكياء يعتمدون على أنفسهم في مجالات الحياة المتنوعة المتعددة عندما يكبرون .

 

ولكننا نخطئ عندما نطلب منهم أن يكونوا أذكى وأمهر وأقدر على انجاز الأعمال مما هو ممكن بالنسبة لأطفال في أعمارهم فنحمّلهم ضغوطاً شديدة ومعارك نفسية قاسية لا يتحملونها ولا يحتملونها .

 

وبسبب ظروف الحياة القاسية وما يمر به العالم من تغيرات إقليمية ودولية وتطورات اقتصادية واجتماعية تمثلت بما سمي ( بعصر العولمة ) وما نتج وما ينتج عنها من سلبيات انعكست خاصة على الدول النامية مخاطر ومشاكل يسود فيه القوي الذي يزداد قوة ويزداد فيه ضعف الضعيف ضعفاً .

 

ولقد شملت هذه المنعكسات فيما شملت استغلال عمل الأطفال في ظروف وشروط عمل قاسية وفي أعمال خطرة وشاقة بهدف خفض الكلفة وكسب السوق ، وفي بعض الأحيان في أعمال وأوضاع غير مقبولة منفرة من بغاء وعروض إباحية

 

لذلك نجد أن المجتمع الدولي قد تصدى لظاهرة عمل الأطفال واستغلالهم واقترح نصوصاً قانونية دولية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال ، أكملها بتوصيات تتضمن إجراءات ومساعدات عملية تهدف إلى التزام الدول بأطراف إنتاجها الثلاث ، حكومات ومنظمات أصحاب عمل ، ومنظمات عمال ، بحظر عمل الأطفال عن المهن والأنشطة الخطرة والعروض الإباحية دون ما أي تسويف أو تأخير .

 

ومن أجل تغطية المحور الرابع من محاور هذا المؤتمر ، فإنني سأتناول فيه تحديد المشكلة وطبيعتها وأسبابها وكيفية مواجهتها لأنتهي بعدها إلى استنتاجات وتوصيات تتضمن اقتراحات حلول عربية لهذه المشكلة قابلة للإغناء والنقاش والحوار.

 

2 تحديد المشكلة :

 

عمل الأطفال مشكلة كبيرة تشمل البلدان النامية وكثيراً من البلدان الصناعية فنجد الأطفال يعملون في مهن وصناعات خطيرة مختلفة منها العمل في المناجم والمحاجر والعمل تحت الماء والعمل على ارتفاعات كبيرة والعمل في مصانع الزجاج والثقاب والألعاب النارية وغيرها من المهن ذات المخاطر والآثار الوخيمة

 

والآثار السلبية لعمل الأطفال متعددة متنوعة فيتعرضون للمخاطر الكيميائية والبيولوجية حيث يتعرض 60% من الأطفال العاملين لمثل هذه المخاطر و40% يعانون إصابات وأمراض خطرة منها البتر وفقدان أجزاء من أجسادهم ، كما يعاني الأطفال العاملون نقصاً كبيراً في النمو وقصر في الطول ونقصاً في الوزن حيث يظل حجمهم أصغر حتى بعد البلوغ ، كما يتعرض الأطفال في عملهم لخطر الإصابة بأمراض مهنية مزمنة كسرطان الرئة والاسبسيتة في سن البلوغ 

 

وتشير إحدى الدراسات حول الصحة المهنية في البلدان النامية أن عدداً من الأطفال يموتون في المناطق الريفية نتيجة تعرضهم للمبيدات .

 

كما أن الأطفال الذين يعملون خدماً في المنازل يقعون ضحايا إساءات لفظية وجنسية، ويتعرضون للضرب أو العقاب بالتجويع .

 

وإن أكثر الأوضاع شيوعاً التي يتضرر فيها الأطفال هي حينما يعملون في مهن وصناعات خطرة على اختلاف مجالات العمل وكذلك عمالة الأطفال سدداً لدين والذي يمثل ما يشبه العبودية الصريحة ، كما أصبح الاستغلال الجنسي التجاري للأطفال في السنوات الأخيرة بسبب الفقر موضع اهتمام عالمي والمشكلة تتصاعد ، فالأطفال يباعون ويشترون عند الحدود الوطنية على أيدي شبكات منظمة .

 

وباختصار شديد فإن عمل الأطفال هو أهم سبب لاستغلالهم وإيذائهم ووفقاً لتقديرات منظمة العمل الدولية عام 1997 فإن عدد الأطفال العاملين بين الخامسة والرابعة عشرة / 120 / مليون على الأقل .

 

إلا أنه من أبرز التطورات التي جرت مؤخراً خلال العقدين الأخيرين ظهور تيار عالمي ضد عمل الأطفال ، الأمر الذي انعكس في التغيرات الملحوظة في المواقف والمفاهيم واهتمام عدد كبير في قضية الأطفال والأطفال العاملين على الصعيدين الوطني والدولي ، مما زاد معه عدد المؤسسات والهيئات التي نشطت في مجال عمل الأطفال .

 

ولكن إحقاقاً للحق فإن منظمة العمل الدولية تكاد تكون المنظمة الدولية الوحيدة تقريباً التي نشطت من الناحية العملية من حيث التركيز المباشر على عمل الأطفال والالتزام بالقضاء عليه فأصدرت اتفاقيات وصكوك دولية لمنع استغلال الأطفال ويمنع عملهم .

 

ولقد كانت من الصعوبات التي تواجه منظمة العمل الدولية على المستوى السياسي هو إنكار الحكومات وأصحاب العمل والآباء لعمل الأطفال لدرجة أن البعض كان يساوي بين عمل الأطفال ونشاط الأطفال فيبررونه بحجة أن العمل مفيد للأطفال ووسيلة لمساعدة الأسرة والفرصة الوحيدة لتجنبها كارثة اقتصادية .

 

ومما ساعد على التصدي لمشكلة عمل الأطفال والإساءة لهم وسائل الإعلام على اختلافها ومنظمة اليونسيف ولاسيما برنامجها المعنون بــ (الأطفال في ظروف بالغة الصعوبة ) منذ عام 1986 .

