إنعام عشا - المعهد الدولي لتضامن النساء / الأردن
هذه القضية راودتني كثيرا ، نجحت كثيرا في ابعادها وطردها من ذاكرتي ( كما الشيطان) مع انها ليست كذلك ابدا . وذلك لما تثيره من سوء فهم وظن.. فنحن قوم اعتدنا تبادل سوء الفهم والظن غالبا خصوصا ان كانت المتحدثة امرأة على اعتبار (ايش بفهمن ناقصات عقل ودين) ومع ذلك فان ما حدث خلال شهر رمضان .. دفعني للدخول في هذه المساحة المحرمة من منطلق اهمية التفكير الحر ، بلا خوف.. ولا حدود امنة يضعها البعض حفاظا على مصالحه لذا ساوجز ما حدث دون الدخول للتفاصيل المؤلمة.
القضية الاولى : ذات ليلة ماطرة.. شديدة البرودة والمطر خطايا البشر واثامهم التي ضاقت بها الارض .. اتصل بي شاب تجاوز العشرين قليلا يعاني من اعاقة حركية شديدة وتلف في الاعصاب جعله بالكاد يقوى على حمل كوب ماء او التحدث بوضوح .. رغم قدراته العقلية العالية وحساسيته المفرطة من سوء وضعه.
ممدوح وهذا اسمه الحقيقي يوم جاء للدنيا غادرتها والدته مخلفة وراءها طفلا يتيما ،عاجزا،وانقطعت علاقته بوالده منذ ذلك الحين والذي كان اشد قسوة عليه من اليتم والعجز فعاش غربة المكان والزمان والروح.. وابتدأت رحلته في ملاجئ الايتام الا ان غادرها بحكم العمر فعاش متنقلا من بيت اشقع لبيت ارقع.
في تلك الليلة شديدة البرودة اتصل مستنجدا اين يذهب للمبيت بعد ان طردته زوجة اخيه لا بعد ان ضاقت بوجوده وبفقر اخيه ولقمة العيش اولى بها اطفالها كما قالت له..
للحظات تملكتني الحيرة والغضب والعجز.. ماذا اقول له واشد ما يقهرني الاحساس بالظلم والعجزفقلت له الصباح رباح.. فجاء صوته مستغيثا.. بل باكيا ارجوك .. دليني..اين اذهب.. ان بقيت بلا مأوى حتى الصباح سأموت متجمدا .. وزادت حيرتي.. هممت للحظات ان اذهب واحضره لمنزلي رغم الساعة التي تجاوزت الحادية عشرة ليلا وليكن ما يكون حول سوء فهم الموقف.. الا انني وكأي مواطن اثرت السلامة الوهمية وصمت محتارة .. وفجأة .. ووسط عتمة اليل وبرودة الاسلاك عبرت كالشعاع دماغي .. فكرة مضيئة نعم.. وبكل ثقة المسلمة كما علموني صغيرة .. قلت اذهب لاقرب جامع لديك .. واطرق بابه .. واطلب من الشيخ ان تنام للصباح واعطه رقم هاتفي ان اراد الاستفسار فان اغلق البشر ابوابهم فباب الله لا يغلق ابدا والجامع مكان امن ودافئ والله سيكون معك ولن يضايقك احد فيه.. ولاصباح رباح كما لقنونا صغارا رغم ان صباحات هذا الوطن غادرها الرباح منذ زمن وان الكثير مما حشو به ادمغتنا صغارا بات لا يصلح الا لسلة المهملات كتلك التي تقفز على سطح الكمبيوتر لرمي ما لا نريد وما لا ينفع .. وما لا يصلح.. وما لا نريد كثير .. كثير .
واغلقت الهاتف وانا كلي ثقة، مرتاحة البال والضمير وفي الصباح هاتفني .. انه نام واقفا في كابينة التلفون وانه طرق الباب مرارا وتكرارا، وان صوتا اجابه من وراء حجاب ، ان اذهب مكانك ليس هنا ، انت متشرد، وان باب الله يقفل لا يفتح الا حسب قناعة الشيخ ومن خلال رؤياه وتقديره وربما مصلحته من يدري ، فهم علمونا صغارا ايضا ان لا نرى الا ما يراه السلطان وللسلطان وجوه كثيره تارة وجه الحاكم، وتاره وجه الاب ،والزوج،الاخ، المعلم،الواعظ، الكاهن، اللذين يهددوننا صباحا مساءا بدخول النار ان لم نسمع ونطيع (امين) فهم يفكرون عنا.. هم يعرفون مصلحتنا.. هم يعرفون كل شيء.. اليسوا هم اولي الامر وعلينا واجب الطاعة وان ذلك الصوت تركه يرتجف بردا رعبا خوفا حزنا..وغضبا..
القضية الثانية: سيدة طردت من منزلها ليلا.. اهلها اعتادوا اعدتها للزوج الغاضب دوما قائلين(لك اللحم ولنا العظم) دلالة حسن النوايا والاصل الطيب.. وليس دلالة الضعف والمهانة وقلة الحيلة.
ايضا اتصلت تسأل عن مكان عن مكان لتبيت للصباح ( غير منزل اهلها الذيت يعرفون مصلحتها اكثر منها ) بعد ان اغلق الزوج الغاضب الباب خلفها على صراخ اطفالها ..
اقول: نسمع كثيرا عن محسنين موسرين يشيدون اماكن فخمة للعبادة رغم قلة مرتاديها ، وقلة ساعات الانشغال .. نعرف جميعا ان الارض بما عليها لله وتجوز العبادة والصلاة فيها اين كان وكيف كان.. لكن عباد الله يحتاجون ايضا لدعمكم وبيوتكم..نسمع عن اسر تفترش الارض وتلتحف السماء مع اطفالها .. الله سيكون مسرورا لو ساعدتموهم وسيجزل لكم العطاء ايضا .
ايها المحسنون.. حسنا تفعلون .. وجزاكم الله خيرا.. لا اعتراض ابدا.. لكن لو يلحق بتلك الدور اماكن للمحتاجين (الطوارئ) امثال ممدوح وتلك البائسة او يستعاض بدور لامثالهم فمؤسسات تعجز عن ايوائهم لقلة الموارد ووزارة التنمية تطنش الكثير من الحالات لعدم الاختصاص المكاني .. ما رأيكم اليست قضية تستحق النظر...
 