الأربعاء, 30 تموز 2014

أرسل دراسةً

إحصائيات

الصفحة الرئيسة

جديد الدراسات

الصفحة الرئيسة / أمان

بحث عن دراسة

 
 الأقسام
أبحاث
أوراق عمل
حلقات تلفزيونية
دراسات
محاضرات

 دراسات

0- 0000 - 00: 0
المراة العراقية والعنف

عبد الامير الركابي

وضع البحث الحالي في اطار عمل بحثي عالمي مشترك حول المراة العربية والعنف تركز على حالات فلسطين والعراق ولبنان وهو بصدد التوسيع كي يشمل الجزائر واليمن والمساهمة الحاليه هي الاسهام الرئيسي في البحث الذي سيصدر باللغتين الانكليزية والفرنسيه في كتاب يضم الابحاث والمساهمات الاخرى، وهو ينشر بمبادرة مكاتبه في " كتابات " خصيصا ويصورة حصرية.

ينصب هذا العمل على محاولة استخراج عينه مطابقة للهدف الذي يحدده مشروع البحث برمته، علما بان مثل هذا الاختيار قد يضعنا خارج المجال المفترض لاي بحث، فالامر في الحالة التي نحن بصددها أي في حالة العراق بالذات، لاتتيح مجالا للخروج باستخلاصات دقيقه وتتوفر على الحد اللازم من الصحة منهجيا، او حسب اشتراطات البحث المتعارف عليها الا اذا جزء البحث الى مستويين: الاول يتعلق بالعينه المقصوده، وخصائصها، وهذا جانب يتركز حتما على مجال البحث الاولي، ويمكن ان يستغرق جهدا غير عادي، لانه محاولة تاسيسيه متاخرة، ولكن لامهرب منها، لتوخي الاقتراب من مقتضيات الدقة العلميه، والثاني، قد يذهب لتقرير بعض من الاسخلاصات التي يمكن ان تتيحها مناسبة محدودة كالتي نحن بصددها هنا.

لقد اخترنا لزيادة المطابقة بين سياق بحثنا والمطلب المفترض للمشروع بذل جهد خاص، فحاولنا قدر ما هو ممكن، ان نمزج بين البحث عن العينة الضائعه ـ المراة ودورها في سياق عملية العنف الاجتماعي في العراق ـ وبين ماتقدمه هي بذاتها، وفي حالتها الاوليه، من استخلاصات اودلالات، لانعتقد ابدا انها يمكن ان تدعي الشمول، ونحن نعارض هنا بوضوح، الفرضيات التعميميه المتداولة بكثرة، في الصحافة ووسائل الاعلام والدوريات العراقيه وبعض الكتابات العجوله، مع ملاحظة ان هذا كله يشكل فيضا جاهزا، يمتاز عادة بالجراة الزائده عن الحد، لدرجة تعميم الانشائيه وغالبا الايديلوجية السياسيه.

هذا مع ان علم الاجتماع العراقي المعروف، وبدايات الدراسات الانثروبولوجيه، التي تعود الى الخمسينات من القرن الماضي، لم تكن تطمح الى اكثر من وضع تاسيسات عامه، ذات طابع نظري واكاديمي اولي وتمهيدي، ولكن على غير ما هو متوقع، اصبحت لهذا الميدان التماعاته ايضا، انما بالمفهوم الخاص بالمزاج العام، والمقبول جماهيريا، كما هو الحال مع معظم كتابات الدكتور على الوردي الذائعه عراقيا وفي الاوساط البحثية العربيه، ويجب ان يذكر اسم الانثروبولوجي مصطفى شاكر سليم، الذي وضع بحثا مهما عن ))الجبايش(( ـ منطقة الاهوار في جنوب العراق ـ في اوائل الخمسينات، واتخذ اسم اخر مهم في علم الاجتماع العراقي المعاصر، هو عبدالجليل الطاهر، منحى التركيز على العشيره، باعتبارها خلية التكوين الاجتماعي العراقي، متابعا مجاله هذا ترجمة وتحقيقا بالدرجة الاولى وتاليفا تميز بقدر لاينكر من الجديه.

