صابرين الطرطور
أطفالنا فلذات أكبادنا، هم رجال الغد وأمهات المستقبل المشع أملاً بالحياة الكريمة منذ نعومة أظافرهم نتولاهم بالرعاية والاهتمام، في الصيف نشفق على أجسادهم الرقيقة من حر الشمس وفي الشتاء نحرص عليهم من نسماته قارصة البرودة، حين يتألمون نجتهد في رسم البسمة على وجوههم البريئة ولا ندخر جهداً في السعي لتلبية احتياجاتهم مهما كانت بسيطة لنلمس الرضا في عيونهم.
ولكن هناك أطفالاً آخرين حرموا البسمة والسعادة مع أنهم يمتلكون براءة الطفولة، لقد غارت الفرحة من عيونهم الصغيرة وتملكت ملامح وجههم آلام السعي من أجل لقمة العيش التي عجز رب الأسرة عن توفيرها لهم؛ إما لأنه قد رحل إلى دار الحق أو أن الطلاق فرق بين أبويه، أو لأي من الأسباب التي جعلت تقاطع الطرق هي ملعبه الوحيد والعمل هو أمله من أجل توفير لقمة العيش له ولأسرته الحزينة..
ولأن أولئك هم أطفالنا، شموع مستقبلنا الآتي آثرنا في التحقيق التالي أن نسلط الضوء على الفتيات العاملات التي لاحظنا انتشارها في الآونة الأخيرة بكثرة في مجتمعنا الفلسطيني، نقترب منهن نحاورهن نقف على الأسباب التي دفعتهن للعمل الذي قد لا يتلاءم معهن فتابعونا..
** بائعتان وأب غائب!
في ساحة الشهداء بغزة كان اللقاء.. طفلتان إحداهما تكبر الأخرى بقليل، على وجهيها ارتسمت معان حزن خالدة بدت وكأنها ملمحاً ملتصقاً وجوههم البريئة، العيون ذابلة والأجساد نحيلة لا تقوى على حمل زجاجة عصير، ولكنهما تجاهدان الألم فالطفلة الصغرى بدت تساعد أختها الكبرى في حمل حقيبة بلاستكية امتلأت بالمفارش والأغطية القماشية، أرادتا المسير بعيداً باحثتين عمن يشتري، فهذه تنادي على بضاعتها، يستوقفها رجلٌ في الثلاثينات من عمره عله أراد أن يشترى منها بعضاً من الأغطية لأسرة أطفاله، سارعت إلى حيث توقفتا ليس لأشترى، وإنما لأخوض حديثاً مع تلك الفتاتين.. في البداية رفضتا وبعد إلحاح وافقتا. الفتاة الكبرى عرفت نفسها "ريهام" لم تتجاوز السادسة عشر ربيعاً والصغرى "إيناس" ما زالت زهرة في التاسعة من عمرها.
ريهام كانت مشغولة بالمناداة على بضاعتها التي أملت أن تنفذ قبل إيابها إلى المنزل فأخذت تعرض بضاعتها على المارة، بينما انفردت بالحديث مع صغيرتها إيناس التي قالت بكلماتها الطفولية البريئة:"نعمل من أجل مساعدة أمنا في المصروف"، وراحت تقول:" نحن كثر في البيت تسع فتيات وأمنا، أصغرنا "آية".. لا نملك معيلا يوفر متطلبات حياتنا الضرورية "، تقاطعنا ريهام قائلة:"ليس عيباً أن نعمل من أجل أن نعيش بكرامة "، تصمت قليلاً تلمع في عيونها دمعة لكنها تجاهد في إخفائها قائلة:"لقد تركنا أبي سامحه الله غارقين في بحر الفقر بعد أن أنجبت أمي أصغر أخواتي آية، قال لها أنه يريد صبياً يحمل اسمه ويحيى ذكراه، ثم ولى ولم يرينا وجهه ثانياً حتى أننا قاربنا أن ننسى ملامحه".
عاودنا الحديث إلى إيناس التي بدت تتحدث بفخر عن أمها، قالت:"كل التعب والألم يهون من أجل رضا أمي الحنونة"، سألتها أن تقلنا إلى البيت لنتحدث إلى الأم المكافحة فأجابت برضا وبسرعة البرق.
