أ.د. عصام أحمد البشير/ وزير الأوقاف والشئون الإسلامية في السودان
** حقوق المرأة في القوانين الوضعية
وجدت المرأة اهتماماً متزايداً من القوانين الوضعية في القرن المنصرم، حيث تحصلت على حقوق عديدة في مجال العمل الوظيفي والعمل العام والمشاركة السياسية ترشيحاً وانتخاباً ونحو ذلك، غير أنَّ القوانين الوضعية في رحلة تطورها في شأن حقوق المرأة فقدت الاتزان وتأرجحت بين غمط لحقوق المرأة ومعاملتها كإنسان أقل درجة من الرجل في بدايات القرن المنصرم، وتحرر من كل قيد في نهاياته، بينما وقفت الشريعة الإسلامية عبر القرون موقفاً متزناً في شأن حقوق المرأة.. موافقاً للفطرة.. ومتناسقاً مع دور المرأة ورسالتها في الحياة.
** إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
لعل آخر تطور في شأن حقوق المرأة يتمثل في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) والتي تعرف في لغة أهلها بـ Convention Elimination of All Forms of Discrimination Against Women التي بدأت فكرتها بمعاهدة حقوق المرأة السياسية التي أعدتها مفوضية مركز المرأة بالأمم المتحدة وتبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ثم أعدت إعلاناً خاصاً بإزالة التمييز ضد المرأة، ثم أجازت ذلك الإعلان عام 1967م، دعا ذلك الإعلان إلى تغيير المفاهيم وإلغاء القوانين الظالمة والعادات السائدة التي تفرق بين الرجل والمرأة، مع الاعتراف بأنَّ المنظمات النسائية غير الحكومية هي القادرة على إحداث هذا التغيير.
بعد إجازة الإعلان بدأت مفوضية مركز المرأة بالأمم المتحدة في إعداد معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام 1973م وأكملت إعدادها في عام 1979م واعتمدتها الأمم المتحدة في 28/12/1979م وأصبحت سارية المفعول بعد توقيع خمسين دولة عليها في 3/12/1981م.
** موجز للإتفاقية
1ـ ترتكز الاتفاقية على مبدأ المساواة المطلقة والتماثل التام بين المرأة والرجل في التشريع وفي المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي التعليم والعمل والميراث والأنشطة الترويحية والرياضية وفي الحريات العامة وفي قوانين الأسرة وقوانين منح الجنسية وفي الحق في اختيار محل السكن والإقامة وفي الأهلية القانونية.
2ـ تشرح المادة الأولى من الاتفاقية معنى التمييز ضد المرأة، وتنص على التماثل التام بين الرجل والمرأة بغض النظر عن حالتها الزوجية.
3ـ في المادة الثانية وصف للإجراءات القانونية المطلوب من الدول الأطراف أن تتعهد بالقيام بها للقضاء على التمييز ضد المرأة، وتشمل سبعة بنود منها إبطال كل الأحكام واللوائح والأعراف التي تميز بين الرجل والمرأة في قوانينها واستبدالها بقوانين تؤكد القضاء على التمييز ضد المرأة.
4ـ المادة الثالثة تتناول التدابير التي يمكن أن تتخذها الدول الأطراف من أجل تطور المرأة وتقدمها على أساس المساواة مع الرجل بما في ذلك التشريع.
5ـ المادة الرابعة تحظر وضع أي أحكام أو معايير خاصة بالمرأة، بل توجب أن تكون القوانين عامة للرجل والمرأة سواء بسواء، وتسمح بوضع قوانين مؤقتة خاصة بالمرأة للإسراع بالمساواة مع الرجل، وتصبح ملغية بعد تحقق المساواة.
6ـ المادة الخامسة تلزم الدول الأطراف بتجسيد مبدأ المساواة في دساتيرها الوطنية وقوانينها الأخرى، وتبنّي التدابير التشريعية والجنائية، وإقرار الحماية القانونية ضد التمييز وتغيير القوانين والأعراف التي تشكل تمييزاً ضد النساء وحث الدول على العمل على تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على العادات العرفية المتحيزة لجنس دون الآخر، والممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية أو تفوق أحد الجنسين، كما تحدثت عن المسؤولية المشتركة لكل من الرجال والنساء في تنشئة الأبناء.
7ـ المادة السادسة تتعلق بوضع تشريعات مناسبة لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلالها في الدعارة.
