إطبع الصفحة

باركوا المرأة: عندما يستعاد التاريخ برؤية جديدة - 5- 2005 - 02: 1
ستانسلاف غافاروخين يريد ربط الجذور العميقة للنظام الأبوي في روسيا وبين تقبل المواطنين السوفيت للنظام التوتاليتاري طيلة سبعة عقود

ميدل ايست اونلاين- بقلم- نوار جلاحج: من الطبيعي جداً أن تعود السينما الروسية المعاصرة مرة تلو الأخرى إلى الماضي، في محاولة لإضاءة هذا الجانب أو ذاك من التاريخ السوفيتي للبلاد الذي بقي منغلقاً على الكثير من أسراره طيلة سبعة عقود من الزمن. ولئن بدأت هذه المحاولات بصورة متزامنة مع انطلاق البيرستروكيا في أواسط ثمانينات القرن المنصرم، غير أن اهتمام الأفلام الأولى مثل «صيف 1953 البارد» و«غداً كانت الحرب» و«الذين أنهكتهم الشمس» كان منصباً بالدرجة الأولى على تقديم توصيف جديد للماضي بغية الكشف عن ملامح لم تكن معروفة سابقاً عنه وكان التطرق إليها ضرباً من الاستحالة في ظل المنظومة السياسية السابقة المهيمنة على البلاد والعباد. أما التحليلات الأكثر عمقاً لهذه المرحلة فهي لم تزل في أطوارها الأولى، وليس فيلم ستانسلاف غافاروخين الأخير «باركوا المرأة» 2003 إلا نموذجاً عنها.

في تلك السنوات اللاحقة للبيرستروكيا ابتعد غافاروخين عن السينما الروائية، واتجه إلى سينما لم يألفها ولم يتعامل معها يوماً سواء على مستوى الجنس الفني أو المضمون الفيلمي. فاسم غافاروخين ارتبط في السبعينات والثمانينات بصورة لصيقة بأفلام المغامرات والتشويق، وكان أحد أبرز مخرجي هذا النوع غير المنتشر بكثرة في السينما السوفيتية، واستطاع خلال هذين العقدين تحقيق العديد من الأفلام التي غدت من روائعها الكلاسيكية، ولم تزل تعرض على شاشات التلفزة حتى اللحظة مثل «قراصنة القرن العشرين» 1979 «مكان اللقاء لا يتبدل» 1979 «البحث عن الكابتن غرانت» 1984. لكن ما أن بدأت التغييرات تعصف بالبلاد حتى أنخرط غافاروخين في الحياة السياسية، واتجه إلى السينما التسجيلية محققاً ثلاثة أفلام جعلت منه أحد أهم ممثليها في السينما الروسية المعاصرة. أولها «لا يجوز العيش هكذا» 1990 الذي صور فيه أكثر الجوانب سوداوية وبؤساً في المجتمع الروسي، ليعود في الثاني «روسيا التي أضعناها» 1992 ويتطرق إلى أبرز المحطات المأساوية التي مر الشعب الروسي بها بدءاً من ثورة أكتوبر وحتى منتصف الثمانينات، أما في الثالث «الثورة الإجرامية العظمى» 1994 فتوقف عند هيمنة المافيات على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية في مرحلة ما بعد البيرسترويكا. ويغرق غافاروخين في السياسة طويلاً مبتعداً عن السينما، ليعود إليها عام 1999 مع فيلمه «القناص» الذي لا يختلف في توجهه عن الأعمال الروائية التي اعتاد إخراجها، لكن ذلك سيتغير تماماً مع فيلمه الأخير الذي نحن بصدده.

عند الانتهاء من مشاهدة الفيلم قد نعتقد أن ما تابعناه للتو لا يعدو كونه ميلودراما جميلة تبدأ بقصة حب من النظرة الأولى وتختتم بنهاية سعيدة لقصة حب أخرى لذات الشخصية. لكن هذا الاعتقاد الأولي بحد ذاته يدفعنا لطرح الكثير من التساؤلات حول خيارات المخرج وغاياتها سواء فيما يتعلق ببنية السرد أو المساحة الزمنية التي غطاها الفيلم والتي تصل إلى حوالي ثلاثين عاماً أو التوظيف الدرامي للشخصيات أو المفاصل التاريخية التي توقف عندها والكيفية التي تم فيها ذلك وحتى عنوان الفيلم نفسه، كل ذلك يجعلنا مضطرين لإعادة النظر في رؤيتنا له.