 

وظهور عدد كبير من المنظمات غير الحكومية واهتمامها بحمل الشعلة لمقاومة عمل الأطفال وليصبح شغلها الشاغل .

 

ولقد زاد الاهتمام بعمل الأطفال لدرجة أنه قد قفز إلى قمة جدول الأعمال العالمي واهتمام المستهلكين الذين أخذوا يضغطوا على الصناعيين من أجل أن يراعوا في إنتاجهم عدم استخدام عمل الأطفال واحترام حقوق الإنسان وقد تبنت اتحادات نقابات العمال الدولية هذا الموقف .

 

كما تبنى الاتحاد الأوروبي في تطبيقه لنظام الأفضليات المعمم عند استيراده منتجات من البلدان النامية احترامها للحقوق النقابية وحظر عمل الأطفال .

    

كما أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية أحكاماً في تشريعاتها تشترط فيها منح امتيازات تجارية للبلدان الأجنبية باحترام هذه البلدان للحدود الدنيا من حقوق العمل ، كما يتضمن نظامها المعمم للأفضليات اشارات إلى حقوق العمال عند تصديرها للولايات المتحدة . وهناك مشروع قانون قيد الإصدار يحظر استيراد منتجات من صناعات تستخدم عمل الأطفال .

    

3 طبيعة المشكلة وحجمها :

 

مشكلة عمل الأطفال كبيرة ومما يزيد في صعوبة رصدها ، المشاكل التي تواجه المتتبع لها عند وضع وتنفيذ استقصاءها وذلك بسبب اختلاف المفاهيم حول من هو الطفل وتحديد ما هو عمل الأطفال . مع العلم بأن هذه المشكلة قائمة في جميع أرجاء العالم وخاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ووفق تقديرات سابقة المستندة إلى معلومات إحصائية عام 1995 من نحو مائة من البلدان أن هناك /73/ مليون من الأطفال العاملين ينتمون إلى الفئة العمرية من 10 إلى 14 سنة.

 

إلا أنه من خلال استقصاءات منظمة العمل الدولية التي أجرتها في عدد من البلدان تشير إلى أن هذا الرقم متواضع جداً حيث أن الأطفال دون العاشرة يعملون بأعداد كبيرة وأن هناك نحو /120/ مليون طفل على الأقل يعملون وقتاً كاملاً من الأعمار 5 إلى 14 سنة ، وأكثر من ضعف هذا الرقم يعملون كنشاط ثانوي 61% منهم في آسيا و32% في إفريقيا و7% في أمريكا اللاتينـية، إلا أن نسبتهم في إفريـقيا هي الأعلى إذ يعمل فيها 40% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 و 14 سنة .

 

وفي الحقيقة فإن معظم الاستقصاءات الإحصائية لا تغطي سوى الأطفال من سن 10 سنوات فأكثر ، فالأطفال الريفيون وخاصة الفتيات يبدأون نشاطهم الاقتصادي في مرحلة مبكرة من سن الخامسة أو السادسة أو السابعة وهؤلاء يمثلون في بعض البلدان 20% من قوة عمل الأطفال في المناطق الريفية ونحو 5% في المراكز الحضرية ، ويمكن أن يكون عددهم أكبر كثيراً في بعض المهن والصناعات ، مثل الخدمة المنزلية والصناعات المنزلية وفي أعمال النظافة والتقاط الخرق أو في أنشطة اقتصادية هامشية في الشوارع . ويتعرضون للمخدرات وللعنف والأنشطة الإجرامية والإساءات البدنية والجنسية أو العمل الجبري والبغاء والعروض الإباحية وسائر أشكال العمل الخطرة على صحتهم في كثير من المدن وفي كثير من أنحاء العالم .

 

وللتدليل على حجم مشكلة عمل الأطفال في الوطن العربي فإن الإحصاءات تشير إلى أن عدد الأطفال العرب من الفئة العمرية حتى سن الرابعة عشر عاماً تشكل عام /2000/ نحو /122/ مليون طفل يمثلون من إجمالي سكان الوطن العربي البالغ في العام المذكور /286.4/ مليون نسمة ، وعليه فإن معدل الإعالة نحو (3-4) أفراد بالمتوسط أي كل فرد يعيل إضافة لنفسه (3-4) أفراد آخرين من خارج قوة العمل ويصل عدد الأطفال في سوق العمل العربي نحو عشرة ملايين طفل عربي في عام 2000 وهؤلاء ضمن الفئة العمرية (6-14) سنة من العمر .

 

ولقد عمت مشكلة عمل الأطفال السائدة في الدول النامية لتظهر في بعض البلدان الصناعية ولاسيما في كثير من دول آسيا وبلدان أوروبا الشرقية التي تمر بمرحلة الانتقال إلى اقتصاد السوق .

 

وإن ضرراً كبيراً يصيب الطفل نتيجة عمله ، وأول هذا الضرر افتقاره للتعليم وإن عمل الطفل يعني مستقبلاً له يضيع، إضافة إلى الآثار الخطيرة على صحته ونموه والأمثلة كثيرة على أنواع الأمراض التي يتعرض لها الأطفال العاملون حسب بيئة العمل وحسب موقع العمل وموقع البلد .

 

ويمكن أن ترتبط المخاطر على السلامة والصحة في بيئة العمل بطبيعة العمل فتعرضهم لمواد وعناصر خطرة أو تعرضهم لظروف عمل سيئة وكثيراً ما نجد المخاطر الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية والنفسية مجتمعة في مكان العمل ، وكثيراً أيضاً ما تكون أيضاً الآثار السلبية تراكمية وتتضاعف لتضافر العناصر وليس من السهل عزل مصدر أو سبب واحد لخطر مهني ما . ومن الطبيعي أن تكون هذه المخاطر أشد تأثيراً على الأطفال وعلى نموهم البدني والذهني والنفسي بسبب سماتهم التشريحية والفيزيولوجية والنفسية .

