تجربة المرأة الجزائرية بفرنسا - واقع وآفاق

السيدة فله بوزيدي

 

محاولة شخصية للسيدة فله بوزيدي زوجة حمليل

 

 

إن الهجرة الجزائرية بصفة عامة بحكم التاريخ كانت في معظمها هجرة عمال، تلتها هجرة العنصر النسائي " الزوجة " التي كانت في أغلب الحالات امرأة بيت بكل ما تحمله هذا الأخيرة من عادات وتقاليد وقيم أمة.

 

لقد عانت الجزائرية المهاجرة من ويلات العزلة والحرمان والإقصاء في مجتمع لا مكان فيه للسذاجة والجهل. مقابل هذا الإحساس المستمر وحرقة الحنين إلى الوطن، لم يعرف للبلد المستضيف " فرنسا " نية في نسيان الفردوس المفقود " الجزائر ". فاستهدفت الأسرة الجزائرية في المهجر في محاولة تفكيكها، فاستغلت المرأة، طلب منها الخروج من بيتها بحجة انعزالها، والعمل على مشاركتها في التكفل بالجانب المادي بجانب زوجها الذي كان في جل الحالات بطالا.

 

خرجت المرأة المهاجرة إلى ميدان التكوين والشغل، فالاستقلالية المادية، فكانت الوسيط الوحيد لجميع القضايا التي تتعلق بالأسرة، فاختل توازن هذه الأخيرة أي الأسرة مع غياب عنصر أساسي فيها وهو الأب.

 

عوضت عزلة المرأة الجاهلة بعزلة الأب داخل بيته، وأنجز عن هذا الوضع انهيار أسس الأسرة الجزائرية في المهجر، غادرت المرأة بيتها وازداد عدد المطلقات وعدد الأطفال في المراكز الاجتماعية، وازدادت معهما معاناة الأب.

 

فتبقى الجزائر الوطن المنفرد بتاريخه، وتبقى الهجرة الجزائري هي الأخرى منفردة بخصوصياتها، تكاد تكون مخبر تجارب في هذا المجال.

 

فتعاقبت السياسات في فرنسا، وفي جل قوانينها لا حيز للتطبيق وعلى الرغم من هذه المشاكل الميدانية المصطنعة " العمل، قانون الجنسية الخ " تبقى تحديات المهاجرة الجزائرية تحديات قيم وانتماء وكفاءات في جميع الميادين.

 

فنجد المرأة الجزائرية تنشط وبكثرة في جمعيات معظمها خيرية، بل تعدى طموحها إلى اقتحام الميدان السياسي، ونأخذ على سبيل المثال بنت الجيل الثاني حتى وإن كان عددهن ضئيلاً، يعد ثقل نشاطهن الميداني معتبرا خاصة على مستوى البلديات، ففي التشريعات الأخيرة استطعن في بعض النواحي ترجيح كف الكثير من الأحزاب.

 

وأنا أحاول متابعة جميع الاهتمامات وعرض هذه الأحداث من خلال عمل ميداني محض أؤكد عن ضرورة تصحيح بعض المفاهيم التاريخية في هذا المجال، فاللقاء بين الجزائر وفرنسا يتجسد مفعوله في نوع جديد من الهجرة ، في وقت لا حدود جغرافي مع العولمة.

 

فلم تعد هجرة المرأة الجزائرية إلى فرنسا رغبة في لم شمل أسرتها بقدر ما هي ظاهرة تستحق الاهتمام والدراسة.

 

الجزائرية المهاجرة على عكس الأخريات تغادر وطنها ليس هروبا من الفقر أو من الوضع الأمني الذي ساد الجزائر خلال العشر سنوات الماضية كما يظن البعض، بقدر ما هي رغبة في تحقيق الذات. فأغلبهن ذات مستوى عالي من الدراسة وذات وضع اجتماعي معتبر.

 

وهنا الإشكالية: فلن نعد نبحث عن الأسباب التي أدت إلى هجرة هذه الفئة من المجتمع بقدر ما نعمل على إيجاد استراتيجية شاملة لوضع هذه الكفاءات والخبرات في خدمة الوطن الأم.

 

فتجارب بلداننا العربية ونأخذ على سبيل المثال الجزائر فيما يتعلق بالتمثيل الرسمي للهجرة من خلال المجلس الوطني الشعبي وتأسيس وزارة مكلفة بالجالية الجزائرية في المهجر، تسهر على شؤونها وفي جميع الميادين منها الثقافية والإدارية.. الخ تبقى النتائج محور جدال وتفكير وتقييم. فالإيجابيات مكتسبة فما علينا إلا حصر السلبيات.

 

فللجزائر خارج الوطن رصيد بشري ومادي ما يؤهلها لتجاوز كل العقبات والمؤامرات التي تحاك ضدها.

 

فكفاح المرأة المهاجرة ما هو إلا امتداد لكفاح المرأة داخل الوطن، فالجزائرية عرفت بنضالها إبان حرب التحرير وهي التي رفعت راية التصدي والتحدي للإرهاب فهي رمز للتضحيات، وهي التي واكبت جميع التحولات السياسية لوطنها من تعددية حزبية وتعاقب لبناء صرح المؤسسات.

 

لقد عانت المهاجرة الجزائية من التضليل الإعلامي وأدركت أن موقف الجزائر في العديد من القضايا العالمية يخل باستقرارها.

 

إن إعداد هذه التجربة لا يمكن اعتباره عملاً وافيا يغني عن الإثراء بل هي محاولة من شخصي فهي ترجمة لعمل ميداني يأخذ منبعه من واقع المعاش.

 

فمسعانا نحن نساء المهجر اليوم إيجاد إطار سياسة التواصل مع الوطن الأم وترجمة معاناتنا اليومية للخروج من التفكير الضيق، فلنجعل من هذا القدر " مغادرة الوطن " حافزاً إيجابياً وطرفاً يعمل على الانفتاح، فلنكثر من لقاءاتنا ونحاول الاحتكاك بالثقافات الأخرى، فلنكن خير ترجمة لديننا الحنيف وخير ممثلين لأوطاننا، فلا حدود اليوم وقد تختلف الأفكار والأديان ويبقى الإنسان المهاجر هو الإنسان فلنحافظ عليه. 

 

 

تصميم: منير إدعيبس