في قرية نائية في الجنوب تلتقي فيرا (سفيتلانا خودتشينكوفا) التي لم تتم الثامنة عشرة من عمرها على شاطئ البحر مع ضابط في سن والدها، وتقع في حبه من النظرة الأولى، ولا تمضي بضعة مشاهد حتى تتزوجه وتسافر معه تاركة وراءها أمها وأخاها وأختها الصغيرة، أما الأب فلا نعرف شيئاً عنه. كل ذلك يحدث بسرعة عجيبة وفي أجواء أبعد ما تكون عن الرومانسية، وتنطوي على الكثير من الغرابة : رجل عسكري في منتهى الصرامة لا يعرف وجهه الابتسامة على الإطلاق، ولم يصرح بكلمة حب واحدة أو حتى أي كلمة توحي بالتودد و الإعجاب، تتعلق فيه وتقع في حبه فتاة على النقيض منه في منتهى الرقة والود والمرح دون أي مقدمات ومسوغات وتمضي معه. وهكذا يتم تفتيت الرومانسية التي نستشفها في المشهد الأول لفيرا وهي تسبح عارية في البحر وتغني على الشاطئ الرملي لصالح مشهدية قاتمة للمسكن الجديد الذي انتقلت إليه مع زوجها لاريتشيف. ولم نقم بتوصيف مسهب لهذه البداية التي قد تبدو متكلفة ومتصنعة إلا لأنها تشكل المفتاح الرئيسي لولوج عالم الفيلم بأكمله كما سنرى لاحقاً.

كل ما سيفعله الفيلم في جزئه الأول الممتد لحوالي ساعة وربع هو التأسيس على هذه البداية بغية تعميقها وترسيخها على خلفية الأحداث التي تمر بها هاتان الشخصيتان. فأحداث الفيلم تبدأ عام 1935، وهو تاريخ لا يخلو من الدلالة، إذ من المعروف أن سلطة ستالين ترسخت بصورة كاملة في منتصف الثلاثينات، ليقدم لنا الفيلم إشارات سريعة ومقتضبة إلى بعض إفرازات هذا النظام داخل المؤسسة العسكرية في البلاد مثل الإعدامات الجماعية للضباط قبيل الحرب، الخسائر البشرية الكبيرة التي تعرض لها الجيش الأحمر في حربه مع فنلندا، الدعاية الكاذبة فيما يتعلق بالحرب مع ألمانيا النازية، انتشار الوشاية بين العسكريين وصعود الانتهازيين منهم إلى المناصب القيادية، التشكيك بوطنية الجنود الذين وقعوا في الأسر لدى النازيين والنظر إليهم بريبة لا تخلو أحياناً كثيرة من التخوين المباشر والإعفاء من الخدمة لاحقاً ـ هذا في أحسن الأحوال.

ليتضح لنا أن اختيار مهنة الزوج كضابط عسكري لم يكن صدفة على الإطلاق، وهذا الخيار لم يكن يسعى لإعادة طرح المآسي المتعلقة بالمؤسسة العسكرية فحسب، إذ أنها لطالما طرحت في سنوات ما بعد البيرسترويكا وأصبحت معروفة للجميع، بقدر ما أراد غافاروخين توظيفه في تحليل منظومة كاملة من العلاقات الاجتماعية والتاريخية التي نشأت وترسخت في ظل النظام التوتاليتاري السوفيتي.

