|
هجرة المرأة العربية: قدر أم اختيار
وفد الجماهيرية العظمى
تمهيد….
من المسلم به أن عالم الإنسان عالم اجتماعي تقتضيه
طبيعة الحياة التي فطر عليها في هذا الوجود، حتى في نطاق الحيوانات
تراها تعيش في جماعات وإذا كانت الجماعات هي أساس البقاء والسلوك
الجماعي في المملكة الحيوانية فن باب أولى أن يكون السلوك الجماعي
للإنسان قائماُ في هذه الحياة أيضاً، فالحقيقة الثابتة في عالم
الإنسان هي الحقيقة الاجتماعية، وإذا كان الأمر كذلك فالحياة
الاجتماعية بقيمتها الأساسية وبما تتضمنه من حقوق هي التي تميز
سلوكية الإنسان عن الحيوان، وإذا كان الإنسان كائنا اجتماعيا فهو
متغير نحو الأفضل في سلوكه لتحقيق حياة أمثل تضمن حركته وسلوكه في
الحياة، سواء في نطاق الحرية الفردية الشخصية أو في نطاق الحرية
الاجتماعية السياسية. من هذا المنطلق الحرّ، ولضمان تحقيقه قامت
الصراعات عبر التاريخ سواء على مستوى الأفراد أو الطوائف أو
القبائل أو الشعوب، حيث تتميز شدة الصراعات تبعا لأهمية المصالح
ومدى الارتباط بها، سواء كانت مادية أو اجتماعية أو سياسية أو
عقائدية، فالصراعات على هذا الأساس مرتبطة بمدى أهمية المصالح
وتأثيرها سلبيا أو إيجابيا على أصحابها، ومن خلال هذه المصالح
تتكون الرؤية الواحدة لأصحابها.
الحرية مطلب أولي :
الحرية بمفهومها الحقيقي ترمي إلى تحقيق هدفين معا
الاهتمام بالإصلاح الداخلي والمناداة بالدفاع القومي، لأن كلاً من
الاتجاهين يتمان بعضهما بعضاً، فلا قيمة للحرية إذا كان الشعب
مسحوقاً من الداخل، كما لا قيمة للحرية في الداخل إذا كان الشعب
مستعمراً. فالحرية بهذه الأهداف هي أساس الحياة الحضارية وعليها
يتوقف كيان الاستقلال كما أن هذه الحياة يتوقف قيامها على نمو
الاستقلال الشخصي والحكم الذاتي.
وعلى هذا نجد أن الحرية السياسية تعني استقلال
الشعب ومقاومة التحكم الأجنبي، فلا حرية لشعب إذا فقد هاتين
الصفتين، كما أو جود الشعب لا يتحقق مدنياً إلا من خلال هذه الحرية
السياسية، التي عن طريقها تتحقق الحرية الفردية. ومن خلال حرية
الشعب في مثل هذا المجتمع يمارس الفرد ما يراه لنفسه ولشعبه وإذا
توفرت فيه درجة معينة من النضج فلا تفرض قيود على رغبات الأشخاص
إلا من خلال منظور المصلحة العامة أي مصلحة الشعب لا مصلحة الحزب
أو الطائفة أو الحاكم.
فالحرية قيمة مثلى تأتي في طليعة القيم الإنسانية
تحقق للإنسان إنسانيته بمفهومها المدني بل بمفهومها السياسي أيضاً.
فالفرد يجب أن يهيأ لا على أنه عضو في المجتمع فحسب بل هو عضو في
الدولة يمارس المدنية لا لذاتها بل لتحقيق ارتباطه بوطن مسؤول عنه،
وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال عضويته في السلطة مثلاً التي
يمارسها مع باقي أفراد الشعب وبالتالي نجد أن كل فرد له حق
المواطنة والانتماء إلى مجتمع ما اجتماعيا أو اقتصادياً وسياسيا لا
يملك هذا الحق إلا إذا كان حراً ولا يملك هذه الحرية إلا بممارسة
السلطة الشعبية التي تحتوي هذا المجتمع الذي ينتمي إليه كما أن
جميع القيم المثلى اللصيقة بالإنسان التي تهدف إلى سعادته لا يمكن
تحقيقها والدفاع عنها إلا إذا كانت مبعث خير للفرد وللمجتمع
لتحميها الإرادة العامة إرادة الجماهير عن طريق سلطتها الشعبية.
المساواة مطلب ثاني….
وعلى هذا نجد أن المساواة هي أحد المطالب الأساسية
التي تقوم عليها الحرية بل هي شرعية الديمقراطية ومن مظاهرها
المساواة أمام القانون، المساواة أمام القضاء، المساواة أمام
الوظائف العامة، المساواة في التكاليف والأعباء العامة وهذه تمثل
المساواة القانونية أما المساواة الفعلية التي لا تقيم اعتبار
لعوامل الثروة والجنس أو اللون أو الدين فالأنظمة التي تعتنق
الطبقية وتقيم الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والجنسية والإخلال
بمبدأ تكافؤ الفرص تدفع بدون شك إلى الهجرة سعياً وراء إيجاد مجتمع
بديل.
