|
التواصل بين المرأة العربية في المهجر والوطن الأم
احتفالية العطاء المتبادل
إعداد
منى لطيف غطاس
ترجمة عن الفرنسية
مي التلمساني
ذات صباح، صحوت من نومي لأكتب هذه القصيدة:
" المرأة أرض الأرض إمرأة
قالها كتاب كثيرون
وأنا أيضا
بشر ميالون للشر يجرحون
الأرض يجرحون المرأة
قالتها قصائد كثيرة
وقصائدي أيضا
لكن النساء الجريحات يشفين
والأرض أيضا "
منى لطيف هو اسم مولدي. بذكره أسّمى أصلي ومنشأي،
أنا ابنة الشرق. أقول إني إمرأة، منحها القدر أرضين، وظلت طيلة
حياتها تؤدي شرخا اسمه " المهجر ". انحدر من أرض عريقة، مصر، من
حضارات متراكبة، من تاريخ رائع، من شبكة من المشاعر لا نهاية
لأصدائها الشعرية. ولدت في القاهرة مدينة فاق عمرها الألف عام، يرى
المرء فيها بعينيه ويلمس بأنامله آثاراً عديدة خلفها التاريخ
وانعكست على مجتمع متعدد متنوع شأنه شأن التاريخ نفسه. في ظل هذه
الأرض عشت أعوامي التسعة عشرة الأولى من حياتي أتنفس عطر الفراعين
والسلاطين، الخديوية والمعدومين، المحتلين والثوار، أتنفس أيضا عبق
الثقافة الغربية من خلال دراستي بالمعاهد الفرنسية، أنصت في طفولتي
وصباي إلى ابتهالات المؤمنين إلى الله، الواحد، خالق العالمين
أجمعين، أسمع أصدائها تتردد عبر أجراس الكنائس وأعلى المآذن ، أسمع
دعاء المؤمنين يطلبون الصفح والرحمة من الله، والعدل السابغ على
آلام العالم. إن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى ثراء ثقافتي
الأصيلة والعطايا التي لا مثيل لها التي أسبغتها على أرضي الأم،
والمسؤولية الهائلة الواقعة على عاتقي للحفاظ على تراثي الأصلي
ونقله للآخرين. منذ سنة وثلاثين عاماً أقيم ، ضمن أقلية لها شأن
واحترام، على أرض جديدة شابة ورائعة، أرض سخية استقبلتني بلا أفكار
مسبقة وصارت تسكنني اليوم بفعل مرور الزمن، هي ارض الجليد والغابات
التي يطلق عليها اسم كندا. لكن، ليس ثمة ذاكرة للنسيان تشفيني من
جرح رحيلي عن أرضي الأم وأنا في التاسعة عشرة من عمري. فهذا جرح لا
يلتئم.
" المرأة أرض والأرض إمراة…"
…
ذابت كل منهما في الأخرى. كل منهما
–
على غرار الأخرى –
تمنح الحياة، تحمل، تحفظ، تحمي، تغذي. السمة الأولى للاغتراب عن
أرض المولد، أيا ما كان الدافع أو السبب، هي كونه يخلف دائما شرخا.
شرخ يتبعه حتما نأي عن الماضي تتركه المسافة. لكن الشرخ الذي ينشأ
عن الرحيل أثره فوري، فهو يزرع فينا أرضنا الأم بطريق الحفظ السريع
(Fast save)
كما يقال بلغة الكمبيوتر. يجب أن نحفظ أرضنا فينا، أن نحفظ كل شيء
. من الآن فصاعدا علينا أن ندرك شيفرة الأرض الجديدة ، أن نندمج في
حركة العالم الجديد الذي يستقبلنا، أن نتقدم ونجد لأنفسنا مكاناً
في ذلك المجتمع الذي صار مجتمعنا. على الرغم من ذلك، نحفظ كل شيء،
تظل أرضنا الأم بداخلنا لا تمس. عندئذ، في المسافة الجسدية
والزمنية التي تفصل بيننا وبينها، تتجه أبصارنا لمجتمعنا الأصلي
متسربة من خلال حياتنا اليومية الجديدة بالضرورة . تلك الحركة تولد
بيننا وبين أرضنا الأم علاقة جديدة، يمكنني أن أصفها بأنها علاقة "
ناضجة ". كما لو أن الأدوار قد انقلبت فجأة، كما لو أن الفتاة
الصغيرة التي كنتها بين ذراعي مصر، عليها اليوم أن تصبح الأم التي
تحتضن مصر بين ذراعيها.
يخالجني هذا الشعور بقوة تستعصي على الوصف من
الحادي عشر من سبتمبر الحالي. أضفت الفقرة التي أقرأها لكم الآن
إلى مداخلتي لأني إمرأة، ولأن النساء يجب أن يتواجدن كلية في كل
أمر يخص البشرية. ليست ثمة إمرأة في العالم ولا ثمة إنسان مؤمن
بوسعه أن يتجاهل مذابح الأبرياء أينما كانوا. أنا إمرأة عربية أعيش
على أرض القارة الأمريكية، في بلاد حر، ديمقراطي، متسامح، اسمه
كندا. سمعت أمريكا الجريحة تصرخ: " لقد تغير وجه العالم " كما أسمع
منذ سنوات صرخات أخرى تأتي من قارتي الأصلية ومن أركان الكرة
الأرضية الأربعة من أجل أن " يتغير العالم ". هكذا أشرع في الترنم
الصامت بقصيدتي، وأرسل بها على جناحي الزمن في احتفالية العطاء
المتبادل، يحدوني أمل واهن في خرق الدائرة المغلقة على نرجسية
البشر المخربة التي تولد ردود أفعال متطرفة. أقول للترويح عن
الأبرياء المكلومين في العالم الذين طالتهم يد الظلم.
