دار المنى - تجربة ناجحة

السيدة منى زريقات هننيغ

 

دار المنى _ تجربة ناجحة !

 

ان الوطن لحاضر في الذاكرة دائما وأبدا قد يهب نسيم يحمل في ذراته عطرا فيعيدنا فجأة سنين الى الوراء ليذكرنا بالمكان الأول . أو قد نقرأ نصا أدبيا كالنص الذي كنت اقرأه قبل أيام للكاتبة سلمى لاغرلوف الحائزة على جائزة نوبل للأدب ، حتى يعيدني أسلوب سردها للحكاية الى الطفلة التي كنتها . واجد نفسي فجأة في ذلك الشارع الذي كنت أسكنه ، شارع خرفان . أنزل وأخوتي الدرج الطويل الذي كان يحمل البيوت المعلقة على سفح الجبل . لنصل إلى الدرجة الأولى بمحاذاة الشارع . نجلس عليها  لننتظر الراوي الذي كان يزورنا مرة في الشهر . يترك قريته في الصباح ويصل عمان عند العصر ثم يصعدا سيرا على الأقدام . واجمل منظر كان عندما يبرز الجد عند المنعطف فنركض جميعنا باتجاهه ، وتمتلئ قلوبنا فرحا . ففي تلك الليلة لا تنام عيون الأطفال أبدا ؛ فجدي كان بئر الحكايات .

 

نشأت في عائلة ربت أبناءها وبناتها على حب الوطن وتقديس تراثه الأدبي . والتحقت بمدرستين حكوميتين وهما مدرسة سكينة بنت الحسين ومدرسة الملكة زين الشرف ، مدرستين عربيتين تسطعان في تاريخ الأردن . وتتلمذت ورفيقاتي على أيدي معلمات قارئات يعشقن اللغة العربية فكان الكتاب ملازما لنا في وقت لم تكن فيه للمرئيات أي أثر . وربما كانت هذه اللغة هي الكنز الكبير الذي استثمرته في الغرب .

 

أسكن الآن في السويد منذ أكثر من ثلاثين عاما . أي أكثر من المدة التي عشتها في الأردن . ولكن الوطن الأول كما ذكرت ، حاضر دائما في الروح والذاكرة .

 

الغربة تحول الوطنية الى نوع أخر من العطاء أذكر سنين الهجرة الأولى وأظن ان العديد من الأخوات الحاضرات اليوم يعرفن جيدا هذا الشعور . كنت إذا رأيت شيئا أصيلا وجميلا أتمنى لو احمله معي فورا لأضعه في عمان . بهذه الطريقة كنت أعبر عن شوقي للوطن . إلى أن جاء اليوم الذي بدأت فيه بتحقيق هذا الحلم . وكانت هي الصدفة .

 

لاحظت في إحدى زياراتي للوطن ان بعض الأمهات المتعلمات يقرأن لأطفالهن باللغة الإنجليزية وبحثت عن السبب . وبمساعدة شركة استشارية تمت دراسة وضع كتاب الطفل في الأردن مصر والخليج وجاءت النتيجة بأن هناك نقصا في القصص الموجهة للأطفال وان الإنتاج السنوي الجديد لا يتعدى أصابع اليد . أثر ذلك ، تركت مهنة الصيدلة ، والتي كنت قد درستها في الجامعة الأمريكية في بيروت ، وأسست دار الكتب الأطفال في عام 1984 اسمها دار المنى . وعبر هذه الدار عدت إلى هواياتي الأولى والتي مارستها وأنا طالبة في المدرسة . وهي التعامل مع النصوص المبدعة وتذوق جمالها وحفز الآخرين على مشاركتي لهذه المتعة .

 

عندما أقول نقصا في الكتب الموجهة للأطفال في البلدان العربية ، فإنني أعني فقط الكتب الأدبية . وبهذا فأنني استثني من تعريفي الكتب العلمية والقصص التاريخية والدينية والمعرفية الأخرى والتي تتواجد بنسبة لا بأس بها وتقوم أيضا برسالتها في توسيع مدارك الطفل .