لا يوجد اسم رابع يمكن ان يضاف لهؤلاء، وهذه ظاهرة مؤسفة، لها هي الاخرى مغزاها ضمن سياق تطورالافكار الحديثه في العراق المعاصر، فالظاهرة ذاتها يمكن ان تلاحظ في ميادين عدة ثقافيا وفكريا، حيث الاربعينات والخمسينات، تمثل سني انبثاق حزمة مكونات القفزة الفكرية والبحثية المعاصره، وهذا يمكن العثورعليه متزامنا، في مجالات الادب والتاريخ، وحتى العلوم التطبيقيه كما في البحث والتاليف الاقتصادي، وايضا في مجالات الحركة السياسيه ولحظة نضجها الاولى.

غير ان بقاء علم الاجتماع العراقي عند المستوى الاولي والتاسيسي، القى على ماهو متوفر من ابحاث، طابعا وصفيا، وافرغه من المعطيات الملموسة ناهيك عن الابداع المتصل بالخصوصيه، وفي الحالات التي كان فيها الباحثون يتميزون بالغزاره، كما هو حال باحث كعلي الوردي، فلقد ظل نتاجه مغرقا بالميل الى المعالجات التاريخيه، ولانه كان يطمح الى تغطية مساحات واحداث تمتد لقرون من التاريخ الحديث، فقد افتقدت مجهوداته الى حد كبير، ما هو مطلوب من المصداقيه العلمية، وكل هذا ترك البحث خاصة في الشان المتعلق بمسالة المراة، وموقعها المعقد والخاص، من دون مقدمات، وكدنا نقف لهذه الجهة امام فراغ، سيجعل كل مايمكن ان نقوم به هنا اقرب الى الاجتهاد، منه الى اي مستوى من مستويات البحث المحال الى اسس ومصادريركن اليها.

وربما تكون مشكله هذه المحاولة اكبر بكثير من ذلك، فاذا كان ميدان المصادرالمتوفرة على هذا المستوى من عدم الصلاحيه، فانه قد اتاح مجالا اوسع لظاهرتين مناقضتين لكل سعي يهدف للحصول على سوية تحليليه مقبوله، ففي التاريخ العراقي المعاصر انتقل المجتمع بسرعه، من الثقافة الشفاهيه الى الايديلوجيا، ومن خواص هذه الحقبه من تاريخ العراق، ان نشوء الدولة الحديثة، قد جاء وكانه انبثاق من عدم، والاحداث التاريخيه التي عرفتها البلاد، خلال ثلاثة او اربعة قرون من تشكل المجتمع العراقي الحديث، لم تقنن، ولم ترافقها ثقافة تدوينيه، وحتى الشعر الطاغي على النشاط الثقافي كليا لم يكن مدونا، ويوجد في القرن التاسع عشراول مؤرخ يعتد به هو "ابن سند "الذي يعرف على انه مؤرخ الوالي ـ داود باشا ـ واهم مافعله هذا، انه وضع كتابا معروفا باسم ـ مطالع السعود ـ مكتوب على النمط التقليدي، بحيث يمثل سجلا مدينيا وتدوينا سلطانيا، يقف وراء الاسوار حيث تتحصن السلطة معزولة عن المجتمع، وعدا بعض التواريخ القليله ذات الدلالة، مثل الاشارة الى المعارك والوقائع التي خاضها الوالي داود باشا فبل او خلال فترة ولايته غير العاديه (1817 – 1831 ) وتواريخ بدء تشيع القبائل العربيه السنيه في وسط وجنوب العراق، لن نجد في هذا الكتاب اي ملمح مفيد لمجالنا.

