|
المبادئ
العامة لحقوق الطفل
وادماجها
في المناهج التربوية
اعداد
: الاستاذ غسان خليل
خبير
دولي في حقوق الطفل
لبنان
الجزء
الاول : المبادئ العامة لحقوق الطفل:
عام
1979 بدا فريق العمل الذي شكلته مفوضية
حقوق الانسان، العمل على وضع
اتفاقية دولية حول حقوق الطفل. وخلال
السنوات العشر التي استغرقها اعداد
الاتفاقية، تميز فريق العمل بمشاركة
المنظمات غير الحكومية التي لعبت
دورا بارزا، من خلال خبراتها
العملية، لتأتي اتفاقية حقوق الطفل
قريبة من الواقع وقابلة للتنفيذ .
وبالمقابل
، كانت للاطفال ايضا، ولو بشكل غير
مباشر، دور في النقاشات التي تمت
اثناء اعداد الاتفاقية، من خلال
اجتماعات دورية لهم اعدتها المنظمات
غير الحكومية في مختلف انحاء العالم
، لاستخراج ارائهم في المواد
المقترحة .
وفي
20 تشرين الثاني / نوفمبر من العام 1989،
اقرت الجمعية العامة لمنظمة الامم
المتحدة، بالاجماع، اتفاقية حقوق
الطفل التي اصبح عدد الدول التي
صادقت عليها 191دولة. وبهذا الاجماع
حول حقوق الطفل التي طالما انتهكها
الراشدون، اصبحت الاشكالية اكثر
تعقيدا، اذ اصبح الراشد في وقت واحد،
منتهكا ومطالبا ومدافعا عن حقوق
الطفل ، فيما الطفل متفرج ينتظر
الحلول ، لا حول ولا قوة .
الاتفاقية
تستهل موادها بتحديد الاشخاص
المعنيين بمضمونها، فتنص المادة
الاولى على ان الطفل هو كل انسان لم
يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، ما لم
يبلغ سن الرشد قبلا، بموجب القانون
المطبق عليه. هنا، تجدر الاشارة الى
ان التوصل الى تحديد دولي مشترك
لمرحلة الطفولة، كان يعتبر قبل
اصدار هذه الاتفاقية امرا غير ممكن
تحقيقه. لذا، يشكل مضمون هذه المادة،
أي المادة الاولى، انجازا دوليا
بالغ الاهمية، على الرغم مما تضمنته
من ضعف في جزئها الثاني ((ما لم يبلغ
سن الرشد قبلا، بموجب القانون
المطبق عليه)).
وبوجه
عام، تستند الاتفاقية الى اربعة
مبادئ اساسية تشكل فلسفتها العامة،
وهي ترد في متنها بشكل عفوي دون أي
اشارة الى انها مبادئ عامة او عناصر
رئيسية لحقوق الطفل. والفضل في
ابرازها كمبادئ اسياسية يعود الى
لجنة الامم المتحدة لحقوق الطفل
التي، وخلال انعقاد دورتها الاولى
في ايلول / سبتمبر - تشرين الاول /
اكتوبر 1991، درست المفهوم الحقيقي
لحقوق الطفل، فاعتبرت ان الاتفاقية
تتضمن حقوق الانسان للاطفال، وان
موادها تعكس المفهوم الحقيقي لهذه
الحقوق"1". وعندما وضعت اللجنة
المبادئ التوجيهية لكيفية اعداد
كتابة التقارير وتقسيمها، كي تسترشد
بها الحكومات المصادقة على
الاتفاقية والملزمة برفع تقارير عن
مدى التنفيذ وعن الخطوات المتخذة،
عملت هذه اللجنة على ابراز المبادئ
العامة التي اسندتها الى المواد 2،3،6و12
فجاءت كالتالي :
عدم
التمييز ( المادة 2) .
مصلحة
الطفل الفضلى ( المادة 3 )
حق
الطفل في البقاء والنماء ( المادة 6 )
حق
الطفل في المشاركة ( المادة 12 ).
تعليقا
على هذه المبادئ الاربعة، يمكن
القول بأن مصلحة الطفل الفضلى (المبدأ
الثاني) هي المحور الاساسي لهذه
المبادئ . فهي أي مصلحة الفضلى، لا
تتحقق الا من خلال الالتزام بمبدا
عدم التمييز وبحق الطفل في البقاء
والنماء والمشاركة. لذا، كان اجدر
بلجنة الامم المتحدة لحقوق الطفل ان
تعتمد مبدا "مصلحة الطفل الفضلى"
كفلسفة اساسية للاتفاقية وكهدف اكبر
ينبغي العمل على تحقيقه في كل الظروف
والاوضاع والحالات. وفي مطلق
الاحوال، لا تزال الحاجة ماسة الى
التعمق في مفهوم المصلحة الفضلى
للطفل، وفي كيفية إعمال وتحقيق هذا
المفهوم .