العسكري محكوم بالرضوخ، إلى حيث يؤمر بالانتقال عليه أن ينتقل وزوجته، وهنا الانتقال الذي لا ينفك يتكرر ويتكرر في الفيلم إلى درجة تصل حد العبث التهكمي ليس مجرد فعل إجرائي، فعن طريقه يتم تفتيت المكان ليس بصفته جغرافيا ـ فالأمكنة لا تسمى في الفيلم ـ وإنما بوصفه حاضن للبشر والروابط والمشاعر والذكريات، التي تفقدها العائلة في الفيلم مرات كثيرة في ترحالها. وهذه الصيغة الأولية من الرضوخ تتطور تصاعدياً لتمسي أكثر عمقاً وشمولية، عندما يقف لاريتشيف عاجزاً عن مواجهة شتى الانتهاكات الفظيعة التي تتم داخل جسد المؤسسة العسكرية من قبل طغمتها المهيمنة أو ممارستها تجاه الخارج. وهنا يميز غافاروخين عبر الشخصيات العسكرية التي يقدمها بين نوعين من الرضوخ : القسري والذي يمثله لاريتشيف نفسه، والاندماجي المتماهي مع المؤسسة، وفي كلا الحالتين تقوم شخوصه بإعادة إنتاج ممارساتها على من هم أدنى في التسلسل الهرمي داخل المؤسسة أو خارجها.

وهذا التمييز لا يأتي بغية وضع النوعين على قدم المساواة وبالتالي إدانتهما معاً، أو التفريق بينهما وإدانة أحدهما على حساب الآخر، وإنما الغاية منه تسليط الضوء على تجليات مختلفة للتكيف مع المؤسسة السياسية ـ العسكرية المهيمنة تبرز على مستوى التركيبة النفسية والسلوكية للشخصيات المقدمة. وبين الضابط الذي يعجز تماماً عن التكيف معها وينهي حياته منتحراً (يؤدي الدور غافاروخين نفسه) وبين الأخر المتكيف إلى درجة الذوبان الكامل فيها يقف لاريتشيف، فكل الصرامة والتجهم والانغلاق والكلام المقتضب و المشاعر المكبوتة لشخصيته التي عكسها ببراعة الممثل الكسندر بالويف، كل ذلك ليس إلا شكلاً من أشكال التكيف. فالإنسان يتحول في مقاومته غير المعلنة لبطش السلطة إلى قناع لا نستطيع حتى التكهن بما يخفي خلفه من مكنونات إنسانية، استطاع الفيلم أن يوحي بوجودها بصورة شفافة، فنحن لا ندركها وبالكاد نستطيع تلمسها، غير أننا حتماً نشعر بها في مكان ما داخل الشخصية، وبصورة خاصة من خلال علاقة لاريتشيف مع زوجته فيرا.

إذ أننا على المستوى الظاهري لهذه العلاقة سنرى أمامنا رجلاً قاسياً تقليدياً إلى أقصى حد، منذ اللحظة الأولى للزواج يوضح بصيغة الأمر الأساس الذي يجب أن تقوم عليه العلاقة بين الطرفين من وجهة نظره : الرجل عليه أن يعمل ويجني الأموال والمرأة عليها أن تعتني بالمنزل وتؤمن له الراحة داخله. وهذا الأمر ـ كأي أمر عسكري ـ غير قابل للنقاش والجدال وإنما للتنفيذ فحسب، وهو ما تذعن فيرا طواعية له، وتستمر في ذلك حتى عندما يطالبها بالتخلي عن "أبنائها" واحداً تلو الأخرى فيجبرها أن تجهض طفلها الأول، ومن ثم يأخذ أبنه الذي وجدت فيه تعويضاً عن أمومتها المفقودة بعيداً عنها ليضعه في مدرسة داخلية للأيتام، ومن ثم تخسر طفلي صديقتها ماشا سمولينا الممرضة في إحدى المشافي خلال الحرب عندما يقرر حملها معه إلى مكان جديد.