8ـ المادة السابعة تنادي بالمساواة بين الرجل والمرأة في المجال السياسي ترشيحاً وانتخاباً ووظيفة وسلطة وصياغة للسياسات ومشاركة في العمل التطوعي.
9ـ المادة الثامنة تنادي بالمساواة بين الجنسين في تمثيل الحكومات على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية.
10ـ المادة التاسعة تنادي بالمساواة بين الجنسين في اكتساب الجنسية والاحتفاظ بها، وأن لا يفرض على الزوجة تغيير جنسيتها إذا غيَّر المتزوج جنسيته وكذلك بالنسبة للأطفال.
11ـ المادة 10 تنادي بمساواة الرجل ولامرأة في مناهج التعليم وأنواعه والتدريب والتلمذة الحرفية وتشجيع التعليم المختلط وإزالة المفاهيم النمطية عن دور المرأة والرجل في الأسرة والمشاركات الرياضية وإدخال معلومات تنظيم الأسرة في المناهج الدراسية.
12ـ المادة 11 تتعلق بضمان حقوق المرأة في اختيار المهنة وضمان الحقوق المتساوية مع الرجل في فرص العمل والأجر والضمان الاجتماعي والوقاية الصحية، وتدعو إلى حظر فصل المرأة عن العمل بسبب الحمل أو إجازة الأمومة، وتحث على تشجيع إنشاء مرافق رعاية الأطفال وتنميتها.
13ـ المادة 12 تدعو إلى اتخاذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية.
14ـ المادة 13 تدعو الدول الأطراف للقضاء على التمييز ضد المرأة في مجالات الحياة الاقتصادية (الحصول على القروض والرهون وغيره من أشكال الائتمان المالي والاجتماعي) والاشتراك في الأنشطة الترويحية والألعاب الرياضية وجميع جوانب الحياة الثقافية.
15ـ المادة 14 تدعو إلى أن تُكفل للمرأة الريفية حقوقاً مساوية للرجال في وضع خطط التنمية وتنفيذها والاستفادة من برامج الضمان الاجتماعي والتدريب وإنشاء التعاونيات والمشاركة في جميع الأنشطة المجتمعية وتوفير خدمات الإسكان والكهرباء والماء والنقل وتوفير الخدمات والمعلومات في مجال تنظيم الأسرة.
16ـ المادة 15 تمنح المرأة أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل في جميع مراحل الاجراءات القضائية وتنادي بإبطال كافة الصكوك التي تحدّ من أهلية المرأة القانونية وتنادي بالمساواة في قوانين السفر واختيار محل السكن.
17ـ المادة 16 تدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة في حقوق عقد الزواج وأثناءه وعند فسخه وتؤكد المساواة في حق اختيار الزوج وحق الولاية والقوامة والوصاية على الأولاد وحق اختيار اسم الأسرة والمهنة وحيازة الممتلكات والتصرف فيها والحق في تحديد النسل وتحديد سن أدنى للزواج.
18ـ المادة 17 تفصل طريقة تكوين اللجنة الخاصة بمراقبة تنفيذ الاتفاقية وتتكون من 23 عنصراً منتخبين من الدول الأطراف ومن المتحمسين للاتفاقية والذين يعملون على تنفيذ الاتفاقية بصفة شخصية لا كممثلين لدولهم.
19ـ المادة 18 تدعو الدول الأعضاء للتعهد برفع تقرير للأمين العام للأمم المتحدة عما تمَّ اتخاذه من تدابير تشريعية وقضائية وإدارية وغيرها من أجل إنفاذ أحكام هذه الاتفاقية في غضون سنة واحدة من التوقيع عليها، وتقرير آخر كل 4 سنوات يحتوي وصفاً منفصلاً لهيكل البلد القانوني والسياسي وضع المرأة في الدولة والمنظمات الطوعية وما اتخذ من إجراءات لتطبيق كل مادة على حده.
20ـ المادة 19 من الاتفاقية تختص باللوائح الداخلية لتنظيم أعمال اللجنة CEDAW بينما تختص المادة 20 باجتماعات هذه اللجنة وبمقتضى المادة 21 ترفع اللجنة تقريراً سنوياً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بواسطة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولها أن تقدم مقترحات وتوصيات عامة في تقريرها. ثم يحيل الأمين العام تقارير اللجنة إلى لجنة وضع المرأة بالأمم المتحدة بغرض إعلامها، أما المادة 22 فتجيز للجنة أن تدعو وكالات الأمم المتحدة المتخصصة للمشاركة في الاجتماعات في ما يقع في نطاق أنشطتها، كما تجيز لها طلب تقديم تقرير عن تنفيذ الاتفاقية في هذه المجالات.