 

لهذا أردت أن أكون جسرا ثقافيا بين وطنين انتمى لهما واعرف مراكز الاختلاف وكذلك مراكز التلاقي والتشابه بينهما .

 

أدب الطفل في السويد تقليد عمره أكثر من 400 سنة . ويتمتع بمركز راق في العالم . لقد كانت السويد من الدول المتقدمة في الغرب بعمل أبحاث واسعة حول الطفل والطفولة ، هذه الأبحاث ساعدت الذين يريدون الكتابة للطفل على معرقة افضل الطرق للوصول الى ذلك الصندوق السحري .

 

فتنوعت الأساليب عبر الاطلاع الواسع على أدأب الأمم الأخرى من خلال الترجمة والتي لا تزال تشكل نسبة 60 % من الإنتاج السنوي لكتب الأطفال في السويد والتي يبلغ عددها بين 1000 _ 1200 عنوان سنويا .

 

ان كتب الأطفال في السويد والمفهوم الحديث للطفولة بما يشمل هذا التعريف من مؤسسات وحضانات وهيئات أخرى تعتبر كلها ضمن الصادرات الوطنية التي تفتخر بها السويد . وهي الدولة السباقة التي دعمت مشروع قانون حقوق الطفل في مراحله الأولى التحضيرية ، هذا المشروع الذي اصبح اكبر نصر للطفل والطفولة في أواخر القرن الماضي وذلك عندما شاركت دول العالم في نقاشه في الأمم المتحدة وقامت بالتوقيع عليه وتبني بنوده والسعي الدائم لتنفيذه .

 

هناك كتاب سويديون كالكاتبة أستريد ليندغرين والتي ترجمت أعمالها إلى أكثر من تسعين لغة كقصة جنان ذات الجورب الطويل "pippi lonqsstokinq " وقد كان في كل كتاب لها بطل جديد تحول الى شخصية عالمية ، فحتى انه يقال أنه لا يخلو بيت في روسيا من قصة كارلسون فوق السطح والتي تحولت الى مسرحية مثلت لمدة 28 عاما على مسارح موسكو دون انقطاع.

 

وسألت في نفسي هذا السؤال :

هل يختلف الطفل الغربي عن بقية أطفال العالم ؟

 

لا أخفي عليكم أنني كنت متوجسة من كيفية استقبال القارئ الصغير في الأردن والعالم العربي لهذا الجنس الأدبي . وكم كانت هي المفاجأة الكبرى عندما رأيت تكاتف الأطفال حول هذه القصص الأدبية الأولى المترجمة عن السويدية . هذا التشجيع الطفولي  هو الذي دفعني للاستمرار . واليوم بعد مرور ستة عشر عاما أستطيع القول بأن هذه الدار هي الدار الوحيدة في الدول الاسكندنافية التي تنشر كتب الأطفال باللغة العربية . كما وهي دار النشر الوحيدة في العالم العربي المختصة بنشر أدب الطفل العالمي الحديث والذي يرتكز في مضمونه على المفهوم الحديث للطفولة هذا المفهوم الذي بدأ يكتسب اهتمام المسؤولين في عالمنا العربي في العقدين المنصرمين فكتب دار المنى توجد اليوم على رفوف العديد من المكتبات العامة في الوطن العربي كما وان بعض إصداراتها وضعت على المنهاج في بعض المدارس الخاصة في الأردن والخليج العربي .

 

كذلك ألهمت بعض هذه القصص مسارح الطفل المدرسية في الأردن حيث حولت المدرسة الأهلية في عمان ، قصة بيضة الشمس ، للكاتبه الزا بيسكوف إلى مسرحية ناجحة دعي إليها أطفال المدارس الأخرى . كما أن رواية أستريد ليندجرين ميو يا ولدي والتي صدرت عن دار المنى أيضا تحولت إلى أوبرا غنائية هنا في الأردن بدعم من اليونسيف . وكتب نصها الغنائي المبني على إحداث الرواية الدكتور وليد سيف .