وهكذا يعيد الزوج الراضخ للمؤسسة العسكرية إنتاج ممارساتها القمعية الفوقية تجاه الزوجة التي ترضخ بدورها وكأنها فرداً في ذات المؤسسة، بينما يحدث ذلك في إطار المؤسسة الأبوية المهيمنة عليها. والحقيقة إن قسوة لاريتشيف تجاه فيرا تبدو أبوية بكل معنى الكلمة، والغاية منها ليس تحطيمها معنويا أو جسدياً ـ فهو لم يقم مرة واحدة بشتمها أو ضربها ـ وإنما حمايتها وتأهيلها للتكيف مع الواقع المحيط الذي لا يريد أن ينجب طفلاً في ظله، ويخشى ألا يستطيع طفله الأول التأقلم معه إذ ما أفسدته فيرا بدلالها وجعلت منه إنساناً هشاً. لنصبح أمام حالة من التجاذب والتماهي بين المؤسستين ـ العسكرية والأبوية في مواجهة المرأة التي تخضع لها بصدر رحب.

مع موت لاريتشيف يبدأ الجزء الثاني من الفيلم والذي لا يستمر أكثر من 45 دقيقة وتسيطر على مجرياته أربعة نساء: فيرا ووالدتها وفيرا الصغيرة أبنه ماشا والممثلة الشهيرة والمتقاعدة كونينا التي لم تعد أجواء المدينة تناسبها، فتنتقل للعيش معهن. أي أننا إزاء ثلاثة أجيال من النساء تعيش بمعزل عن الاستبداد الذكوري، لنعود إلى ذات الحالة التي بدأ منها الفيلم، مع عدة فوارق جوهرية، فالأسرة الجديدة لا تربطها صلة الدم وحدها لتنتهي هذه الصلة تماماً مع موت الأم، وهي إشارة واضحة إلى التفكك الذي أصاب الروابط الأسرية التقليدية داخل المجتمع السوفيتي والشكل الجديد من العلاقات التي حلت مكانها، كما لا يمكننا أن نتوقع أن يعيد التاريخ نفسه بالنسبة لفيرا الشخصية الرئيسية، فهي لم تعد تلك الفتاة المراهقة التي يمكن أن تنساق ببساطة وراء مشاعرها، وإنما امرأة ناضجة خبرت الحياة وعرفت حلوها ومرها في تنقلاتها المستمرة، وتوسعت الخيارات المتاحة أمامها بعد نجاحها على الصعيد المهني وإدارتها لفندق يتيح لها الاختلاط اليومي مع عدد غير محدود من الرجال. لكن توقعاتنا سوف تخيب تماماً، وتقع فيرا للمرة الثانية في حب رجل عسكري في عمر والدها وله الكثير من الأولاد والأحفاد. ولئن عارضت والدتها في المرة الأولى ارتباطها بلاريتشيف، نجد أن أعضاء أسرتها الجديدة يرحبون بخيارها ويفرحون لأجلها ويحزنون كذلك عند اعتقادهم أنه تخلى عنها، لتعود وتعم الفرحة الجميع عندما يطرق «الأب العسكري» بابهم مجدداً للزواج منها، وينتهي الفيلم مع هذه «النهاية السعيدة» بعد أن يذكرنا بلقطة في بدايته تجمع بين لاريتشيف بلباسه العسكري وفيرا بجمالها الروسي النموذجي. وهنا لا يعود ثمة لبس في المستوى التعميمي الذي يرتقي الفيلم إليه من خلال ربطه بين الجذور العميقة للنظام الأبوي في روسيا وبين تقبل المواطنين السوفيت للنظام التوتاليتاري طيلة سبعة عقود. ونشير في هذا السياق أن «ستالين أب الشعوب» كان أحد أكثر الشعارات تداولاً في المرحلة الستالينية التي تبدأ أحداث الفيلم خلالها، ونشهد معها تعميم العسكريتاريا على كافة بنى المجتمع بما في ذلك الأسرة، حيث المرأة هي الأكثر معاناة من بطش المنظومة الديكتاتورية ـ الأبوية وفي الوقت ذاته هي أكثر من خفف من تبعاتها على المستوى الإنساني.  [أمــــان]

مركز الأخبار - أمان - http://www.amanjordan.org/arabic_news - تحقيقات وآراء

رجوع مركز الأخبار - أمان - باركوا المرأة: عندما يستعاد التاريخ برؤية جديدة - تحقيقات وآراء

إطبع الصفحة