والتركة الاثقل تاتي لاحقا، فالثقافة التي سادت خلال القرن الماضي، كانت ماخوذة بطغيان الايديلوجيا، وهذه هي التي شكلت منظور الكتاب، ومن يعدون باحثين، خلال هذه الفتره، فقام هؤلاء بترويج مفاهيم، صادرت مضمون ودلالات الثقافة الشفاهية، وحكمت عليها بالرضوخ للرؤى السياسيه المباشره، وفي حالة كهذه، لم يعد من المفيد الرجوع الى الاداب، التي يشاع انها تعكس بهذا القدر او ذاك واقع المراة، وحقيقة دورها ومكانتها، ومن هذا المدخل تسربت نزعة غريبة، تصر على جعل النساء العراقيات، راعيات للعنف الاجتماعي الموجود هنا في قلب الصيرورة الاجتماعيه والتاريخيه، واعتبرت النساء بداهة، مشاركات في العنف، كدليل على كونهن مساويات للرجل، ومن المعتاد ومااصبح بمثابة قضية لاخلاف عليها، ان غدت النسوة المتحمسات لنسويتهن والمسيسات على وجه الخصوص ، يعتقدن بانه من المعيب ، ان لايكون دور جداتهن وامهاتهن مساويا لدور الرجال، ولا ضير حتى، ان وضع هذا المفهوم وفقا للمقاييس ـ الرجوليه ـ الامر الذي كان يحط دون ان يدرين ، من مكانتهن بدل ان يعليها، ناهيك عن انه يطعن الحقيقه، ويشوه خواص ومكونات واليات العينه الاجتماعيه العراقيه مجال البحث، ويبرز هنا موضوع القتال، والحرب كقيمة ذكورية عليا، ليغدو مجالا للمنافسه الحماسيه المتطرفة، مع صنف الرجال احيانا، وغالبا مايكون الشعر، المفسر من دون تدقيق، واحيانا بتزوير اعتباطي كامل، هو محل الاستدلال، خاصة وان دور المراة فيه، كان ينم بالفعل عن حضور قوي، بدليل وقائع وادب الثورة الوطنيه الكبرى عام 1920 ، ولكن هل يمكن الركون الى مايتداول عادة من ادب بهذا الخصوص، او ما يعتبر بالتواتر والتكرارمن قبيل الوقائع الاكيده.

حسب تجربة خضتها شخصيا عام 1973 ، عندما كنت التقي بعض الرواة في الفرات الاوسط، لم اتمكن من الثوثق من كثير من الاشعار المتداوله، بينما توصلت الى شبه يقين، بخصوص بعضها، اذ يبدو صحيحا بيت الشعر الشهير ))هزيت ولوليت لهذا(( والذي ردت به امراة ام على زوجها العائد من المعركة، ونادها وهو مقبل معزيا ))جن ماهزيتي ولوليتي ((والدلائل تشير، الى ان الحادثة جرت في منطقة، بين السماوة والرميثة، حيث اشتعلت اولى شرارات ثورة العشرين.

كنت انذاك مشغولا بالتحضير لمقالي الذي نشرته في جريدة ـ الفكر الجديد ـ بمناسبة ذكرى تلك الثوره، التي تفجرت في اخر يوم من شهر حزيران، واردت ان اتحدث فيه بشئ من التدقيق عن الشعر في الثورة، غير انني ارتكبت رغم حذري، اخطاء تاكدت منها في اوقات لاحقه ، ومع انني لم اكتب مستدركا ، وخشيت من ان اقحم نفسي وسط معركة خاسرة، في لحظة طغيان لاتقاوم للايديلوجيا ، الا انني اصبحت ميالا بمرور الوقت، لان اصادق بناء على الدلالات والشواهد، على بيت شعر آخر، قيل في غمرة معركة الشعيبه، التي جرت في جنوب العراق ضد الانكليز ، فالام التي جاءت الى ساحة القتال تبحث عن ابنها المدعو ـ جنيدي ـ وعثرت عليه بين القتلى ميتا، وانامله مغروسة في رقبة جندي بريطاني، والبريطاني يغرز فيه حربته ، وقفت في المكان وقالت )) حي ميت تقتل ياجنيدي ((، ممارسة بذلك ، نوعا من ردة الفعل الشعرية المعتادة في التقاليد العراقيه ، خاصة في الحروب، والفواجع ، وامام قوة ورهبة الموت، ولكن الكثيرين يخلطون التواريخ، ولايترددون في وضع هذه الحادثة، على ذمة ثورة العشرين، مع انها حصلت مع اول دخول الانكليز للعراق، من جهة الفاو قبل هذا التاريخ بست سنوات.

لماذا نقبل بعض الاشعار ولانقبل غيرها، بالطبع الايديلوجيا تحتكم الى ما تعتبره مطابقا لنزعتها في اثبات تساوي الادوار، بين الرجال والنساء، خلال الاحداث الكبرى، وبالاخص الثورات المسلحة التي يصادق الجميع، على توافقها مع ماياتي في اعلى سلم القيم الاجتماعيه وفي هذا المجال نعثر بلا توقف، على حضور مستمر لقوة الثقافة الشفاهيه، بقدر ماتعلي هذه من قيم الوطنيه في عهد ماقبل الدولة الحديثه ، عنما كانت هذه ماتزال تتفاعل من دون تقنينات منهجيه ونظريه.