 

فما هو السبب الذي يجعل هذا الأدب الموجه للطفل في السويد يخرج عن خصوصيته ليتحول إلى أدب يتقبله جميع الأطفال على اختلاف ثقافاتهم ؟

 

لا شك ان في كل تجربة حديثة لا بد وان يقف البعض أمامها مستفسرا . وكان على كناشرة ان ابحث عن الجواب . كان على ان أقنع هذا الكبير أيا كان : والدا او والدة مدرسا أو مدرسة ، مسؤولا أو مسؤولة في المراكز والمؤسسات التربوية . فهو أو هي يسألان أسئلة من حقهما طرحها .

 

هل يعقل أن يتفاعل أطفالنا مع نصوص غير نابعة من تراثنا ؟

 

وهناك حجة أخرى كانت تواجهني : بعض المسؤولين الإداريين في بعض المدارس يقول " نحن لا نريد ادبا مترجما بل نريد قراءة الأدب العالمي بلغته الأصلية " ولهذا يقرأ الطلاب في تلك المدرسة رواية عالم صوفي للكاتب النرويجي بالإنكليزية ظنا منهم أنها اللغة الأصلية ويرفضون النسخة العربية . وفي هذه المناسبات أذكر هؤلاء دائما بأن الأمة العربية كانت في عصورها الذهبية أكبر أمة مترجمة في العالم . وما قدمته من ترجمات لأمهات الكتب في العلم والفلسفة والأدب وما أضافت عليه أبدعت فيه لا يزال التاريخ يشكر لها ذلك .

 

كان حماس الأطفال هو الذي يدفعني للاستمرار . ولا أنسى أبدا عيون طالبات الصف السادس في مدرسة عمان الوطنية المصوبة نحوي لدي قراءتي لقصة هل تستطيعين الصفير يا جوانا، للكاتب اولف ستارك وترجمة الدكتور وليد سيف . ولدى انتهائي قالت احدى الطالبات وكأنها تستجدي : أرجوك أحضري لنا قصصا جديدة دائما . وفكرت دائما بتلك الأعين المتوسلة المتعطشة للقراءة وقلت لنفسي هذه الطفلة ستكبر وهي بحاجة الى نصوص وروايات أخرى . وكان هذا الأسباب لإصداري رواية أن في المرتفعات الخضراء " ann of creen crbles " في فترة أبكر مما كان في برنامج إصدار أتنا . وكم كان نصرا لي أن أعود الى نفس المدرسة في السنة التالية لأضع الرواية بين أيدي أطفالها . ربما كان رد الفعل لدى الأطفال هو ما جعلني أضع العنوان لهذه المداخلة عندما طلب مني المشاركة حيث أسميتها : دار المنى _ تجربة ناجحة ! . أرجو المعذرة لهذه الجرأة مني ولكن الذي وضع هذا العنوان حقيقة هم الأطفال أنفسهم .

 

كان علي ان أعمل دائما على إقناع الكبار كما ذكرت لأضمن من خلالهم توصيل هذا الإنتاج الى الصغار الذين أبدوا حماسة لقراءته بل والتهامه . فبدأت في دراسة أدب الطفل في جامعة ستوكهولم لأتعرف على المنهج الذي بني عليه هذا الأدب وكذلك لأبحث عن سر تقبل الأطفال له في جميع أنحاء العالم . والآن ينضم الطفل العربي إلى هذا الجمع الهائل من القراء . والسؤال الذي طرحته على نفسي :

 

هو كيفية تطبيق هذا المنهج على الساحة العربية بعد تكييفه ؟

 

لقد وجدت ان أدب الطفل السويدي هو أدب واقعي يدخل في عمق الذات الإنسانية ليؤنسها ويرويها . ولا عجب في ذلك فالتاريخ والحضارات الإنسانية المتتابعة تشهد على أعمال أدبية اخترقت الحدود الجغرافية لتصبح ملكا للبشرية . وهذا دليل ساطع على ان الناس مهما اختلفت مشاربهم ومعتقداتهم هناك شيء يوحدهم وهو الذات الإنسانية المتعطشة دائما للإبداع والتجديد.