" بشر ميالون للشر يجرحون
الأرض يجرحون المرأة
قالتها قصائد كثيرة
وقصائدي أيضا.
لكن النساء الجريحات يشفين
والأرض أيضا "
أعود لزيارة أرضي الأم بانتظام. أتجول على ضفة
النيل وأغوص في الرمال وأجوب شوارع القاهرة بضجيجها المعتاد وأتحدث
كثيرا عن مونتريال. أتمنى أن تأتي كندا كلها للاستمتاع بالآثار
القديمة قدم الدهر ولتملأ عينيها بألوان الشرق. تمنحني كل عودة إلى
أرضي الأم دفقة أوكسجين احتاجها لتستمر حياتي. وتخبئ لي كل عودة
جرعة من الدهشة بسبب فارق تطوراتنا المختلفة، بسبب كوننا لم نعد
عرضة لنفس التيارات. الإيقاع لم يعد واحدا واللغة أيضا تتطور،
الكلمات تكتسب أحيانا معنى مغايرا وتعطي الفرصة لسوء الفهم،
الحقائق السياسية لا نتأملها من نفس الزاوية ، فيحدث أحيانا أن
أخفق في التعرف على بعض أنماط السلوك في مجتمعي الأصلي، كما لو كنت
مسكونة بقوانين الماضي، كما لو كانت أرضي الداخلية قد سكنتني لحظة
رحيلي. أشعر عندئذ برغبة عميقة في مشاركة مكتسباتي الجديدة فاعرضها
على كل من يريد أن يتلقاها، وعادة ما يتلقاها الآخرون بالترحاب.
ولكن يحدث أحيانا أيضا أن يختلف الأمر، فيستقر نوع من الحذر إزاء
تلك التي " رحلت " وعادت حاملة في أعطافها رائحة الغربة. في
الحقيقة، ليس لذلك أهمية كبيرة، إذ يبقى الأمر الجوهري بالنسبة لي
هو أن احتفالية العطاء المتبادل تلك قد أصبحت، بقوة القدر، أهم
محرك في حياتي.
وأعود إلى مونتريال. وألقي بنفسي على ثلوج الشمال
لا تدحرج كما الأطفال. وانحت تمثال الرجل الثلجي السنوي لأراه يذوب
في الربيع. تلزمني العاصفة والرياح التي تدفعها لتنهمر على الإسفلت
المتجمد آلاف الكريات الماسية. يلزمني البرد لأحيا والبرد لأحلم.
وأتمنى أن تأتي مصر كلها لتتأمل تفجر الضوء المشرب بالحمرة في
خريفنا، والتنعم بسحر هذا البلد الأبيض الجميل. في الوقت نفسه،
أحمل هم القادمين الجدد في قارتي الأصلية للعيش في هذا البلد
الجديد، تخالجني رغبة دفينة لمساعدتهم على التأقلم مع المجتمع الذي
تبناهم، ليس في محاولة لقبولة البشر في نموذج واحد متماثل ولكن في
احتفالية من العطاء المتبادل. ذلك أن المعرفة المشتركة للآخر من
خلال ثقافته هي التي تؤدي إلى تقبل اختلافه، وتولد عندئذ ذلك
التسامح الذي لا غنى عنه من أجل بقاء البشرية، لم يجعلني المنفى
إنسانا بلا أصل ولكن جعل مني ابنة لقارتين. لا أجلس بين مقعدين
وإنما أستقر مستريحة على أحدهما، بينما تسهر قرينتي الفرعونية
–
الكا –
على الآخر. ليس ثمة قلق أو انزعاج. وإنما هو قدري الذي يتسع
ببساطة. هي حياتي بحمليها، مسئوليتي المزدوجة ، قصتا حبي الثنائي.
ولكن أيا ما كانت المؤثرات التي تأتيني من الجانبين، يظل موقفي
ثابتا دوما أمام الظلم أينما يكون، أمام كافة أشكال العنف ضد
الإنسان وخاصة العنف ضد المرأة. يبقى أن كل ما اكتسبته في الحياة
يحيلني خصوصية دفعت ثمنها غاليا
–
يعرف ذلك كل من عشقها. ندين بها جميعا لسنوات من الإنصات ،
لمحاولات دؤوبة لرؤية بصيص النور تحت وطأة الحياة اليومية، لإنهاك
عيوننا في سبيل بلوغ هذا الهدف، لسنوات من التجديف للتحايل على
التيارات العصيبة، لأمواج شرسة حاولت كثيراً كسر أشرعتنا
–
وهي تجهل أنها تتتكالب على أشرعة تعودت في حياة سابقة أن تنحني مع
الريح لتعود وتنتصب شامخة بعد هدوء الأمواج العاتية. وفي النهاية
ندين بخصوصيتنا إلى النسيان، إلى ميزة ما فيه، إلى مصفاة ما تجهل
الشر وأوجاعه ولا تحفظ سوى وجها تظلله ابتسامة هانئة استطاعت قهر
الموت.
ختاما لكلمتي أقول أن حياتي في مقاطعة كيبك منحتني
المساحة اللازمة للكتابة والحرية اللازمة للتحقق كامرأة في ظل نظام
ديمقراطي عادل. وتلك هبة لا تقدر بمال. وكما يظل مستحيلا أن يجرح
المرء في تاريخ شعبه وأن يتستر على هذا الجرح، أن يعيش منفيا
ويتحايل في حياته على شرخ المنفى، لا يسعني أن أكون ابنة لهذا
المشرق ولا أترك أشعة الشمس الطالعة تتسلل لتنير طريقي على
امتداده.
|