 

الأمر الذي يتطلب من كل بلد لديه عمالة أطفال أن يصمم سياسة وطنية ترمي إلى الإلغاء الفعلي لعمل الأطفال مركزة على أكثر الأطفال معاناة وعلى أشكال عمل الأطفال التي لا تطاق .

 

4 أسباب عمل الأطفال :

 

باختصار شديد يمكن أن ندرج فيما يلي أهم أسباب عمل الأطفال :

 

يعتبر الفقر من أهم الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لعمل الأطفال حيث يسهم الأطفال عادة بنسبة تتراوح ما بين 20% و 25% من دخل الأسرة الفقيرة التي تنفق الجانب الأكبر من دخلها على الغذاء ، وهكذا فإن الدخل الذي يجلبه الأطفال يعتبر حاسماً لبقاء هذه الأسرة . والدول تتفاوت في معالجة هذه الظاهرة بالرغم من تماثلها في مستويات الفقر .

 

ومن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لعمل الأطفال عملهم في المهن الخطرة والذي يسود في الأسر التي لا يتيح لها انخفاض دخلها سوى هامش ضئيل لمواجهة إصابة أو مرض أحد أفراد الأسرة أو تعرضها لمحنة ما أو لمواجهة التمزقات الاجتماعية كالطلاق ومعاناة من الديون حيث يصبح عمل الأطفال سدداً لديون الأسرة .

 

ومن الأسباب الاقتصادية لعمل الأطفال يعود إلى الحرص على خفض التكلفة عن طريق الأجور المتدنية والتي تعتبر من أهم أسباب عمل الأطفال وذلك بالاعتماد على حجج واهية زائفة كحجة " الأنامل الرقيقة " ويكون استغلالهم في صناعات خطرة كصناعة كل من السجاد والزجاج واستخراج الحجر الجيري ورقائق الفسيفساء وصناعة الأقفال وصقل الأحجار الكريمة والماس .

 

ومن أسباب عمل الأطفال ما هو اجتماعي كما هو في بعض المناطق أو بين بعض الأسر كتقاليد وذلك في متابعة الأطفال لخطى آبائهم .

 

وهناك أسباب أخرى غير اقتصادية لعمل الأطفال حيث يمكن تقسيم هذه الأسباب غير المالية إلى ثلاثة : أولها أن الأطفال أقل وعياً بحقوقهم وأنهم أقل إثارة للمتاعب ، وثانيها استعدادهم لتلبية الأوامر وأداء العمل الرتيب دون شكوى ، وثالثها هي أنهم أكثر مدعاة للثقة وأقل احتمالاً للسرقة والتغيب عن العمل ولضعف نسبة غياب الأطفال وهو أمر ذو قيمة خاصة لدى أصحاب العمل في الأعمال التي تمارس في القطاع غير المنظم حيث يجري استخدام العمال على أساس يومي عارض . وفي كل يوم توجد دفعة جديدة من العمال.

 

ومن أسباب عمل الأطفال في بعض الدول ما يتعلق بالأوضاع القانونية فيها حيث أن القوانين والأنظمة النافذة التي تحرم عمل الأطفال غير كافية أو أن هذا الضعف في الرقابة الحكومية والشعبية وغياب الوعي بمظاهر هذه المشكلة.

 

ويمكن أن ندرج أيضاً أسباباً أخرى غير مباشرة لاستغلال عمل الأطفال في ظل عصر العولمة التي نتجت بسبب المتغيرات الإقليمية والدولية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بالعالم فأدت إلى آثار سلبية زادت معه البطالة واتسع نطاق الفقر مما أدى معه بالتالي زيادة انتشار ظاهرة عمل الأطفال وهذه الأسباب باختصار شديد :

 

1 تطبيق برامج التثبيت والتكييف الهيكلي بالنسبة للدول التي تبنت برامج الإصلاح الاقتصادي بناء على ما فرضته المؤسسات المالية الدولية ( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ) .

 

2 تراجع دور الدولة الرقابي والاقتصادي المباشر في ظل العولمة بهدف تقليص العجز في الموازنة العامة للدولة مما أدى إلى تقليص الإنفاق العام على الخدمات العامة إلى جانب إلغاء الدعم والضغط على الأجور .

 

3 ضعف شبكات الحماية الاجتماعية كحماية مؤسسية أو عدم وجود مثل هذه الشبكات أحياناً حيث تنظر إليها بعض الدول من منظور الرعاية الاجتماعية والعمل الخيري العام والتكامل الاجتماعي والأسري . وبالتالي لم يتحول نظام الحماية الاجتماعية إلى نظام حقوق وواجبات تفرضها المواطنة .

 

وحتى في بعض الدول العربية التي وضعت أنظمة للضمان الاجتماعي . كانت هذه الأنظمة محدودة المستويات التأمينية التي تشملها ومحدودة الشمول والتأثير فلم تشمل مثلاً العاملون في الزراعة والصيد والعاملون في المنشآت الصغيرة والعاملون لحسابهم الخاص والبحارة وخدم المنازل والعمال الموسميون والمؤقتون والعاملون بصورة عامة في القطاع غير المنظم ، كل هذا يؤدي إلى زيادة الحاجة والحرمان بالنسبة لفئات واسعة من العاملين بأجر والعاطلين عن العمل .

 

كل هذا يقودنا إلى اتخاذ إجراءات لمهاجمة جميع أشكال عمل الأطفال في وقت واحد وهذا يحتاج إلى مؤسسات وأموال وهو غير متوفر دائماً ، لذلك لابد من وضع خطة أولويات لهذه المواجهة لتبدأ بالتركيز على أشد أشكال عمل الأطفال الأكثر إثارة للنفوذ الاجتماعي التي لا تطاق مثل العبودية وعبودية الدين وبغاء الفتيات . لذلك فإن التصدي لها يمكن أن يساعد في المحافظة على الالتزام والتوافق الاجتماعي اللازمين.

 

والأولوية الثانية لخطة التصدي للمشكلة هو التصدي لعمل الأطفال العاملين والمخاطر التي يواجهونها ، وهذا يتطلب إجراء استقصاء لوضع عمل الأطفال في كل بلد لإعطاء الأولوية للأطفال الذين يمثل عملهم خطراً على حياتهم أو على نموهم البدني والذهني والاجتماعي .