 

هنالك مواضيع تطرق لها أدب الطفل في السويد ولم نر مشابها لها في المواضيع التي طرحت مسبقا في الساحة العربية . فأدب الطفل في السويد يعالج التفاصيل الصغيرة التي يهجس فيها الطفل . كالشعور بالغيرة من أخنه الصغيرة ، الخوف من الذهاب في اليوم التالي الى المدرسة ، لأن هناك طفلا أو أطفالا يستقوون عليه . أو معالجة موضوع الموت مثلا . هذا الموضوع الذي لم يدرج في كتبنا الأدبية الموجهة للطفل . فهناك من يعتقد أنه ربما بعدم الخوض بهذه المواضيع الداكنة ، نستطيع ان نحمي الطفل منها . لتبقي على الصورة المتفائلة للحياة عنده . ولكن الأطفال يدركون حقيقة الموت والألم والمرض . فهم يسألون أسئلة لا نستطيع أن نتجنبها والطفل يبحث عن جواب يعطيه تفسيرا لكل ما يحدث حوله . فالطفل يحب القصة اذا تفاعل معها ووجد في أحداثها ما يعكس وضعه فيقرا عن قضاياه ، لأن الطفل له قضايا عديدة يجب طرحها في كتاب الطفل . ولكننا نخاف من مقص الرقابة أو من هجوم من إحدى الجهات . نحن نضع تحت كلمة عيب أشياء كثيرة . وهناك العديد من المحرمات التي تقف عقبة أمام تجنح الخيال . فالكاتب الذي يكتب للطفل والذي يستطيع أن يعالج كل هذه المواضيع بطريقة مبدعة مستعملا الخيال الممزوج بالواقع في أسلوب يصل من خلاله الى الحس الداخلي والعقلي لدى القاري الصغير يكون بذلك قد دق على وتر هواجس الطفل وأعطاه راحه نفسية كبرى . إن جمالية النص الأدبي علاج فعال في الوصول الى عمق الذات الانسانية .

 

لقد قرأت في رسالة لسيدة ألمانية كتبتها لاستريد ليندغرين وتشكرها بها على كتاب الأخوان والذي أيضا صدر بالعربية عن دار المنى وترجمة الدكتور وليد سيف . لان ابنتها ذات السابعة من العمر والتي كانت مريضة بالسرطان كانت تجد العزاء في كتاب الأخوان الذي خفف عليها وطأة الخوف من الموت .

 

في بداية القرن الماضي انطلقت حركة أدب الطفل في السويد من الهيئة المدرسية نفسها . كانت السويد بحاجة ماسة لتقوية هويتها الوطنية بعد هجرة اكثر من مليوني نسمة بسبب الفقر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . فناشدت وزارة التربية والتعليم الكتاب كتابة قصص اللاطفال تقوي الروح الوطنية ليبقوا في الوطن ويساعدوا في بنائه . فجاءت قصة سلمى لاغرلوف نيلس يحلق فوق السويد التي نالت عليها جائزة نوبل للأدب عام 1909 وهو كتاب ترجم إلى اكثر من 40 لغة .

 

وقام الأساتذة أنفسهم بتأسيس دار نشر لترجمة جميع الأعمال والكلاسيكيات والحكايات الشعبية والتي كانت قد جمعت في أوروبا إلى جانب حكايات ألف ليلة وليلة إلى اللغة السويدية وتوزيعها بأسعار زهيدة على طلاب المدارس . وهنا برز دور العربية والمنظرة الين كي التي بنت منهجها تربويا مبنيا على منهج جان جاك روسو وغيرت جميع المناهجالمدرسية المبنية على التلقين وأطلقت شعارا اسمه الجمال حق للجميع . وبهذا قامت على محو الفروق الطبقية في نظام التدريس وجعلن كبار الرسامين السويديين يقومون برسم كتب النصوص القرائية المدرسية . وبهذا تغذي الأطفال منذ صغرهم على ذوق الرفيع في الفن والأدب . وها نحن بعد 100 عام نجد ثمار حهد الين كي . فهاهي الرسامة أيفا اريكسون اكبر الرسامات السويديات ، تقول اليوم في مقابلة معها : " أريد للطفل ان يستلهم القوة من رسومي ومن الضروري ان تؤكد في كتبنا على روعة الطفل والطفولة ولهذا فأنني عندما ارسم أحاول في رسومي تنبيه الكبار والصغار على حد سواء إلى هذه الحقيقة " .