اما
محتوى الاتفاقية ، فيمكن تقسيمه الى
ثلاثة اجزاء :
الجزء
الاول : المواد من 1 الى 41
الجزء
الثاني : المواد من 42 الى 45
الجزء
الثالث : المواد من 46 الى 54
الجزء
الاول
يتضمن المواد المتعلقة بحقوق الطفل
وبالتدابير الواجب اتخاذها لاعمال
هذه الحقوق، وهي تشمل مختلف انواع
حقوق الانسان: المدنية والسياسية،
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هذه المواد لم تصنف حسب اهميتها، بل
هي تشكل مجتمعة، وحدة متكاملة من
الحقوق الدنيا لمستوى التعامل مع
الاطفل في كل دولة مصادقة على
الاتفاقية.
وقد
برزت حاجة عملية الى تصنيف مواد
الاتفاقية ضمن عناوين كبيرة، عندما
قررت لجنة حقوق الطفل اعداد مبادئ
توجيهية لتسترشد بها الدول الاطراف
عند كتابة التقارير الموجهة الى هذه
اللجنة، فتناولت عملية التصنيف
مجموعة المبادئ الاربعة الى جانب
مجموعة التدابير الواردة في الجزء
الاول من الاتفاقية، على اساس تكامل
المجموعتين معا، فجاء التصنيف على
الشكل التالي :
الاجراءات
العامة للتطبيق ( المواد 4،42،44 فقرة 6
) .
تعريف
الطفل ( المادة الاولى ) .
المبادئ
العامة ( المواد 2،3،6،12).
الحقوق
المدنية (11، 13، 15، 16، 17).
البيئة
الاسرية والرعاية البديلة ( المواد 4،5،9،10،11،18
فقرة 1-2، 19،20،21،25،27،39).
الصحة
الاساسية والرعاية ( المواد 6 فقرة 2،18
فقرة 3، 23،24،26،27 فقرة 1-3) .
التربية
والترويج والانشطة الثقافية (
المواد 28،29،31).
اجراءات
الحماية الخاصة وتتضمن :
الاطفال
اللاجئون ( المادة 32 ) .
النزاعات
المسلحة ( المادة 38 ).
قضاء
الاحداث والتجريد من الحرية ( المواد
37،39،40 ).
الاستغلال
( المواد 32،33،34،35،36،39 ).
الاقليات
والجماعات الاصلية ( المادة 30 ).
لجنة
الامم المتحدة لحقوق الطفل اعتبرت
ان هذا التقسيم هو عمل منطقي يفي
بالغرض، أي انه يمكن الدول الاطراف
من اعداد تقارير واضحة وذات منهجية
موحدة، مما يسهل للجنة فيما بعد،
دراسة هذه التقارير ورصد انتهاكات
حقوق الطفل ، وفقا للتصنيف المعتمد .
الجزء
الثاني
من الاتفاقية يشمل مواد متعلقة
بلجنة الامم المتحدة لحقوق الطفل ،
وبآلية رفع التقارير الى هذه اللجنة
من الدول المصادقة على الاتفاقية .
المادة
42 نصت على ان تتعهد الدول الاطراف
نشر مبادئ الاتفاقية واحكامها على
نطاق واسع ، وبالوسائل الملائمة
والفاعلة ، بين البالغين والاطفال
على حد سواء .
اما
المادة 43 فنصت في بندها الاول على
انشاء لجنة معنية بحقوق الطفل،
مهمتها دراسة نسبة كل التقدم تحقيقا
للالتزامات التي تعهدت بتنفيذها.
وفي المادة عينها، يرد تفصـيل
لطبيعة اللجنة واليات عملها
والوظائف التي تضطلع بها (من البند 2
الى البند 12).
اهم
ما ورد في هذه البنود؛ ان تتألف
اللجنة من عشرة خبراء(1)، من
ذوي المكانة الخلقية الرفيعة
والكفاءة المشهود لها في موضوع هذه
الاتفاقية؛ وان يجري الانتخاب الاول
لعضوية اللجنة(2) بعد ستة اشهر
كحد اقصى، من تاريخ نفاذ الاتفاقية،
وبعد ذلك مرة كل سنتين(3)؛ وان
ينتخب اعضاء اللجنة لمدة اربع
سنوات، مع جواز اعادة انتخابهم اذا
ما تم ترشيحهم لمرة جديدة ؛ وان تعقد
الاجتماعات العادية للجنة في مقر
الامم المتحدة(4) او في أي مكان
اخر مناسب تحدده اللجنة التي تجتمع
عادة مرة واحدة في السنة(5).