 

ومن أجل تحديد الخطر فلابد من وضع معايير لقياسه حيث من المفيد البدء بوضع قوائم بالصناعات والمهن وظروف العمل التي يعرف أنها تعرض الأطفال للخطر ولكن ليس من السهل أن يقرر ما إذا كان نوع ما من العمل أكثر إضراراً بالأطفال من غيره ، وكيف يمكن للمرء أن يرتب الآثار الضارة المختلفة الأنواع ، والإجابة ليست سهلة أو عامة وهي تخضع في كثير من الأحيان إلى تقدير ذاتي وليس لها حل تقني خالص ويجب أن تحل بالاتفاق لا بصيغة موحدة والتي أضحت ممارسة . والمهم هو اتخاذ قرارات ملموسة وعملية عن أي مشاكل عمل الأطفال يتطلب الاهتمام العاجل .

 

5 مواجهة مشكلة عمل الأطفال :

 

من أجل مواجهة مشكلة عمل الأطفال . فإنه لابد من اتخاذ نوعين من الإجراءات إجراءات وقائية وإجراءات علاجية تقع على عاتق أطراف الإنتاج الثلاث حكومات ، ومنظمات أصحاب عمل ، ومنظمات عمال . بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني .

 

أما الإجراءات الوقائية فيمكن أن نشير إليها باختصار ما يلي :

 

 تصديق الاتفاقيات والصكوك الدولية والإقليمية التي تمنع عمل الأطفال وإدخال نصوص هذه الصكوك ضمن التشريع الوطني لكل دولة بهدف حسم موضوع تنازع القوانين من حيث الزمان ، وتسهيل تطبيق هذه النصوص من قبل السلطة التنفيذية ومراقبة هذا التطبيق من السلطة القضائية . ومن أجل الاستجابة للالتزام الوارد فيها والمطلوب من الدول وذلك لجعله جزءاً لا يتجزأ من التشريع الوطني.

 

ومن هذه النصوص الدولية والتشريعات الوطنية حظر عمل الأطفال دون سن معينة في كل قطاعات النشاط الاقتصادي ، في الصناعة وفي البحر وفي الزراعة وفي الأعمال غير الصناعية وفي صيد الأسماك وبالعمل تحت سطح الأرض والعمل ليلاً .

 

والمبدأ المعتمد بالنسبة لمنع عمل الأطفال ، هو ربط الحد الأدنى للسن المؤهلة للعمل بانتهاء مرحلة التردد على المدارس ( والتي لا تقل عادة عن 15 سنة ) مع بعض الاستثناءات البسيطة لبعض الأشغال الخفيفة وبشروط يجب تحديدها قانونا الأعمال الزراعية الخفيفة مثل العمل في الحدائق ، وضع الأسعار على السلع ، فرز المواد الخفيفة، توريد الصحف . . . مع الإشارة إلى ضرورة زيادة الحد الأدنى للسن بالتدريج حسب نوع العمل بشكل يتسق مع اكتمال النمو البدني والذهني للأحداث .

 

 ومن الوسائل الهامة لحظر عمل الأطفال التي نصت عليه الاتفاقية الدولية رقم 138 لعام 1973 والقوانين الوطنية هو حظر عمل الأطفال في الأنشطة الخطرة التي تؤثر على حياة الأحداث أو نموهم أو صحتهم البدنية والذهنية أي التي يحتمل أن تكون خطرة على السلامة أو الصحة أو الأخلاق وذلك بجعل الحد الأدنى لسن الاستخدام أو العمل هو /18/ سنة والتي يحتمل أن تعرض للخطر صحة الأحداث أو سلامتهم أو أخلاقهم بسبب طبيعته أو لسبب الظروف التي يؤدى فيها . والتشريع الوطني هو الذي يحدد الأعمال الخطرة مسترشداً بالقانون الدولي كما يحدد وسائل العلاج والعقوبات لوضع حد أدنى فوري للممارسات المخالفة ولتعويض ضحاياها .

 

ومن أجل توضيح ماهية الأنشطة الخطرة فإننا نورد على سبيل المثال لا الحصر بعضها حيث يمكن أن تكون الأخطار واضحة ومباشرة كالمخاطر المرتبطة بأعمال البناء أو بالعمل في مصانع الزجاج ، وقد تكون مخاطر غير مرئية ولا تظهر إلا بعد فترة تعرض طويلة ، كما هي الحال بالنسبة للأطفال العاملين في الحانات أو الأماكن الترفيهية حيث يختلط العمل بالبغاء . وهكذا نجد أن الأخطار متنوعة وكثيرة ومصادرها متنوعة وهي تختلف من قطاع إلى آخر أو من صناعة أو مهنة إلى أخرى ، كما أن رصد قائمة المهن والصناعات الخطرة وإعادة النظر فيها في ضوء التكنولوجيات والعمليات الجديدة والتطور الصناعي وتحديد المخاطر والأخطار المرتبطة بالعمل .

 

ومن وسائل خطر عمل الأطفال التي نصت عليه الاتفاقيات الدولية والعربية والدساتير والتشريعات الوطنية هو تحريم العمل الجبري أو الإلزامي وهو من الحقوق الأساسية للإنسان حيث لا يجوز الإبقاء على شخص في العبودية أو في الرق ولا يطلب من أي شخص إيراد عمل أو تقديم خدمات دون رضاه الكامل و/أو دون رضاه تعويض عادل .

 

وبمعنى آخر إن لكل شخص الحق في حرية العمل ، وإن العمل اللاإرادي محظور وإن العمل واجب على كل مواطن ولكن غير المسموح به إجبار أحد بصورة غير شرعية على مهنة محددة .

 

وعلى هذه المعاني أتت عليه اتفاقية العمل الدولية رقم /29/ لعام 1930 ، مع استثناء الخدمة العسكرية ، أو الالتزامات المدنية العادية أو أي أعمال تقتضي نتيجة حبسه بحكم محكمة أو في حالات الطوارئ .