21ـ تنص المادة 23 على أنَّ أحكام هذه الاتفاقية لا تمسّ أي أحكام تكون أكثر تيسيراً لتحقيق المساواة بين الجنسين وردت في تشريعات الدول الأطراف أو في أحكام اتفاقية دولية نافذة.
وتفضي المادة 24 أن تتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة ـ على الصعيد الوطني ـ التي تستهدف التطبيق الكامل للحقوق المعترف بها في هذه الاتفاقية.
بينما تبقى المادة 25 باب التوقيع على الاتفاقية مفتوحاً لجميع الدول، كما تبقى المادة 26 الباب مفتوحاً لطلب إعادة النظر في الاتفاقية عن طريق إشعار كتابي للأمين العام للأمم المتحدة.
22ـ حددت المادة 27 بداية تنفيذ الاتفاقية بينما اختصت المادة 29 بالتحفظات التي تبديها الدول وقت التصديق أو الانضمام، وقررت عدم جواز إبداء أي تحفظ يكون منافياً لموضوع الاتفاقية، كما قررت جواز سحب التحفظات في أي وقت بتوجيه إشعار للأمين العام للأمم المتحدة.
23ـ المادة 29 توضح آلية حل النزاع بين دولتين أطراف في الاتفاقية حول تفسير الاتفاقية أو تطبيقها، فتقرر التفاوض أولاً ثمَّ التحكيم الدولي عند طلب أحد الدولتين ثانياً، ثم المحكمة العدلية الدولية ثالثاً.
بينما تنص المادة 30 على حجية نصوص هذه الاتفاقية باللغات الست المعتمدة للأمم المتحدة.
** إتفاقية CEDAW في ميزان الإسلام
يمكن بيان تهافت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في النقاط التالية:
1ـ الاتفاقية مبدأها ومنتهاها ولحمتها وسداها هو المساواة المطلقة والتماثل التام بين الرجل والمرأة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والقانونية ونحوها.. وهذا مبدأ خاطيء للآتي:
أ ـ مخالفته لصريح القرآن، يقول سبحانه: "وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى".
ب ـ مخالفته لصحيح السنة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال"، والشق هو النصف المكمل وليس النصف المماثل الذي لا يختلف عن الآخر.
ج ـ مخالفته للعقل السليم، إذ أنَّ الاختلافات في بعض الوظائف الفسيولوجية بين الرجل والمرأة لا تحتاج إلى بيان، وهي تقتضي ـ عقلاً ـ وجود اختلافات في الوظائف الخارجية "الأدوار الحياتية" بالنسبة للرجل والمرأة.
2ـ الاتفاقية مشحونة بجو العداء بين الرجل والمرأة، فهي تصور العلاقة بين الرجل والأنثى كعلاقة ظلم تاريخي تريد أن تضع حداً له وترى أنَّ الحياة يجب أن تقسم بالتساوي بين الرجل والمرأة، وأنَّ الرجل إذا أخذ نصيباً أكبر فإنَّ ذلك على حساب المرأة، والصواب أنَّ الحياة ليست لهذا الضيق، بل هي رحبة فسيحة تسعهما معاً، ولكل دوره ووظيفته في تناغم وتكامل لإثراء الحياة وتحقيق التعارف والمودة والرحمة وحفظ النوع: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، ثم إنَّ اختلاف الأدوار الحياتية يقتضي اختلافاً في الحقوق والواجبات بلا ظلم.
3ـ الاتفاقية تنظر للمرأة باعتبارها فرداً مستقلاً وليس عضواً في أسرة فيها المرأة والرجل والطفل.
4ـ الاتفاقية تريد القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وذلك أمر لا يقبل عقلاً ولا منطقاً ولا وجداناً؛ لأنَّ التمييز بكل المعايير فيه الحسن وفيه القبيح، ولو استبدل اسم الاتفاقية باسم آخر كاتفاقية القضاء على جميع أشكال الظلم الواقع على المرأة لكان مقبولاً.
5ـ الاتفاقية ناقصة لأنها تحدثت عن حقوق المرأة وأغفلت واجباتها، فليس فيها بند واحد يلزم المرأة بواجب، والحق لا بد أن يقابله واجب حتى يحدث الاتزان المطلوب في المجتمعات.