المادة
44 نصت على التزام الدول الاطراف
بتقديم تقارير دورية الى لجنة حقوق
الطفل في جنيف، عن التدابير التي
اعتمدتها لانفاذ الحقوق المعترف بها
في الاتفاقية، وعن التقدم المحرز في
التمتع الفعلي بتلك الحقوق .
وهذه
التقارير هي على نوعين : النوع
الاول ، ترفعه الدول التي صادقت
على الاتفاقية، ولمرة واحدة ، في
غضون سنتين من بدء نفاذ هذه
الاتفاقية .
النوع
الثاني:
هو ما ترفعه الدول الاطراف من تقارير
دورية، مرة كل خمس سنوات.
وتجدر
الاشارة الى ما نص عليه البند السادس
من المادة 44 الذي الزم الدول بان
تكون تقاريرها متاحة للجمهور ، على
نطاق واسع .
المادة
45 عنيت بدعم تنفيذ الاتفاقية على نحو
فاعل، وتشجيع التعاون الدولي من اجل
تنفيذ الاتفاقية على نحو افضل. ونص
البند (أ) من هذه المادة، على حق كل من
الوكالات المتخصصة، ومنظمة الامم
المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وغيرها
من اجهزة الامم المتحدة، في أن تكون
ممثلة لدى النظر في ما يدخل في نطاق
صلاحيتها من احكام هذه الاتفاقية.
كما نص البند عينه على حق اللجنة في
دعوة الوكالات المتخصصة ومنظمة
الامم المتحدة للطفولة وغيرها من
اجهزة اللامم المتحدة ، لتقديم
تقارير عن تنفيذ الاتفاقية في
المجالات التي تدخل في نطاق انشطتها.
وقد اعطت البنود (ب)،(ج)و(د) لجنة حقوق
الطفل صلاحيات اخرى ، لتسهيل عملها
وتيسير المهمات الموكلة اليها .
اما
الجزء الثالث من الاتفاقية ، فيشمل
مواد تتعلق بالاصول القانونية
والادارية للتوقيع والمصادقة
والتحفظ على الاتفاقية او الانسحاب
منها .
اذاً،
اتفاقية حقوق الطفل هي وثيقة دولية
تحدد معايير دنيا للحقوق المدنية
والسياسية، الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية للطفل .
اثنتان
واربعون دولة شاركت في مجموعة عمل
الامم المتحدة، التي استغرقت عشر
سنوات لانجاز مسودة الاتفاقية، وقد
تناولت في مضمونها الحقوق الثقافية،
الاخلاقية، العاطفية، الروحية
والجسدية للطفل، في مناخ يعطي
الاولوية لاحترام الطفل، ويؤكد حق
الاهل في تربية الاطفال وتوجيههم،
مع الاخذ بالاعتبار ان نمو قدرة
الأطفال على ممارسة حقوقهم يرافق
فعل نمو ادراكهم ووعيهم .
تلزم
الاتفاقية الدول الاطراف باتخاذ
التدابير المناسبة كافة، لضمان
تطبيق المبادئ المنصوص عليها،
وبمتابعة تنفيذ الموجبات ورفع
التقارير دوريا، الى لجنة الامم
المتحدة لحقوق الطفل، مع الافادة
حول التدابير المعتمدة والتقدم
المحرز، بهدف تحقيق ما نصت عليه
الاتفاقية .
لجنة
الامم المتحدة لحقوق الطفل كانت قد
رأت ان الدول الاطراف بحاجة ماسة الى
اعتماد تقنيات ومؤشرات خاصة لقياس
مدى تطبيق الاتفاقية، فاصدرت في شهر
تشرين الاول / اكتوبر 1996 مجموعة
مبادئ توجيهية حول كيفية اعداد
التقرير الثاني، الذي يجب ان ترفعه
الدول الاطراف الى اللجنة في السنة
الخامسة للانضمام الى الاتفاقية .
تضمنت
الوثيقة المبادئ التالية :
*
ان تتضمن تقارير الدول الاطراف،
معلومات كافية تتيح للجنة امكان
التعرف بدقة الى مدى وكيفية تطبيق
الاتفاقية .
*
ان يكون اعداد التقارير فرصة لاعادة
النظر بالقوانين المحلية والسياسات
المتبعة لتحويل حقوق الطفل الى واقع
فعلي .
*
ان تشجع وتسهل آليات اعداد التقارير
، المشاركة الشعبية والمتابعة
العامة للسياسات الحكومية المتعلقة
بالطفولة .