 

ويشمل مفهوم العمل الجبري أو الإلزامي نظام استرقاق العمل أي العمل مقابل الدين. ولقد نصت قوانين بعض الدول خدمة على هذا النوع من العمل الجبري . كالباكستان والهند مثلاً حيث نصت على تحرير كل عامل مسترق أو إعفائه من أي التزام بأداء العمل مقابل الدين .

 

وهناك نوع من أنواع العمل الجبري أو الإلزامي ويعتبر من جرائم العنف ضد الأطفال يجب أن تعاقب باعتبارها جرائم وأن تهاجم كما تهاجم أخطر الجرائم ، ولكن هذا النوع أخذ ينتشر في عدد من البلدان والبيئات وتعتبر شكلاً من أشكال الاستغلال الاقتصادي شبيه بالعبودية حيث أنها تعتبر من أشكال عمل الأطفال المتطرفة ، ألا هي بغاء الأطفال وإشراكهم في الأعمال الإباحية والاتجار بهم أي استغلالهم تجارياً واستخدام وسائل جديدة وتقنية في نشر هذه الجريمة كاستخدام الإنترنت .

 

والمشكلة معقدة وخطيرة حيث أن بعض أشكال الاعتداء على الأطفال ليس لها بعد اقتصادي أو تجاري واضح أو مباشر باستغلال الصلة القوية بين عشق الأطفال أو التعدي عليهم جنسياً أو استخدامهم للتحريض على هذه الرذائل من أجل الكسب التجاري ، الأمر الذي يتطلب تنسيقاً وطنياً ودولياً للتدابير القانونية التي تتجاوز كثيراً نطاق تشريع العمل بالاعتماد على الأثر القمعي الرادع للقانون الجنائي الذي يعاقب على جرائم تعرض الأطفال للبغاء والسياحة الجنسية وبيع الأطفال والاتجار فيهم وإشراكهم في الأعمال الإباحية 

 

وتعتبر اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 والاتفاقية رقم 182 والتوصية رقم /190/ لعام 1999 بشأن خطر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها مصدراً أخراً للقوانين التي تتصدى لهذا النوع من الأعمال والجرائم  

 

ومن الوسائل لمكافحة هذا النوع من الجرائم إضافة إلى القوانين الجنائية القوانين واللوائح الجمركية التي كثيراً ما تحظر دخول المواد الإباحية إلى البلاد ، كذلك جهود المنظمة الدولية للشرطة الجنائية ( الإنتربول ) كحلقة اتصال لتبادل المعلومات ولتنبيه السلطات الوطنية إلى تحركات المجرمين .

 

هذا وقد انضمت إلى هذه الجهود مبادرات القطاع الخاص حيث نظمت حملات إعلامية من خلال تأسيس روابط دولية مثل الاتحاد العالمي لروابط وكالات السفر والاتحاد العالمي للفنادق والمنظمة العالمية للسياحة وتشمل هذه الجهود مبادرة الاتحاد العالمي لروابط وكالات السفر عام 1994 لوضع واعتماد ميثاق لمنع عمل الأطفال ووكلاء السفر وبمقتضى هذا الميثاق يتعهد وكلاء السفر الموقعون بمكافحة بغاء الأطفال المتصل بالسياحة الجنسية ، وقد وقعت هذا الميثاق حتى الآن /62/ وكالة سفر .

 

ومن الإجراءات الوقائية الهامة لمواجهة مشكلة عمل الأطفال رعاية الوالدين ومسؤولياتهما المشتركة في تربية الطفل ونموه وتنشئته تنشئةً صالحة في بيئة من العطف والحنان والرعاية ، وأن تتولى الدولة دعم الأسرة وأن تكفل تطوير مؤسسات ومرافق وخدمات رعاية الأطفال .

 

وإحدى الوسائل الفعالة للقضاء على عمل الأطفال عملياً ، تطبيق التعليم الإلزامي والمجاني على الأطفال في المرحلة الابتدائية لكي لا يكون أمامهم سوى الالتحاق بالمدارس وإغلاق فرص العمل في وجوههم أو الوقوع في شراك التسول أو الجنوح أو غير ذلك من الأعمال غير الملائمة وبالتالي ضمان عدم تقويض تعليمهم ونموهم . مع ملاحظة أن هناك ترابط بين قوانين التعليم الإلزامي وقوانين الحد الأدنى للسن حيث تنفيذ الأولى يسهم في تنفيذ الأخرى ، ولهذا السبب نجد الاتفاقية الدولية رقم 138 لعام 1973 تربط بين الحد الأدنى لسن القبول في الاستخدام بسن استكمال التعليم الإلزامي .

 

وتضع القوانين على عاتق الوالدين الالتزام بإرسال أطفالهم إلى المدرسة . وبهذه المناسبة فإن تطبيق قوانين التعليم الإلزامي والمجاني تبقى بلا مغزى . إذا لم تكن المدارس متوفرة مع تذليل لسائر الصعوبات العملية .

 

لقد تحدثنا آنفاً عن الإجراءات الوقائية لمواجهة مشكلة عمل الأطفال والآن سنتناول الإجراءات العلاجية لمواجهة هذه المشكلة وطنياً والتي يمكن أن تندرج تحت اسم " كيفية السهر على تطبيق القوانين والأنظمة التي تنص على منع عمل الأطفال بأشكاله المختلفة وذلك عند خرقها ومخالفتها من أي جهة كانت والتي يمكن أن نوجز أهمها بما يلي :

 

1- تفتيش العمل : تحتوي معظم القوانين الوطنية نصوصاً تتضمن تدابير حكومية محددة تقوم بها جهاتٍ مختصة لتسهيل إنفاذ النصوص التي تحرم عمل الأطفال وتفرض على صاحب العمل مسك سجلات أو وثائق مماثلة بالنسبة لكل العمال لمختلف الأعمار والاحتفاظ بها في مواقع العمل، وبالنسبة لبعض الدول يقوم صاحب العمل أيضاً بإبلاغ الجهة الرسمية المختلفة بأسماء العمال الأحداث الذين التحقوا بالعمل. وتتحمل الحكومة المسؤولية لمراقبة إنفاذ التشريعات من خلال نظام تفتيش العمل تخول المفتشين فيما تخولهم مسؤولية واسعة وتمنحهم قدراً من التقدير في تقرير ما إذا كانت شروط استخدام الأطفال قد استوفيت أم لا وبذلك تمنحهم سلطة تنسيبية تقديرية وبالتالي يعرض صاحب العمل للمسائلة والمسؤولية.