اذن هنالك من جهه علم اجتماع اولي وهامشي، وقوة ايديلوجيا طاغية، وفعالية ماتزال حاضره للعناصرالتي تشكلت منها المفاهيم، في عهود ماقبل الدولة الحديثه، وبين تداخل، او تفاعل هذه العناصر لم يكن احد يتوقع، اكثر من حالة صيرورة استمرت خاما بالاجمال ، اي ان حقل البحث الجاري التعامل معه ، ظل حقلا بكرا برمته ، وليس فقط في الجانب الذي نريد معالجته، وقد يكون من حسن الحظ، ان جوانب من خاصيات وانماط التفكير العراقي، قد تم بحثها من قبل دارسين لمحددات الحضارة العراقيه، بناء على شروطها التاريخيه، كما انبثقت عند بداياتها الاولى، ولكن تلك الخلاصات تنتمي بالاحرى، الى نوع المعالجات المخصصه للاكتشاف التاريخي والحضاري العام، اكثر منها معالجات للنواحي الاجتماعية، التي يهمنا التعرف عليها هنا، وغالبا هي لا تصلح للتطبيق على الظروف الحاليه، ولكن هذا المدخل، لايبدو اقل قيمة، من غيره، مما هو متوفر ومتاح، لابل غالبا ماكانت بعض التحديدات، الوارده من قبل الباحثين في هذا المجال، ثاقبة لدرجة انها تتفوق من حيث القيمه، على كل ما انجزه الباحثون الايديلوجيون، او اساتذة علم الاجتماع العراقيين المعاصرين من آراء ، ومن المؤسف ان نقول ، بان تلك الاراء المكتوبه من قبل باحثين اجانب ، وحول قضايا غير مخصصه للنظر في الجانب الاجتماعي، تمتاز بصلاحية، وتتيح فرصة لنا ، كي لانجد انفسنا مضطرين في مناسبة كهذه للبدء من نقطة الصفر.

ولا يجب ان يفهم من هذا التنويه، اننا نريد ان نوافق على اي من الاستنتاجات الموضوعه من قبل الكتاب الغربيين ممن بحثوا في الحضارة العراقيه، ومع الموافقة على انه غالبا مايكون الايحاء المستخلص من تلك الابحاث، اكثر فائدة من استدلال نستخلصه من اجمالي النتاج المحلي، الا ان معنيين بان، نعين ماهو حري بان يجتذبنا بين ما انجزه هؤلاء، علما بانهم هم ايضا قد عجزوا، وفي اجمالي الحالات، عن ان ياخذوا النموذج العراقي بذاته، وباعتبارمعطياته الخاصه، فاضطروا دائما، لاجراء مقابلات ومقارنات على سواه، او على مااعتبروه دائما، نقيضا له من الحضارات القريبه، وبالاخص الحضارة المصريه، وهذا من دون ادنى شك، دليل آخر لمن يريد ان يتاكد اكثر من جسامة مشكلات البحث الحالي، ومصاعبه، فهنالك في اكثر من مجال حيوي، نقص يحول دون استكناه جوهر الموضوع مجال الدراسه.

** الشاعرية ومعاندة الفناء

لا يتوقع والحالة هذه منا ، سوى ان نجازف عارضين موضوعات ، سنحاول ان نسندها الى وقائع، واحداث، او الى تجارب معاشه ، ولكن هذا لن يتوفر اذا لم نوفق للعثور على بداية ما، مدخل تقييمي، لعنصر حاسم من عناصر الاستدلال، مثل الشعر، فاية مقاييس يمكن ان نعتمدها كي نتوثق قبلا من القيمة الاستدلاليه لهذا الجانب الحساس من معطيات الحالة التي نحن منشغلين بها؟ سنقترح فكرتين للقياس: الاولى سنطلق عليها اسم ـ قوة الحاجة لمقاومة الفناء ـ ان المنظور الذي تعتمده معظم الدراسات بخصوص حضارة العراقيين، ورؤيتهم للعالم ، لاتدلنا على هذه الناحية ابدا ، وبينما يخوض الباحثون، محاولين فهم النمذجات التي يعالجها العراقيون ، في ادابهم ، وفلسفتهم ، فانهم لايضعون ايديهم على السبب، وراء قوة الحاجه للجوء الى الفعاليه الشعرية المبكره ، ولا على دوافع هذا الابتكار، وقوة حضوره العملي ضمن حفظ توازن وجود الانسان في هذا المكان.