6ـ المادة الثانية من الاتفاقية تخالف الشريعة الإسلامية بمحاولتها القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والشريعة تؤيد التمييز الإيجابي للمرأة الذي يكون لها وليس ضدها، وتقرر مساواة المرأة للرجل في الأصل وكرامة الخلق وفي المسؤولية وحمل الأمانة وفي الجزاء الدنيوي والأخروي والمساواة في استحقاق كل زوج لحقه وإقامة الشعائر والاحتكام للشرائع وسمو الأخلاق، ثم تقرر التمييز الإيجابي لاختلاف بعض الوظائف الفسيولوجية للمرأة عن الرجل، فالمرأة لا تصلي ولا تصوم عند حدوث عارض أنثوي، ولكنها تساوي الرجل في قصر الصلاة في السفر والمرض، وتقرر التمييز الإيجابي عندما تحدد للرجل مسؤولية الإنفاق على الأسرة وجوباً يعاقب عليه إن أبى أو قصر، ثم لا تساويه في الميراث في حالات محدودة.
وحتى في الميراث فلا ظلم يقع على المرأة في التشريع الإسلامي، إذ أنها تأخذ أحياناً نفس نصيب الذكر إذا كانت أماً وتوفى ولدها: "وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ"، وكذلك في حال الأخوة والأخوات من الأم: "وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ".
إنَّ الإحصاء للنسبة المئوية للحالات التي تأخذ فيها الأنثى نصف نصيب الذكر كشف أنها تساوي 13.33% فقط، والباقي 86.67%، أما أن ترث مثلما يرث الذكر أو أكثر، فضلاً عن إرث الرجل في أغلب الأحوال يكون عاصباً منتظراً لما يفضل من أصحاب الفروض والأنثى في أغلب أحوالها 90% تأخذ نصيبها فرضاً، هذا ولا يعزبن عن البال أنَّ الأنثى مصونة مكرَّمة من الشريعة الإسلامية وأن وليها (الأب أو الزوج) ملزم بسكنها ونفقتها ونفقة أولادها ولا تكلف بأن تنفق ديناراً واحداً ـ إلا عن طيب خاطر ـ مهما كانت غنية، وأنها في أهليتها المالية مثل الرجل كما سبق بيانه، ليس لأحد عليها ولاية سواء كان أباً أو زوجاً، وللمرأة حق التصرف بالبيع والإقالة والخيار والسلم والصرف والشفعة والإجارة والرهن والقسمة والإقرار والكفالة والصلح وغيرها من سائر العقود والالتزامات.
7ـ المادة الثالثة تتعلق بالاجراءات التي تمكن المرأة من ممارسة الحقوق والحريات الأساسية على أساس المساواة مع الرجل، ولم تحدد المادة هذه الحقوق ولا الحريات ولم يتضح بعد ما إذا كانت تتضمَّن ما يعرف بالحقوق التناسلية التي وردت في وثيقتي المرأة والسكان العالميين أم لا؟
8ـ المادة الرابعة تخالف الفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية بين الجنسين، وتتجاهل الاختلافات الفسيولوجية إذ أنها تحظر وضع معايير خاصة بالمرأة وتسمح فقط بوضع قوانين مؤقتة خاصة بالمرأة للإسراع بتحقيق المساواة، وعندها تصبح ملغية.
9ـ المادة 5 دعت إلى القضاء على الأدوار النمطية للمرأة، وتعني بها دور الأم المتفرغة لرعاية أطفالها، وفي هذه المادة نقض لعرى الأسرة ومخالفة لقوله تعالى: "بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ".
كما نادى تفسير الأمم المتحدة بوضع نظام "إجازة الآباء" لرعاية الأطفال وتوفير شبكات دور رعاية لهم، كما وصفت المادة 5 وظيفة المرأة بأنها وظيفة اجتماعية يمكن أن يقوم بها أي شخص، وفي هذا مساس بمفاهيم مستمدة من قواعد دينية ومحاولة لتفكيك نظام الأسرة وإخراج جيل حاقد مجرد من جوانب العطف والحنان التي يكتسبها من الأمهات سواء عن طريق الرضاعة أو الحضانة أو غيرها.
10ـ الحقوق السياسية التي أشارت إليها المادة 7 لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية إلا في ما يختص بالولاية العامة التي ذهب كثير من الفقهاء إلى عدم جوازها.