وبالنسبة لبعض الدول ، فإن القوانين أو اللوائح تطالب مفتشي العمل بتقديم المعلومات والمشورة التقنية لأصحاب العمل والعمال بشأن أكثر وسائل الالتزام بالقانون فعالية .

 

كما أن بعض القوانين بالنسبة لعدد من الدول تجعل الآباء أو الأوصياء القانونيين مسؤولين صراحة عن الانتهاكات المتعلقة بظروف العمل المحظورة .

 

إلا أنه لا بد من الإشارة إلى عدم كفاية تفتيش العمل في معظم البلدان وخاصة البلدان التي تواجه أسوأ مشكلات عمل الأطفال ، كما أن من أسباب عدم الكفاية أيضاً انشغال المفتشين بمراقبة تطبيق بقية أحكام التشريعات الاجتماعية ، علماً بأن الأصل في وظيفة التفتيش هو لمعالجة عمل الأطفال .

 

2- وضع سياسات وبرامج عمل وطنية لمكافحة عمل الأطفال ، والتي تقوم على تحليل البيانات التي جمعت حول هذه الظاهرة وإعداد البحوث ، وتحديد المهن ذات الأولوية ، وزيادة وعي الجمهور وحشد الدعم وتحسين الخدمات التعليمية والاجتماعية والصحية لصالح العائلات الفقيرة وأطفالها ، وتطوير القدرة المؤسسية بالتعاون مع الهيئات والمنظمات ذات العلاقة ولاسيما منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال على أن لا تتخذ الإجراءات لمكافحة عمل الأطفال على أنها ممارسة بيروقراطية أو تكنوقراطية . لأن عمل الأطفال يمس الحياة والرفاهية والرخاء وبقاء ملايين عديدة من الأسر والمجتمعات المحلية .

 

3- تعزيز القدرة المؤسسية داخل الحكومة من تحديد الأولويات وتعزيز وتنسيق الأنشطة بين الوزارات وسائر الجهات الحكومية المختصة وتشجيع مشاركة القطاع الخاص على المشاركة بمكافحة عمل الأطفال باتخاذ تدابير تكمل تدابير القطاع العام وتعزيز قدرة منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال أيضاً في خطر عمل الأطفال .

 

4-  تحسين التشريعات وتطبيقها : من المستحسن إجراء مراجعة للتشريعات الوطنية التي تحظر عمل الأطفال بهدف تطويرها وصياغة القواعد لتسهيل تنفيذها ، على أن تدَّعم إدارة تفتيش بالإمكانيات البشرية والمادية لتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها .

 

5- الاهتمام بالتعليم ودعمه : يعتبر التعليم الجيد الذي يلبي احتياجات الأطفال وأسرهم ويتلاءم معها الأداة الأكثر فعالية من أجل القضاء على عمل الأطفال من شأنه تحويل اهتمامهم للدراسة وابتعادهم عن العمل الكلي ، ويجعلهم أكثر وعياً بحقوقهم ، وأقل استعداداً لقبول ظروف عمل محفوفة بالمخاطر .

 

6- الدعم الاقتصادي : يعتبر وسيلة فعّالة في الحد من عمل الأطفال حيث أن إقامة المشاريع الاقتصادية المولدة لفرص العمل من شأنها زيادة معدلات النمو الاقتصادي والثروة مما ينعكس إيجابياً على تحسين معيشة الأسر وزيادة دخل الأفراد ودعم التعليم وتحسين مستواه .

 

7- الاهتمام بإعادة التأهيل حيث يجب أن تصاحب سحب الأطفال من دائرة العمل تدابير داعمة ولاسيما بالنسبة للعمال الذين كانوا يعملون في أعمال خطرة أو أعمال إباحية منفرة ، فيحتاجون إلى مجموعة من الخدمات المهنية من قبل الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين كما يحتاجون إلى تدريب وتوجيه وتأهيل خاصة ، ولمّ شمل الأسر وإن كانت تكاليفها مرتفعة جداً .

 

8- التأكيد على أهمية التعاون الدولي : بالنظر لاستغلال عمل الأطفال وانتشاره وتوسع أشكاله فإنه من المهم جداً أن تتعاون السلطات الوطنية مع المنظمات الدولية المختصة سواء التابعة لهيئة الأمم المتحدة كمنظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة ( اليونيسيف ) ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أو المنظمات الدولية غير الحكومية أو المنظمات الحكومية الدولية الإقليمية كلجنة وزراء مجلس أوروبا فيما يتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال والبالغين الشباب وتشغيلهم في الأعمال الإباحية والدعارة والاتجار بهم

 

6- خاتمة واستنتاجات وتوصيات :

 

وأخيراً نريد أن نجمل فنقول أن الطفل هو كنز الأمة ومستقبلها يمثل استمرار الحياة وتدفقها، لذلك يجب ألا نحمله فوق طاقته، إلا أن ظروف الحياة القاسية والمتغيرات التي مرت بالعالم انعكست فيما انعكست على الطفل استغلالاً في ظروف وشروط عمل قاسية وأعمال محرمة، لذلك فقد تصدى المجتمع الدولي لهذه الظاهرة ووضع اتفاقيات وتوصيات واقتراح إجراءات لمنعها والحد من آثارها وشجع على عقد لقاءات ومؤتمرات وطنية وإقليمية ودولية لفضحها واقتراح حلول لها لكونها مشكلة كبيرة ومعقدة وذات آثار سلبية معقدة ومتنوعة على الأطفال تشمل البلدان النامية، وامتدت حتى إلى كثير من البلاد الصناعية.