ومع ان هذا النقص قد وضعت له تبريرات مفترضه ، خاصة ، واننا نتحدث عن جانب من بحوث استشراقيه، تظل تحكمها منظومة منهجيه ، اصبح من الشائع اعتبارها غير قابله بنويا لمطابقة الحاله مدار البحث، الا ان مجمل تلك الدراسات نفسها، هي التي اعطت عن شروط الحياة في الحضارة العراقيه، ملامحها الاكثر دلالة ، وبهذا تكون قد اوحت لنا، ومنحتنا، فرصة ان نعتقد بان من بين اهم ماكان وسيظل يشكل الاستجابات اللغوية والابداعية الشعرية لدى العراقيين، هو حاجة دائمه وملحه الى قهر الموت ، طبعا هذا الهم موجود في كل الحضارات ، والانسان كان ومايزال يريد مقاومة الموت ، ولكن في مكان من دون كل الامكنة والحضارات، تصبح هذه المهمه نمط حياة بديلة، وموازيه، والانسان يكون مستبطنا هنا، لحياة اخرى، لانه لايواجه الموت الطبيعي للجنس /لجنسه هو وحسب، بل يجد الموت مخيما على وحاضرا في كل لحظة وراء كل مايحيط به ويشكل مجال وجوده.

قبل ان نعود الى هذه الفكرة، وحتى لانطيل الحديث في جانب، يمكن ان يعتبر خارج مجال بحثنا، سنذكر بيتا من الشعر، قالته امراة من المنتفك، في حدود القرن التاسع عشر، على اثر معركة جرت قرب الكوت، وقتل فيها، قائد جيوش المنتفك المدعو ـ سالم ـ وهزم جيشه القبلي ، بعد ان خاض معركة رهيبة ضد الاتراك ، سدت فيها آذان الجمال بالقطن والزفت ، لكي لاتجفل من اصوات المدافع، فما ان عاد المهزومون لديارهم حتى صدحت تلك المراة تقول: سالم ياغرنوك ، طاسه وخذوها الروم ، بيش احلب النوق.

وانني اصادق كليا على صحة هذا البيت الشعري الملحمي ، ليس لجزالته التي تنتمي بلا لبس الى "الحسجه" العراقيه ، وثباته لامتحان الزمن ، وانما لان بناءه ، يدلني مباشرة على هذا النوع من النمذجة التاريخيه ، المناقضة لوجود مبدد على طول الخط ، ان معاكسة الموت، لاتتوقف فقط عند الوصف ، والكلمات تتوالى مشكلة معنى الخلق المقابل : الحليب الذي هو درة الحياة ـ لمن يعرف قيمة هذه المادة عند البدو فهم يقسمون به كاعلى قيمه من فيم الوجود قائلين "وحق هذا الدر"ـ ثم الوعاء ، حيث يحس المتلقي ، اختصارا مهولا للواقعة ومعناها ، وهويقف امام فراغ ، يمنع مادة الحياة عن ان تصل الى من ينتظرونها ، فتحبس دورة الحياة، هذا هو نفس التعامل الاحيائي للمشهد الذي رسمته ام جنيدي في الشعيبه ، عندما بادرت فجاة لتختارالانفكاك من واقعة الموت ، بان تمدها موصلة اياها بعالم اخر، لقد تداخل هنا ، مع جنيدي المقتول ، والمتروك وسط مشهد ينتمي الى الحياة لا الى الموت ، حدا الحياة والموت ، فذهبت الشاعرة لأعلاء الحالة ، وانتصرت بالكلمات على الفناء المغلف داخل المشهد ، طردته لتستوحي منه قوة متعالية على الموت.