11ـ تمثيل المرأة لدولتها في المحافل الدولية الذي نادت به المادة 8 لا يخضع في نظر الإسلام لمعيار النوع "ذكر أو أنثى"، بل يخضع لمعيار القوة والأمانة والكفاية.
12ـ المادة 9 تتعلق بهوية المرأة وحقها في التجنس.. وإعطائها حقاً مساوياً للرجل فيما يختص بجنسية أبنائها، وهذا يخالف الإسلام لقوله تعالى: "ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ"، وهي خاضعة للسياسة الشرعية وترجيح مصلحة الطفل وما يتعلق بذلك من حضانة وتنشئة.
13ـ المساواة المطلقة في مناهج التعليم وأنواعه في شروط التوظيف والتعليم المهني التي نادت بها المواد 10 و 11 وتشجيع التعليم المختلط تخالف الفطرة السليمة وقواعد الشرعية الإسلامية والفروقات الفسيولوجية التي أشرنا إليها آنفاً تقتضي أن تختلف مناهج التعليم في الأمور التي تؤثر فيها هذه الاختلافات الفسيولوجية، كالأعمال الشاقة للمرأة، أما التعليم المختلط للبالغين فهو حرام شرعاً، لما يجر إليه من مخالفات شرعية ومشاكل اجتماعية.
كذلك المساواة المطلقة بين الذكور والإناث في الأنشطة الرياضية لا يقرّها الشرع، إذ أنَّ طبيعة بعض الأنشطة لا تتناسب مع تكوين المرأة.
14ـ المساواة في الخدمات الصحية بين الرجل والمرأة التي نادت بها المادة 12 لا غبار عليها، غير أنَّ توفير موانع الحمل للأنثى عموماً دون تحديد لارتباط ذلك بعلاقة شرعية (الزواج) أمر يقرّ الفاحشة ويشيعها ولا يرضاه الإسلام.
15ـ الاستحقاقات الأسرية التي طالبت المادة 13 بالمساواة فيها بين الرجال والنساء والتي تشمل المساواة في الميراث أمر يخالف الشريعة الإسلامية ويظلم المرأة، وقد فصلنا في موضع سابق كيف أنَّ الإسلام أنصف المرأة في أمر الميراث.
16ـ المادة 14 تغلب إشراك المرأة الريفية بالعمل بأجر خارج البيت على دورها كأم وزوجة، والأنشطة المجتمعية التي ذكرت في نص المادة مبهمة وتحتاج إلى توضيح، كما أن توفير خدمات تنظيم الأسرة في الريف أكثر خطورة منه في المدينة؛ لضعف المتابعة الصحية في الريف.
17ـ المادة 15 تمنح المرأة أهلية قانونية متساوية مع الرجل وتنادي بإبطال الصكوك والقوانين التي تحدّ من أهلية المرأة القانونية، كما أنَّ البند 3 من المادة 15 يخالف الشريعة الإسلامية التي جعلت شهادة رجل تساوي شهادة امرأتين وتخالف رأي الجمهور في عدم قبول شهادة المرأة في الحدود والقصاص، وهذا الفرق في الحكم ناتج من الاختلافات الفسيولوجية التي أشرنا إليها، فالرجل أضبط من المرأة في الأمور المالية، وقد سلف القول أنَّ بعد المرأة عن الاحتكاك بمواطن الجرائم والعدوان على الأنفس والأعراض والأموال وعدم ضبطها لعواطفها عند وقوع هذه الحوادث وغلبة الصراخ وإغماض العينين ونحوه عليها يجعل شهادتها غير مقبولة عند جمهور العلماء ـ هذا ويرى بعض الفقهاء قبول شهادة المرأة في الحدود والقصاص ـ وقد قرر بعض أهل العلم أنَّ الصحيح أن تقبل شهادة المرأة ما دامت عادلة ضابطة واعية.
وقد سبق أن بينا أنَّ شهادة المرأة في ما يتعلق بأمور المرأة مثل شهادة الرجل، وهذا ما ذكره القرآن في شهادة اللعان حينما يقذف الرجل زوجته وليس له على ما يقول شهيد: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ* وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ".
أما الفقرة 4 من المادة 15 والتي تقضي بحرية التنقل والسكن فتتعارض مع مبدأ قوامة الرجل وضرورة استئذان المرأة لوليها قبل الخروج أو السفر، وقوامة الرجل للأسرة أمر يستسيغه العقل، فالأسرة مؤسسة ولا بدَّ لها من قيادة تتخذ القرار بعد مشاورة الأطراف، وهذه القيادة هي الرجل، أما جو الندية والعداء الذي شحنت به الاتفاقية فلن يؤدي إلا إلى تفكيك هذه المؤسسة "الأسرة".