 

لذلك فقد ظهر تيار عالمي ضد عمل الأطفال ، اهتم بهذه الظاهرة وأحدث تغيرات ملحوظة في المواقف والمفاهيم على الصعيدين الوطني والدولي مما زاد معه عدد المؤسسات والهيئات التي نشطت في مجال عمل الأطفال ويأتي على رأس هذه الهيئات منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسيف .

 

ومما يزيد مشكلة عمل الأطفال تعقيداً وصعوبة رصدها واستقصائها بسبب اختلاف المفاهيم حول من هو الطفل وتحديد ما هو عمل الطفل ووفق استقصاءات منظمة العمل الدولية في نحو مائة من بلدان العالم تبين لها بأن هناك نحو /73/ مليون من الأطفال العاملين من الفئة العمرية  10 إلى 14 سنة وأن هناك نحو /120/ مليون طفل على الأقل يعملون وقتاً كاملاً من الأعمار    5 -14 سنة وأكثر من /240/ مليون يعملون كنشاط ثانوي . وإن عدداً كبيراً من الأطفال ذكوراً وإناثاً يعملون دون العاشرة في شتى أنحاء العالم .

 

إزاء هذه المشكلة وآثارها الضارة المتعددة على المجتمعات فإن الأمر يتطلب من كل بلد تصميم سياسة وطنية ترمي إلى الإلغاء الفعلي لعمل الأطفال مركّزة على أكثر الأطفال معاناة وعلى أشكال عمل الأطفال التي لا تطاق .

 

ومن أهم أسباب عمل الأطفال الفقر وتقاليد الأسر بالمهن وانخفاض الدخل لمجابهة طارئ والتمزقات الاجتماعية وتراكم الديون وحرص بعض أصحاب العمل على خفض كلف الإنتاج بالاعتماد على حجج واهية .

 

ومن أسباب عمل الأطفال غير الاقتصادية هي كونهم أقل وعياً بحقوقهم وأقل إثارة للمتاعب وأكثر استعداداً لتلبية الأوامر وأداء العمل الرتيب وهم أكثر مدعاة للثقة وأقل احتمالاً للسرقة والتغيب عن العمل .

 

كل هذا يقودنا إلى اتخاذ إجراءات لمهاجمة جميع أشكال عمل الأطفال ورصد الأموال واستنفار عمل المؤسسات المعنية لمكافحة هذه الظاهرة وإجراء استقصاء لوضع عملهم في كل بلد لإعطاء الأولوية في التصدي لعمل الأطفال الذي يشكل خطراً على حياتهم أو على نموهم البدني والذهني والاجتماعي والبدء بتصنيف هذه الأعمال وفق معايير معتمدة لقياسه .

 

ومن أجل مواجهة مشكلة عمل الأطفال فإنه لابد من اتخاذ نوعين من الإجراءات إجراءات وقائية وإجراءات علاجية تقع على عاتق أطراف الإنتاج الثلاث ، حكومات ومنظمات أصحاب عمل ومنظمات عمال بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني .

 

ومن الإجراءات الوقائية تصديق الاتفاقيات والصكوك الدولية والإقليمية وإدخالها ضمن التشريعات الوطنية والتي منها حظر عمل الأطفال دون سن معينة وتحريم العمل الجبري وحظر عمل الأطفال في الأنشطة الخطرة وتحريم بغاء الأطفال وإشراكهم في الأعمال الإباحية والاتجار بهم . ومن الإجراءات الوقائية سن القوانين الجنائية التي تعاقب هذا النوع من الجرائم ، وكذلك القوانين واللوائح الجمركية التي تحظر دخول المواد الإباحية وجهود المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الأنتربول) كحلقة اتصال لتبادل المعلومات ولتنبيه السلطات الوطنية إلى تحركات المجرمين .

 

وكذلك مبادرات القطاع الخاص من خلال تأمين روابط دولية لمكافحة عمل الأطفال وتنظيم حملات إعلامية لمكافحة عمل الأطفال . كما أنه من الأهمية بمكان رعاية الوالدين والأسرة للطفل لتنشئته تنشئة صالحة في بيئة من العطف والحنان وأن تتولى الدولة دعم الأسرة . كذلك تطبيق التعليم الإلزامي والمجاني في المرحلة الابتدائية .

 

ومن الإجراءات العلاجية لمواجهة مشكلة عمل الأطفال قيام الجهات الحكومية المختصة بجولات تفتيشية على منشآت ومراكز العمل للتأكد من إنفاذ النصوص التي تحرم عمل الأطفال ووضع سياسات وبرامج عمل وطنية لمكافحة عمل الأطفال وتعزيز القدرة المؤسسية داخل الحكومة وتحسين التشريعات وتطبيقها والاهتمام بالتعليم ودعمه وإقامة المشاريع الاقتصادية المولدة لفرص العمل بما ينعكس تحسيناً في معيشة الأسر وزيادة دخل الأفراد والاهتمام بإعادة التأهيل لمساعدة الأطفال الذين كانوا يعملون في أعمال خطرة أو أعمال منفردة . مع التأكيد على أهمية تعاون السلطات الوطنية مع المنظمات الدولية المختصة في مكافحة عمل الأطفال بالنظر لاستفحال هذه الظاهرة وانتشارها .

 

توصيات مقترحة :

 

من خلال استعراض مشكلة عمالة الأطفال وتحديد طبيعتها وبيان أسبابها والتطرق لسبل مواجهتها يمكن أن نقترح بعض التوصيات التي يمكن أن تكون بمثابة بعض حلول مقترحة لهذه الظاهرة ببضعة توصيات صادرة عن المؤتمر قابلة للنقاش والحوار والإغناء وهي كما يلي :

 