وهنا نتعرف عادة على اصل الموسيقى الوصفيه ، الكامنه في قلب الشعرية العراقيه ، فهذه تحضر باعتبارهاوسيلة للحفظ الشفاهي بالايقاع ، يفرض مواصفات على الايقاع نفسه ، ويتحول الى عنصرمساعد على كمال الشعريه المقاومة للموت ، وسندع جانبا التساؤل العادي ، عما اذا كان من المنطقي اجراء مواءمات بين صلة العراقيين بالكلمة في الماضي ، اي ابان حضاراتهم القديمه ، وصلتهم الحاليه بها ، ومن المبالغة ان نعتبرالصورة الحاليه بمثابة عينة تطبيقيه ، عما كان عليه الانسان قبل عشرات من القرون ، غير انه من المؤكد ان الكلمة في الثقافة العراقيه ، تعلو عن ان تكون وسيلة للتخاطب ، واذا كانت قد تحولت الى حاوية للشعور ، فانها قد ابتعدت كثيرا عن ان تلعب دور الاداة المتحكم بها من قبل الانسان ، ففي مجرى الحياة اليوميه ، تصبح الكلمات عالما يسكنه البشر ، ويتحول الى قوة حاضره ، توحي له بوجود آخر مفارق ، ان خروج كل الاشياء من نطاق المتحقق المضمون ، بما في ذلك ، الجهد العادي في الارض ، ناهيك عن التهديد الدائم في مصب خصب ، تتحفز باتجاهه ، السلالات والاقوام آتية من جميع جهاته الجرداء ، جبالا وصحارى.

كل هذا وسواه ، من تقلبات المناخ ، وبرد واوحال الشتاء ، ولهيب الصيف الحارق ، ورخاوة الارض الطينيه ، مع فيضانات النهرين ، المعاكسة للدورة الزراعيه ، وما ينشا عنه من تغير مواضع الزرع والزراع ، قد جعل ماهو ملموس ، بعيدا وغيرقائم ، وقطعا ليس باكيد ، وفي جميع الاحوال عرضة للتهديد ، بحيث لايعود الموت المقرر على البشر ، هومصدر الفاجعة الوحيد ، فكل شئ معرض لان يذهب هباء ويتبدد بين لحظة واخرى.

لم تتوفر في العصر الحديث ، اعمال محققة ، تجمع مايسمى "الشعر الشعبي" وحتى مشارف السبعينات ، كان الجهد الوحيد في هذا المجال ، هو ماقام به الباحث على الخاقاني ، فقد وضع في عدة اجزاء صغيره ، كتابه عن الادب الشعبي ، قبل ان توضع في العقود الثلاثة الاخيره ، مؤلفات ، تركزت بالدرجة الاولى ، على الشعر المغنى ، وكان المطبوع من هذا الشعر، قليل للغاية ، منه ديوان متنبي الشعر الشعبي العراقي الحديث ، الحاج زاير ، وديوان حسين القسام ، وهما كتابان ، نشرا في النجف ، بطباعة رديئه ، وغير محققه ، وهنالك شكوك كثيره ، تحوم حول نسبة كثير مما احتواه ديوان الحاج زايراليه ، ومن المؤكد ، ان ثروة هائلة ، من الشعر ، قد ضاعت ، وبالاخص تلك التي تعود ، الى ماقبل تبلور بحور وطرق الشعر الشعبي العراقي الحديث في القرن التاسع عشر ، مترافقا مع ظهور ، اطوار الغناء المعاصر , والملاحظة التي تؤخذ على الشعر ، الذي تم جمعه ، انه يدخل في باب الصنعه ، وهو عمليا قد انتقل من مجال الشعر العفوي والشعبي الحي ، مع ان ابياتا من نوع تلك التي قالتها المراة الفراتيه خلال ثورة العشرين ، ترد بها على زوجها منشدة ))هزيت ولوليت لهذا (( تعتبر من هذا الصنف ، لانها قررت واقعة ، خلال لحظة عفوية وتراجيديه ، تنطوي على قدر هائل من مخزون اللاوعي ، فهل كانت المراة هنا ، تؤدي دورا هو دورها في النطاق الذي تحتله اجتماعيا ، وهل ثمة احتمال بانها ارادت ان تعزي زوجها وتخفف عنه ؟ الايديلوجيون والايديلوجيات لا ينظرون الى الامر ، من هذه الناحيه ، ونحن لانملك سوى فرضيتنا عن معاندة الموت ، فهي الاقرب براينا لملامسة هذا المشهد ، وحين نصل الى هذه النقطه ، فاننا نجد انفسنا ، بحاجة للاستعانة بالمحدد الثاني ، الذي به ايضا يختبر الشعر النسوي ، فالمراة التي تفصح عن انها قد سهرت وربت لمثل هذا اليوم ، تلقي اردنا ذلك ام ابينا عن كاهل زوجها عبئا هائلا ، فتجد نفسها عفويا ، معنية بان تعفيه منه ، باعتبارها المنظمة الازلية لتاريخ من العنف الابدي.