اصطحبتنا إلى أمها التي كانت تقطن في بيت متواضع جداً في أحد أزقة حي الصبرة الشعبي بمدينة غزة، هناك كانت الأم منكبة على تجهيز طعام الغذاء لفتياتها التي انتظرت عودتهن بين لحظة وأخرى، رأيتها واهنة الجسد تماماً كفتياتها بل وأكثر بكثير فهي تعاني من آلام في الظهر والعينين، بسبب الانكفاء ليل نهار على ماكينة الخياطة، التي تحيك بواسطتها البضاعة التي تتجول بها الفتيات لبيعها والعيش من رزقها الضئيل. عن عملها سألتها أجابتني وهي تتابع تجهيز طعام الغداء وهو عبارة عن طبق من البطاطس المقلية إلى جانب شوربة العدس التي اعتادت الفتيات تناولها، تقول الأم:"منذ أن تركني زوجي لأني لم أنجب له الصبي وأنا أعمل من أجل أن أحقق بعضاً من متطلبات العيش الكريم لفتياتي"، وتتابع بصوتها الواهن من شدة الألم:"لقد أثمرت تربيتي فيهن فبعد أن أصبت بآلام حادة في ظهري أبت ابنتي الكبرى إلا أن تساعدني في العمل فأضحت تغدو منذ ساعات الصباح الأولى مصطحبةً إحدى أخواتها لتبيع ما أصنعه في السوق ولبعض الزبائن الذين اعتدنا عليهم"، تصمت قليلاً .. تتألم، تساعدها طفلتها البارة إيناس في الاتكاء لتأخذ قسطاً من الراحة تغرورق عيناها بالدموع وبكفها الصغير تمسح إيناس دموع الأم الحانية التي قالت:"كنت أحلم بمستقبل أفضل لأطفالي ولكن ضيق العيش حال دون تحقيق حلمي أخشى عليهن من غدر الزمن بعد أن ألاقي ربي"
** لا وقت للحديث
تركنا ريهام وعائلتها ورحنا نتابع المسير بين أزقة الأحياء المتواضعة ننقب عن فتيات أخريات يعملن من أجل لقمة العيش، لم يكن صعباً علينا أن نجد العشرات من النماذج التي تحدت الفقر والحاجة بالعمل وليس بالسؤال طمعاً في المال، سوزان ابنة الثلاثة عشر ربيعاً، التقيناها في أحد شوارع غزة، بين البيوت تتنقل تبيع منتجات ومستلزمات التنظيف المنزلية، أحياناً كانت تمد الخطى أملاً في العودة مبكراً إلى صاحب المصنع لأخذ أجرتها اليومية والعودة بها إلى أسرتها التي تنتظرها بفارغ الصبر، وأحياناً أخرى يهدها الألم ويتملكها التعب الذي أنهك جسدها النحيل فتهدأ خطاها قليلاً ثم ما تلبث أن تعاود المسير متجاهلة آلامها وأوجاعها، اقتربنا منها لنسألها عن سبب عملها لكنها لم تتفوه بأكثر من عبارة واحدة قالت:"أنا المعيلة الوحيدة لأسرتي"، ثم ولت بعيداً تستكمل سيرها لإيصال الطلبات المكلفة بها من صاحب المصنع تركتنا نتساءل عن ظروف حياتها التي بلا شك لا تختلف كثيراً عن ظروف سابقتها ريهام.
** أحلم بيوم راحة!
قصة أخرى تتعدد أسباب الحاجة فيها للمشاركة وإعالة الأسرة المنكوبة بوفاة الأم وشلل الأب وإعاقة الأخت "تحرير" المبتورة القدمين، لم تملك رغم صغر سنها وضآلة حجمها إلا أن تشارك أخاها الأكبر المسئولية في تأمين العلاج والغذاء لها ولأبيها وأختها التي تكبرها بقليل لكنها لم تجد عملاً غير التجول بكرتونة البسكويت بين الإشارات الضوئية وتقاطع الطرق، رغم خطورة ذلك على حياتها، تقول:"أنها تحاول من خلال عملها أن توفر مصاريف الدواء لأبيها هي وأختها فيما يغطي أخيها الأكبر مصاريف الطعام والملبس المتواضع لهم جميعاً"، وعن يومها تقول:"أخرج منذ ساعات الصباح الأولى لأبيع البسكويت ثم أعود للمنزل لأتفقد أمور والدي المقعد وأختي المعاقة أحضر لهما طعام الإفطار إن وجد وأرتب المنزل ومن ثم أذهب للعمل مرة أخرى، وفي ساعات الظهيرة أعود ثانياً لأطمئن عليهم وهكذا أظل أروح وأغدو حتى تنفذ كمية البسكويت وهكذا أقضي كل أوقاتي"، تصمت قليلاً ثم تعاود الحديث عن حلمها بيوم تتنزه فيه وسط حقول خضراء وبساتين مزدانة بالورود تخونها دموع الطفولة البريئة تتمتم أحلم بيوم راحة".
ذلك هو حال أطفالنا وفتياتنا في فلسطين كما آبائهم تماماً يتحملون عبء الحياة فباتوا مجردين من ملامح الطفولة التي تبدلت وتحولت إلى مسئولية ورعاية للأسرة التي فقدت معليها بقضاء الله، أو أن معيلها تخلى عنها ولم يعد قادراً على المسئولية فحملوها هم وتمتعوا بإرادة وعزم من أجل قهر الفقر والانتصار عليه.