فالإنسان الحرّ تتحقق سعادته في المجتمع عندما
يتمتع بحقه في المساواة في الانتفاع من الموارد الطبيعية وفي
التملك وفي السكن وفي العمل وفي إشباع حاجاته المادية وفي التعليم
والتعليم لاختيار العمل والوظيفة التي تناسب إمكانيات المرء
التعليمية والثقافية وكذلك الحرية في أن يتعلم كل إنسان المعرفة
التي تناسبه والتي تؤهله لعمل ما يناسبه. أما المساواة في نطاق
المرأة وهو ما يهمنا في هذا الصدد بالدرجة الأولى أن تكون على أساس
معيار إنساني فلا فرق في الحقوق الإنسانية بين الرجل والمرأة
والكبير والصغير إذ يجب أن تتمتع بحقوقها متساوية مع الرجل في
الحقوق وفي العمل الذي يناسبها ولها نصيبها مقابل ذلك من ثروة
المجتمع وهذا تحقق بفعل النظام الجماهيري في الجماهيرية كما أوضح
الكاتب الأخضر في فصوله الثلاث: " إذ العمل يجب أن يوفره المجتمع
لكل أفراده القادرين عليه والمحتاجين له رجالاً ونساء، ولكن أن
يعمل كل فرد في المجال الذي يناسبه وأن لا يضطر تحت العسف أن يعمل
ما لا يناسبه " . فالمساواة بالنسبة للمرأة لا تتم على أساس مادي
كما أن المرأة لا تستغل لتحقيق حاجاتها كما هو في المجتمعات
الصناعية إنما تقوم على أساس إنساني وفقاً لطبيعتها وفي المجال
الملائم لها " فالمرأة لها حقوقها كاملة دون أن تجبر على التحول
إلى رجل والتخلي عن أنوثتها " (من الفصل الثاني من الكتاب الأخضر)
، فعلى سبيل المثال في المساواة بين الرجل والمرأة من منظور إنساني
إضافة إلى المنظور القانوني والاقتصادي والاجتماعي فنجد أن في عقد
الزواج على سبيل المثال يتحدد مركز المرأة القانوني من خلال هذا
العقد بإبرامه على وجه المساواة بين الزوج والزوجة فكل منهما طرف
في العقد فمن الطبيعي وفقاً لمبادئ العدالة أن لا يفصم هذا العقد
بإرادة منفردة وإنما يتم عن طريق محاكمة عادلة تؤيده وهذا ليس فيه
ما ينفي نصوص الشريعة الإسلامية فلما للطلاق من ضرر يعود على
المجتمع فهو أبغض الحلال عند الله وقد نص كثير من الفقهاء على
تحريمه لغير عذر شرعي وفقاً لمقاصد الشريعة التي تتطلب أعمال
نصوصها عن طريق المحاكم.
لهذا فقد تهاجر المرأة العربية عندما لا تستطيع
تحقيق ذاتها عندما تنقص حريتها عندما تحرم من حقها الاجتماعي عندما
تفقد حقها في المساواة بالرجل عندما لا تمنح حقها في التأهيل
والعمل.
إن المرأة العربية إذا توفرت لها سبل الحرية
والمساواة الكاملة في التعبير وتحقيق أمنياتها وطموحاتها في العيش
السعيد والتعلم والعمل وتحقيق الذات لا نجدها تسعى إلى التغرب
والهجرة عن وطنها وأهلها ومجتمعها الذي تربت وترعرعت فيه ولهذا
فيما يخص المرأة في الجماهيرية نظراً لتوفر أسس المساواة بالرجل
وكفالة حقوقها الكاملة أمام القانون وتكافؤ فرص العمل وحبها لوطنها
وارتباطها الاجتماعي القوي بأهلها وعائلتها نجد أنه من النادر أن
توجد إمرأة ليبية تفكر في الهجرة للأسباب التالية:
1.
توفر فرص العيش السعيد.
2.
حق التعبير والرأي السياسي.
3.
المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
4.
حق التأهيل والتعليم في المجال الذي ترغبه دون
قيد.
5.
توفر فرص العمل.
6.
ارتباطها الاجتماعي القوي بأهلها ومجتمعها.
7.
نظرا لارتباطها اجتماعيا ودينيا فالمرأة ترفض أن
تسافر بعيد عن أهلها .
تعتبر الجماهيرية من البلاد الغنية النامية والتي
توفر فيها فرص عمل نتيجة للتحولات التنموية الكبيرة التي أنجزت
خلال السنوات السابقة الأمر الذي تعتبر ملجأ للكثير من العرب
والأجانب لتوفر فرص العمل وحياة سعيدة.
العقول الليبية من النساء المؤهلات تأهيل عالي
نجدها تتمتع بفرص كاملة ومفتوحة للعمل في مواقع متقدمة في مؤسسات
الدولة كمراكز البحوث والجامعات والشركات المتخصصة المختلفة
بالجماهيرية العامة منها الخاصة التي في الواقع ينقصها وتعاني
فراغاً كبيراً في هذه التخصصات المختلفة وهي بالتالي مشغولة بكثير
من العربيات والأجنبيات في الوقت الحاضر.
د. مريم القاضي
أستاذ بجامعة الفاتح طرابلس
كلية الصيدلة
|