السعودية
الدمام: أصبحت الأخبار العربية فيلما "هوليوديا" مأساويا لا نهاية له، يحتوي على مشاهد دمار حقيقية ومناظر دماء تخثرت عند قاعدة الكاميرا التلفزيونية، التي أدمنت نقل مشاهد الدماء والقتلى كوجبة إخبارية تقدمها تلك القنوات لمشاهديها، من خلال النشرات الإخبارية، دون أن تكلف نفسها عناء التحذير من بشاعة هذه المشاهد، والتي بدون شك تترك أثراً بشكل أو بآخر في نفسية المشاهد، سواء كان طفلاً أو راشداً، رجلاً أو امرأة، هذا الأثر قد يكون نشاطاً عنيفاً يتضرر منه المجتمع مستقبلاً.
وقال اختصاصي الأمراض النفسية السعودي الدكتور "فهد اليحيى" إن ثمة إجماع عام بين الباحثين أن لهذه المشاهد، أي مشاهد العنف التلفزيونية، أثرا سلبيا على نفسية المشاهد، وكذالك على شخصيته، خصوصاً الأطفال؛ لأنهم في طور تشكل الشخصية.
واستدل اليحيى بدراسة أجراها الدكتور "فيكتور كلاين" من جامعة "يوتا" الأمريكية، ترى أن الأطفال يميلون إلى السلوك العدواني إذا أكثروا من مشاهدة الأحداث العنيفة، في الوقت الذي ما زال الخلاف بين الباحثين عن مدى هذا الأثر، لعدم ورود دليل قاطع على العلاقة السببية؛ وذلك لصعوبة ضبط العوامل الأخرى المحيطة بالفرد من بيئة اجتماعية ونفسية وعوامل وراثية.
وذهب الدكتور "عبد الله باخشوين" ـ أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة (غرب السعودية) ـ إلى أهمية تعزيز البيئة الاجتماعية للحيلولة دون تفشي العنف قائلاً : "إن المشاهد التلفزيونية أحد مصادر العنف، وهناك المصدر الأول والاهم للعنف وهو البيئة المحيطة بالفرد، فإذا كانت هذه البيئة تحث على العنف فإن المصدر التلفزيوني يصبح في الدرجة الثانية، أما إذا كانت هذه البيئة تعلي من قيم التسامح والاعتراف بحرية الرأي واحترام حرية التفكير وعملت على ضبط هذه العملية ـ أي مشاهدة المناظر العنيفة ـ فإنها تعمل على الحد من تأثير مشاهد العنف".
وأضاف أنه في الجانب الآخر أصبح لدى المشاهد ما يسمى بالتشبع من هذا العنف الذي مل من سماعه طوال فترات اليوم، وأصبح لديه لا مبالاة بما يسمع أو يشاهد.
وقال:"عندما يتصدر الأخبار خبر يتضمن قتلا ودمارا ومشاهد دماء فإنه لا يقف عند هذا الخبر طويلاً، وقد لا يكون لديه الاستعداد لسماعه، ويرجع السبب إلى أنها أصبحت تصيب المشاهد بالكآبة".
وحسب تفسير الدكتور اليحيى فإن ذلك ناتج من تعود مشاهدة العنف، حيث يقول: "إن الدراسات بينت أن حساسية المُشاهدين لمشاهد العنف تؤدي إلى نوع من اللامبالاة إذا ما شاهدوا عرض حدث دام يقع أمامهم، وقد حدث أن تعرضت امرأة للقتل أمام مرأى 37 شخصاً دون أن يحركوا ساكناً أو يقدموا شيئاً لمساعدتها وكأن ما يحدث أمامهم دراما تلفزيونية".
وأضاف اليحيى أن مشاهد العنف الإخبارية تبعث القلق والاكتئاب لدى المشاهد بصورة مؤقتة.
وحول ما مدى تأثير هذه المشاهد على نفسية الطفل وما مدى احتماله لهذه المشاهد، قال الدكتور باخشوين: "الطفل ابن بيئته، فإذا وجد في بيئة عنفا ودمارا فإنه حتماً سيكون عنيفاً وستكون لديه القابلية لممارسته ضد الآخر، بل قد يعتبر سلوك العنف هذا نوعاً من البطولة حتى وإن كان يعلم أن سلوكه خاطئ".
وأكد الدكتور اليحيى أن هذه المشاهد قد تولد اضطراباً نفسياً لدى الطفل يترجم بميله للسلوك العدواني ضد الآخرين. منبهاً إلى ضرورة وأهمية الروابط الأسرية القوية والسليمة بين الابن وأبويه من ناحية الوقت الذي يمضيه الطفل في مشاهدة مشاهد العنف، فكلما قصر الوقت كلما قل احتمال السلوك العدواني والنزوع إلى الجريمة.
ورأى الدكتور باخشوين أن الطفل الذي يتعود مشاهدة العنف بشكل مستمر، يحتاج إلى مرحلة تأهيل ليكون فرداً صالحاً في مجتمعه، فمثلاً الأطفال الذين عاشوا في بيئات اتسمت بالعنف، مثل لبنان على سبيل المثال، احتاجوا إلى تأهيل، معتبراً أن ما تقوم به القنوات العربية من عرض لمشاهد العنف جريمة في حق الأطفال؛ لما ستولده هذه المشاهد من إفرازات خطيرة في المستقبل.
وتساءل الدكتور اليحيى عن سبب سكوت المذيع في القنوات العربية عن تحذير المشاهدين عند عرض المشاهد العنيفة، مرجعاً ذلك إلى افتقار الحس العام، والنظر إلى الجانب الربحي فقط دون العناية بالمشاهد.
 