** انتهاك حقوق الطفل
بعد أن تعرفنا على الأسباب التي دفعت فتياتنا وزهرات ربيعنا المشرق للعمل آثرنا الحديث إلى ذوي الاختصاص في الرعاية النفسية والاجتماعية للطفل والفتيات على وجه الخصوص ليحدثونا عن التأثير النفسي والاجتماعي على أولئك الفتيات حيث التقينا "راوية حمام" أخصائية نفسية ببرنامج غزة للصحة النفسية، والتي أكدت أن عمالة الأطفال بشكل عام تعد انتهاكاً لاتفاقية حقوق الطفل التي حذرت من عمالة الطفل بشكل يسيء إلى كرامته وآدميته مشددة على أن ظاهرة عمالة الأطفال بشكل عام والفتيات بشكل خاص باتت تهدد بنية المجتمع الفلسطيني"، مستكملة:"هؤلاء الأطفال الذين يذهبون إلى العمل يخلقون جيلا مفتقرا إلى الوعي والمهارات الحياتية الإنسانية الضرورية للتنشئة الاجتماعية" وأضافت:"أن الإحصائيات تشير إلى أن الأسر التي يفوق عدد أفرادها تسعة هي من يضطر أطفالها للعمل كنوع من المشاركة ومساعدة الأب في توفير الحاجيات الضرورية للأسرة مشيرةً إلى أن ارتفاع نسبة البطالة والتي تجاوزت في السنوات الأخيرة الـ50% ودفعت الآباء إلى الزج بأطفالهم إلى العمل من أجل توفير قوتهم اليومي.
وعن الأثر النفسي والسلوكي التي يتركه العمل في نفس الفتاة العاملة تقول حمام أن المجتمع الفلسطيني والذي وصفته بالذكوري لا يرحم الفتاة التي أجبرت على العمل في سن مبكر مشيرةً إلى أنها قد تتعرض لاستغلال وانتهاك من قبل التجار كالتحرش الجنسي ولا سيما الاغتصاب من قبل ذوي الأنفس الضعيفة، وراحت تتحدث عن أولئك الفتيات فقالت:"أنهن محرومات من التعليم واللعب وحتى من التعبير عن الذات وينظر لهم نظرة دونيه من قبل الآخرين وعدم تلبية رغباتهم أو عما يجول بداخلهم يجعلهن يشعرن بالنقص وعدم ثقتهن بأنفسهن والضعف الذي يسهل على الكثيرين من أصحاب الضمائر الغائبة استغلالهن للأمور الخاصة بالإضافة إلى شعورهن مستقبلاً بالإحباط، القلق والاكتئاب.
** واقع اجتماعي
فيما ذهب الأخصائي الاجتماعي أحمد عوض إلى القول أن الوضع الاقتصادي الذي تعانيه الأراضي الفلسطينية حالياً ومنذ انتفاضة الأقصى، حيث الحصار والإغلاق جعل العديد من الأسر يدفعون أبناءهم وبناتهم للعمل من أجل توفير لقمة عيشهم، مشيراً إلى خطورة هذا التوجه وراح يشدد على أهمية وضرورة تفعيل دور الأسرة تجاه وقف تشغيل الأطفال وخصوصاً الفتيات، لما يشكله من خطورة على حياتهم، كما أكد على ضرورة عدم ربط الظروف الصعبة التي يمرون بها بمستقبل أبنائهم وبناتهم مبيناً أن الأسرة والمجتمع على حد سواء هم المسؤولين عن توفير احتياجات الأطفال وليس هم المسئولين عن توفير احتياجات الأسرة.
كما تحدث عوض عن تأثير ذلك في سلوك الفتيات في جميع النواحي النفسية والاجتماعية بالإضافة إلى المشاكل السلوكية كسوء التكييف الاجتماعي أو عدم اكتسابهم مهارات التفاعل الاجتماعي بشكل سوي بالإضافة إلى شعورها بتحملها المسؤولية في سن مبكر يؤدي لفشلها بالعمل الذي تقوم به، وطالب عوض بتكاثف الجهود من أجل منع تشغيل الأطفال بغض النظر ذكور أو إناث قبل بلوغهم السن القانوني وإتاحة الفرصة أمامهم للتوجه نحو التعليم والتشجيع الذي يعتبر نقطة انطلاق لهذه الجهود والتركيز على مختلف الأنشطة والممارسات المجتمعية وخصوصاً على الصعيد المحلي، وراح يطلق نداءاته للأسرة بعدم إخراج فتياتها للعمل حتى ولو عانت العائلة من الفقر والقحط الشديد موضحاً أن الفتاة وحدها من ستدفع ثمن خروجها للعمل.
 