 

لقد قمت أيضا بدراسة الكتب التي آثرت في الأدب السويدي وأعطته دفعة كبيرة إلى الأمام فوجدت أنها  نفس الكتب والقصص التي أثرت في حركة أدب الطفل العالمي ككل . لهذا قمت بتأسيس فرع في دار المنى يحمل اسم إعمال كلاسيكية وبدأت دار المنى في إصدار عدد منها . وهي كتب صدرت في ألمانيا وكندا وبريطانيا وأمريكا إلى جانب أعمال من الدول الاسكندنافية الأخرى .

 

إذن من المهم جدا ان يبدأ هذا الوعي لأهمية القراءة من المدرسين أنفسهم . فالمدرس هو اقرب الناس إلى القارئ الصغير . وعليه تقع المسؤولية في نشر هذا الوعي المبني على منهج مدروس ورؤية مستقبلية واضحة .

 

ان تقوم هنالك حركة أدبية تعطي ثمارها قربيا أن لم نتعرف ونطلع عما فعله الآخرون . لان أدب الطفل تقليد عرفه الغرب في القرون الثلاثة الأخيرة بينما بدأ في العالم العربي في العقود الأخيرة من القرن الماضي . وهنا أريد ان الفت الانتباه هنا إلى حركة أدبية بدأت تجني ثمارها في دولة مسلمة وهي إيران . لقد كانت حركة الترجمة فيها حركة نشطة تسير جنبا إلى جنب مع الأدب المحلي وتؤثر فيه . فهناك العديد من الكتب السويدية كأعمال الكاتبة استريد ليندعرين قد ترجمت في الستينات والسبعينات الى اللغة الفارسية وكذلك العديد من الكلاسيكيات العالمية . كما ونشأت فكرة تعميم المكتبات العامة لديهم في وقت مبكر أي في أواخر الخمسينات كل هذا أدى اليوم الى تصاعد أسماء كتاب أطفال إيرانيين على الساحة العالمية بدأوا يحصدون الجوائز وتترجم أعمالهم إلى العديد من اللغات . وبعض هذه الكتب تحول إلى أفلام الأطفال نالت الإعجاب والتقدير والنجاح .

 

لهذا أقول أننا لن نستطيع أبدا ان نبقى في نطاق المحلي تحت هوس التغريب والحساسية الثقافية المفرطة لدى الكبار في الوقوف أمام التجديد والتحديث .

 

علينا أيضا إلا نقيس النص الموجه للطفل بعدد القيم التي يشير إليها النص . يقول الكاتب السويدي لينارت هيلسينع وهو من الكتاب الذين تأثرت أعمالهم الأدبية وبكل جلاء بحكايات ألف ليلة وليلة ليس كل ما هو تربوي هو أدب بل كل ما هو أدب هو تربوي في حد ذاته . لذلك أقول بأن النظرة التربوية البحتة التي يرسمها التربويون لأدب الطفل يجب أن توضع تحت المجهر مرة أخرى , فأدب الطفل لن يعتبر أدبا إذا لم تكن العناصر الأدبية والجمالية نفسها التي نقيس بها أدب الكبار متوفرة فيه . أنني أعي تماما ان العديد لا يزال يربط أدب الطفل بتربية الطفل .. أي الوعظ المباشر لكن الأطفال في الحقيقة ليست هذه هي الكتب التي يريدون قراءتها اذا كان الغرض هو تشجيع القراءة عند الطفل والتملك من لغة الأم .

 

علينا ان نعي دائما بأننا أمام قارئ يعرف ماذا يريد . ولن نستطيع ان نفرض عليه كتابا لا يتفاعل معه . فهو قارئ وناقد صادق في أحاسيسه .