بالاضافة
الى هذه المبادئ الثلاثة، نصت
الوثيقة الصادرة عن لجنة حقوق الطفل
على ضرورة تضمين التقرير مجموعة
وافرة من المعلومات، لا سيما فيما
يتعلق بالصعوبات التي تواجه الدول
الاطراف اثناء التطبيق، وبالتدابير
المعتمدة لضمان ارساء نظام معلومات
احصائي حول مدى تامين او انتهاك حقوق
الاطفال، ومدى التعاون بين القطاعين
الرسمي والاهلي .
من
جهة اخرى، دعت لجنة حقوق الطفل
المجتمع الدولي، ولا سيما العاملين
في مجال الابحاث، لدعم الجهود
الرامية الى تفعيل آليات التحقق
القياسي من مدى تامين او انتهاك حقوق
الاطفال في المجتمع وبالفعل، فقد
استجابت لهذه الدعوة عدة مؤسسات
للابحاث اكدت ان استحداث مؤشرات
ملائمة هو الحل الانسب لتحديات ما
يسمى بالمتابعة.
تجدر
الاشارة هنا، الى ان عبارة "المتابعة"
(Monitoring)
هي عبارة مطاطة يختلف معناها
باختلاف المجموعات والمفاهيم، وهذا
ما تؤكده منظمة Childwatch
International Research Project (1)
التي ترى ان هذه العبارة لا تدل على
معنى دقيق ومحدد، اذ ليس لها تعريف
موحد، فحينا يفهم بالمتابعة تقصي
المعلومات الكمية، وحينا المعلومات
النوعية، وحينا اخر الاحصاءات
ومقاييس التحقق .
وعلى
الرغم من اختلال الاتجاهات في فهم
عبارة المتابعة، واختلاط معناها
بمعنى التحقق والتقييم احيانا،
فالجميع يتفق حول الحاجة الى اعتماد
الية محددة، بهدف استحداث مؤشرات
ودلالات فعلية تتلاءم مع المعايير
الثقافية والوطنية .
والتزاما
بوثيقة المبادئ التوجيهية الموجهة
الى الدول الاطراف، تضمنت التقارير
المرفوعة الى لجنة حقوق الطفل عددا
كبيرا من العقبات والعوائق، التي
تمنع حينا وتؤخر حينا اخر الدول
الاطراف عن تطبيق كامل الاتفاقية او
جزء منها ، وبالتالي تطبيق
التزاماتهم تجاه الاطفال .
وفي
الملاحظات الختامية(2) التي
تصدر عن لجنة الامم المتحدة لحقوق
الطفل حول اوضاع الاطفال في الدول
المصادقة، كانت اللجنة تشدد
باستمرار على ضرورة اعتماد آليات
دائمة للمتابعة من شأنها توفير نظام
فاعل لتطبيق الاتفاقية. لكن هذه
الملاحظات، كما تلك التي تضعها
اللجان الاخرى التابعة للامم
المتحدة، تبقى عامة وغير ملزمة، مما
يفسح في المجال امام بعض الدول لعدم
الاكتراث بها او اعارتها أي اهتمام .
واحدى
ابرز العقبات التي تذرعت بها الدول
الاطراف في عدم تطبيقها للاتفاقية،
هو التمسك بحرفية ما نصت عليه المادة
الرابعة، أي ان تلتزم الدول الاطراف
بتطبيق الاتفاقية "الى اقصى حدود
مواردها المتاحة " فكانت الدول
المتخلفة عن التطبيق تتذرع بانها
استنفذت الحدود القصوى لمواردها
المتاحة، وهذا ما لا يجوز الاخذ به
الا بعد ان تثبت تلك الدول انها بذلت
كل الجهود والمساعي، وذلك بالاستناد
الى ما اكده جايمس هايمز (James
Himes ) في
الدراسة التي اعدتها منظمة
اليونيسيف تحت عنوان "تطبيق
اتفاقية الامم المتحدة لحقوق الطفل :
تفعيل الموارد والتزامات الدول
الاطراف " .
ومن
جهة اخرى، وفي السياق عينه، فان
الدول تلتزم بمتابعة تطبيق
الاتفاقية وباعداد الخطط والبرامج،
وهي التزامات لا يمكن التنصل منها
بحجة " قلة الموارد" وفي جميع
الأحوال، لا تقتصر "الامكانات
المتاحة" على الحكومات والمؤسسات
الحكومية، انما تشمل ايضا الاسرة
والمجتمع المحلي والقطاع الخاص،
فالجدير بالاهمية هو احترام حقوق
الطفل أنى كانت المستويات والصعد.
|