18ـ المادة 16 تدعو إلى المساواة بين الذكر والأنثى في الزواج عند العقد وأثناء الزواج وعند فسخه وحق اختيار الزوج وحقوق الولاية والقوامة والوصايا على الأولاد وحق اختيار اسم الأسرة، والمادة تخالف الشريعة الإسلامية التي قسمت الأدوار في الأسرة بين الرجل والمرأة ولم تجعلها متساوية متطابقة، فلكل حقوق وعليه واجبات.
ففي الإسلام عند عقد الزواج لا بد من رضى الزوجة، كما لا بد ـ عند الجمهور ـ من ولي للزوجة وحضور شاهدي عدل، كما لا بد من مهر يقدمه الزوج للزوجة، أما أثناء الزواج فتقوم الحقوق على الآتي:
1ـ المساواة: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ"، أي أن كل حق للمرأة يقابله واجب للرجل، وكل واجب للرجل يقابله حق للمرأة.
2ـ القوامة ومعناها القيام بشؤون الأسرة ورياستها وحماية أفرادها؛ وذلك لأن الرجل مكلف بالإنفاق على الأسرة وتوفير احتياجاتها من مسكن وملبس ونحوه.
3ـ التشاور في شؤون الأسرة، ويمتد حتى بعد الطلاق في شؤون الأولاد.
4ـ التعامل بالمعروف وحسن المعاشرة، لقوله تعالى: "وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ" "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ".
5ـ على المرأة حضانة الطفل في سنواته الأولى والإشراف على إدارة البيت وطاعة الزوج في المعروف.
6ـ على الزوجين التعاون في تربية الأولاد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
7ـ على الرجل معاونة زوجته في أعمال البيت اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما عند فسخ العقد فإنَّ الزوج هو الذي يملك حق فسخ الزواج، إلا إذا اشترطت عليه الزوجة أن تمتلك هي هذا الحق عند العقد ووافق على ذلك، أما إذا أرادت الزوجة فسخ العقد دون أن تشترط على زوجها ذلك فيمكنها:
أـ طلب الطلاق عن طريق القاضي إذا تضررت من الزواج.
ب ـ مفارقة الزوج عن طريق ما يعرف بالخلع، وهو الطلاق مقابل عوض مادي.
أما أن تختار الزوجة اسم الأسرة فليس لها ذلك، كما أنه ليس للزوج أيضاً، فاسم الأسرة في الإسلام يورث ولا يختار، والنسب يكون للأب، وانتساب المرأة لزوجها دون أبيها ظلم لا يقره الإسلام ولا الأعراف العربية.
أما خطوبة الطفل وزواجه في الإسلام فيصح عقد الصغير وتتوقف الإجازة على البلوغ.
أما تنظيم النسل في الشريعة الإسلامية فجائز عند رضى الزوج والزوجة بعد تشاورهما.
المواد: 17، 18، 19، 20، 21، 22، 23، 24، 25، 26، 27، 28 مواد إجرائية تدخل في نطاق السياسة الشرعية التي يكون فيها مندوحة للاجتهاد، والملاحظ أنَّ هذه المواد تكرّس لاستعمار داخلي جديد ولوجود دولة داخل دولة، كما أنها تعطي لجنة المراقبة التي ورد ذكرها في المادة 17 حق تفسير الاتفاقية ورفع التقارير والتوصيات.
** الخلاصة
إنَّ موضوع المرأة من الموضوعات التي ينبغي أن يوليها المصلحون كلّ عناية ورعاية واهتمام، وما ضاع المسلمون إلا يوم ضاعت المرأة، فأصبحت مقصومة الظهر، مهيضة الجناح، لا تستطيع أن تقوم بواجب ولا أن تنهض بمسؤولية، ولا أن تخرّج رجالاً، كيف وفاقد الشيء لا يعطيه. إنه لواجب كبير على أهل الإصلاح أن يقفوا من قضية المرأة وقفة عدل وإنصاف يضعون عنها إصر الجاهلية يناصرون قضيتها، ويشدون من أزرها غير مسرفين ولا مفرّطين.
*المادة المنشورة، والمادة المنشورة بحث قدم لندوة "حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية، والقانون الوضعي" التي أقامتها أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية – الرياض.
 