 

في كتاب صدر قبل أعوام تحت عنوان " لا تخبروا الكبار " للكاتبة والباحثة اليس لورييه تقول فيه : " أن الكتب التي يحبها الأطفال ليست دائما هي الكتب التي يقترحها الكبار . لقد لاحظت فيما بعد عندما بدأت في التردد على المكتبات العامة أن هناك نوعين من الكتب الموجودة على الرفوف . الكتب التي تزيد ان تعلمني من هو جورج واشنطن و ..و .. و . ولكنني اكتشفت ان هناك نوعا أخر من الكتب مثل توم سويا ونساء صغيرات وأليس في مدينة العجائب وهذه الكتب هي التي ألهها الأطفال حيث أن كتابها لم ينسوا الشعور والإحساس كيف كان الواحد منا عندما كان طفلا . أن تقرأ هذه الكتب يجعلك تشعر فجأة بصدمة التعرف على الذات وتنتابك طاقة هائلة من التحرر " .

 

ان من أهم فوائد أدب الطفل هو تقوية الهوية الوطنية . فاللغة التي تنمو مع الطفل العربي وأقصد فيها اللغة العربية الفصحى هي اللغة التي بوساطتها يتعرف الطفل على تراثه . ولقد أثبتت التجارب أن الأطفال المتمكنين من لغتهم الأم هم الذين يبرزون في جميع المواد الدراسية علمية وأدبية على حد سواء . وبهذا ننهي ظاهرة الدروس الخصوصية التي أصبحت منتشرة بالعالم العربي والتي تنقل كاهل الأهل ماديا وتحرم الأطفال من إعطائهم الوقت الكافي للعب والذي من خلاله يتعرف الأطفال على العديد من قدراتهم . لقد ظهرت العديد من المقالات في الصحف العربية تتكلم عن تراجع اللغة العربية ويتكلم البعض عن صعوبتها وعدم التفاعل معها والآخرون يقولون ان مستقبلها سيكون كاللاتينية . هذا كلام مردود . أعود الى السويد والتي يقطنها فقط تسع ملايين نسمة وأسأل :

 

كيف حافظت على لغتها في هذا الخضم الهائل من اللغات حولها ؟

 

القارىء للغة النصوص السويدية التي كتبت قبل مئة عام مثلا يرى ان اللغة تلك تختلف عن لغة اليوم . والسبب يعود إلى ان اللغة تتطور أيضا لأن الفرد يريدها أن تعبر عنه في الفترة التي يعيشها وبهذا فهو يسخرها ويطور فيها لتناسب العصر . إننا لم نفعل هذا مع لغتنا العربية وذلك لان علاقتنا بها هي علاقة أكاديمية فقط . وأنا اعتقد وبعد خبرة فإن أدب الطفل هو الطريق إلى بعض الحلول ، هذا إن لم يكن أهمها . علينا ان نربط المفردة بالحس الداخلي لدى الطفل . وهذا لن يحصل دون تقديم نصوص ومفردات تعبر عن رأيه وطموحاته وقضاياه. فالطفل عندئذ يكتسب المفردة عبر المعنى الذي يخاطب ذاته . وكم منا من عاش هذه التجربة مع أطفاله يجد كيف ان الطفل يستعين بهذه المفردات الجديدة في أحاديثه بل ويقرا الكتاب الذي يحبه عن ظهر قلب وهو لم يتجاوز الرابعة من العمر .

 

علينا ان نطلع الى ما وصلت إليه تجارب الأمم الأخرى في هذا الميدان نأخذ منه ما يناسبنا ونوظفه بعد ان نكيفه مع أهدافنا وطموحاتنا . ان الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى ليس معناه الذوبان فيها كما يحلو للبعض ان يروج لهذا . فالجهل يولد الخوف والخوف يولد الانعزال والتقهقر . والحضارة الإنسانية هي حصيلة لحضارات سابقة ولشعوب واديان وثقافات مختلفة ولدينا كل الحق في التعرف عليها والاستفادة من ثمارها .

 

منى زريقات هنينغ

عمان 30 / 9 _ 1 / 10 / 2001

 

 

 

تصميم: منير إدعيبس