  • مباشرة دول العالم ولا سيما الدول العربية التي لم تصدق على اتفاقية الطفل لعام 1989 باعتمادها ، لكون هذه الاتفاقية قد سدت الثغرات في الصكوك القانونية الدولية الحالية التي تتناول الأطفال وحقوقهم إضافة إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 بتحديد الحد الأدنى للسن والاتفاقيتين الأولى رقم /29/ لعام 1930 والثانية رقم /105/ لعام 1957 بإلغاء العمل الجبري .
  • اعتماد الدول العربية برنامج عمل زمني اجتماعي في إطار خطط ومنظورات زمنية للتنمية يتماشى مع معدلات النمو السريعة التي حققتها الخطط الاقتصادية.
  • وضع سياسة وطنية لكل قطر عربي تتضمن إجراءات فعّالة عاجلة تعطي الأولوية في المقام الأول للقضاء على أسوأ أشكال العمل الإجباري بما فيها عمل الأطفال في مهن وصناعات خطرة والمنع الفوري لكل هذه الأشكال .
  • إعارة الأطفال والفتيات الصغار جداً الذين يبدؤون عملهم من السن السادسة من عمرهم ويتعرضون للاستغلال الاقتصادي وللمخاطر والإساءة الأكبر بسبب ضعفهم وخاصة في المناطق الريفية اهتماماً أكبر وأولوية في المتابعة.
  • توحيد الجهات الحكومية المتعددة ، المشرفة على مكافحة عمل الأطفال بهيئة وطنية واحدة ذات سلطة وولاية ومسؤولية ونفوذ كبير ودعم مادي مالي وعيني لمكافحة عمل الأطفال .
  • تنسيق جهود الجهات الحكومية المختصة بمكافحة عمل الأطفال في الدول العربية لأنه يمثل ضرورة أخلاقية واجتماعية وسياسية واقتصادية للبشرية.
  • دعوة الإعلام العربي بوسائله المختلفة لنشر الوعي للحد من ظاهرة عمل الأطفال في الوطن العربي وفق خطة مدروسة .
  • دعوة المنظمات الدولية بتقديم المساعدات والإمكانيات الفنية والمالية للهيئات العربية المختصة بمكافحة عمل الأطفال بهدف دعمها .
  • دعوة جميع الهيئات والمنظمات العربية والدولية والإنسانية لرفع الحصار الجائر عن أطفال العراق ومساندة أطفال فلسطين في نضالهم العادل لمواجهة ظروف الاحتلال القاسية .
  • دعوة الحكومات العربية إلى تنمية المناطق الريفية وتشجيع الصناعات الريفية للحد من هجرة أهل الريف إلى المدن وما يستتبع ذلك من ازدياد ظاهرة عمل الأطفال في المدن .
  • دعوة الحكومات العربية إلى دعم أجهزة التفتيش وتطوير أساليبها وإعداد المفتشين والمفتشات المكلفين بتتبع ظاهرة عمل الأطفال والتأكد من تطبيق القوانين الخاصة بمنع عمل الأطفال .
  • دعوة الحكومات العربية للتعاون مع منظمات أصحاب الأعمال والنقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة للحد من ظاهرة عمل الأطفال.
  • دعوة الحكومات العربية لإنشاء مراكز للتأهيل والتدريب المهني للاهتمام بإعداد الأطفال من مرحلة التعليم الإلزامي المجاني للانخراط في سوق العمل بشكل ملائم .
  • الدعوة لإنشاء لجنة عربية تهدف للقضاء على ظاهرة عمل الأطفال في الأقطار العربية على أن تضم بالإضافة إلى مسؤولي الأجهزة المختصة فيها الأمانة العامة للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب والإدارة الإقليمية لكل من منظمة العمل الدولية واليونسيف اليونسكو والمجلس العربي للطفولة والتنمية ومراكز حقوق الإنسان والخبراء العرب .
  • الاهتمام بإجراء البحوث وإعداد الدراسات التي تهتم برصد ظاهرة عمل الأطفال ومتابعتها بهدف التصدي لها وتطويق انعكاساتها السلبية .
  • إعداد برامج لاستكمال تدريب العاملين في مجالات الطفولة المختلفة على أن تؤكد هذه البرامج على القيم الإنسانية وروح الانتماء وأسس الديمقراطية .
  • دعوة الجامعة العربية لوضع استراتيجية عربية متكاملة للتعامل مع الطفولة في الوطن العربي وللحد من ظاهرة عمل الأطفال بمعرفة ممثلي الحكومات العربية وخبراء مختصين على أن تتضمن أيضاً آليات للتأكد من تنفيذ هذه الاستراتيجية في البلاد العربية .
  • تشجيع تبادل الخبرات بين الأقطار العربية في مجال رعاية الطفولة وخاصة تلك التي تعمل على رفع مستوى كفاءة العاملين في مجالات الطفولة المختلفة بما فيها تلك التي تهتم بمكافحة ظاهرة عمل الأطفال.

بعض المراجـع:

 

1_ اتفاقية العمل الدولية رقم 138 لعام 1973 بشأن الحد الأدنى للسن .

2_ اتفاقية العمل الدولية رقم 29 لعام 1930 بشأن العمل الجبري .

3_ اتفاقية العمل الدولية رقم 105 لعام 1957 بشأن إلغاء العمل الجبري .

4_ اتفاقية العمل الدولية رقم 182 لعام  1999 بشأن خطر أسوأ أشكال عمل الأطفال والإجراءات الفورية للقضاء عليها .

5_ الندوة العلمية حول مواجهة آثار حرب الخليج المجلس العربي للطفولة والتنمية 

6_ ورشة العمل حول النقابات العمالية ودورها في مواجهة ظاهرة عمل الأطفال

      الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب .

7_ اتفاقيات العمل العربية منظمة العمل العربية 

8_ تقرير عن الاجتماع الإقليمي الإفريقي التاسع لمنظمة العمل الدولية  مكتب العمل الدولي

9_ عمل الأطفال                                                    منظمة العمل الدولية

10_ الإعلان العالمي لحقوق الطفل                                  منظمة الأمم المتحدة

11_ اتفاقية حقوق الطفل                                              هيئة الأمم المتحدة

12_ الإعلان العالمي لحقوق الطفل                                    هيئة الأمم المتحدة

13_ التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1999

14_ تقرير التنمية البشرية لعام 1999 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

15_ السياسات المطلوبة من أجل مواجهة ظاهرة عمل الطفولة        د. نبيل مرزوق

 

 

تصميم: منير إدعيبس