هذا ليس طبعا المصير، او الدور الذي تريده النسوة النسويات ، ولا حتى الرجال الايديلوجيون ممن يفترضون من دون وعي ، مشهدا تتفوق فيه النساء ، في القسوة والجبروت، على الرجال لذاتهن ، الامر الذي يجافي الحقيقه المرة ، لهاته المخلوقات ، الموجودات في موضع ، هو الاقرب من مصدرالكلمة ، التي يسكنها الانسان في هذا الموضع من العالم ، حيث لااستقرار ولاامان اكيد للسكن ولا المنجز ، وكل شئ يظل نهبا للريح ، والموج العاتي والحروب.

في ثلاث حالات نسمع صوت المراة حاضرة ، تتحدث عن الحرب ، وهذا مايصلنا منها ، فهل الشعر النسوي يتوقف هنا ؟ ام ان واقعة الحرب ، هي الاهم في حياة المجتمع ، والمراوحة بينها وبين ضياع المنجز ، مراوحة اجباريه ، بين الدائرتين الاقرب لتصاريف الحياة ، )معركة الشعيبة ، ثورة العشرين ، مقتل سالم على يدالاتراك ـ ايضا بعد معركة كبرى ـ (فاين بقية اشعار المراة ، على مر عقود طويلة من العصر الحديث ؟ هنالك مناسبة ظهرت فيها شاعرة واستمعنا الى ماتقوله ، انما ايضا وسط حدث محدد ف ـ فدعة ـ اخت حسين الصويح ، هي راوية اسطورة ، تشبه من كثير من وجوهها ، اسطورة كلكامش ، ولكن دون ان تكتمل ، ونحن هنا فقط امام الجانب الذي نراه في صراع وصداقة انكيدووجلكامش ، يتكرر اليوم ، بين حمد ال حمود ، وحسن الصويح ، بينما تتبدى لنا ايضا ، قسمات تطورالصله ، بين المعدان اهل الجاموس ، والزراع ، فحسين الصويح معيدي من مربي الجاموس ، يحل ضيفا على الخزاعل ، العشيرة الفراتيه ، والصراع الذي يدوربين هذا الضيف والخزاعل ـ عامة العشيره التي ترفض علاقة الصويح بشيخها المبجل ، حمد ال حمود ، لان الاول ادنى شانا ـ يعكس تصادم وايضا اليات التوافق الضروري والممكن ، بين مفاهيم وقيم كل من المنطقتين ، ضمن سياق لايخفي تطورات تعود لعملية تاريخيه ، من التشكل الاجتماعي ، فالوقائع حسب هذه الاسطورة ، وكما دارت فصولا ، فوق ارض ديرة الخزاعل ، تنبئ عن ذروة لحظة تمدد في الوحدة المجتمعية للعراق الاسفل ، و"فدعة" تمارس دور الراوية على طول الخط ، محتلة دور الجهاز الاعلامي ، لاخيها حسين الصويح ، ممثل دنيا المعدان العبقري ، الذي سيحتل مكانه بين الخزاعل ، بذكائه المفرط ، وشجاعته ، واصالة قيمه:

اخوي الذي جاراته اخواته

اخوي يغطي جاراته بعباته

اخوي الذي خطاره اغاته

اخوي اخوي

وتظل تظهرخصال اخيها امام الملأ ، تحكي عنه ، فتشيع في العشائر صيته ، ولاتفعل غيرذلك ، لاتظهر هي ككائن ، الا عندما يغيب ، وتصبح امراة عجوزا ، عند ذاك فقط تكتب لنفسها قصة خاصة ، فلقد قتل ابناؤها الثلاثه ، في معركة مع عشيرة زبيد ، وبعد ان ظلت تطالب بالثار طويلا دون مجيب ، قالت:

هذا السلف ايست منه

وارد اعبر للزبيدي واخذنه

بلكن يجيني ولد منه

يكبر وياخذ ثار اهلنه

وكان هذا كافيا لان تقع معركة ، اخذ فيها الخزاعل ثارهم من زبيد ، وسجلت فدعة ، واقعة تخالف وجهة نظرنا بخصوص دور المراة ، كمنظمة صامته للعنف ، لكنها فعلت ذلك استثناء في الوقت الضائع من حياتها ، فدورها الاول ، كان قد انتهى ، وادته كما ينبغي تماما ، يوم كانت هي اخت الحكيم ، الذكي ، اللماح ، حسين الصويح . بينما طرا على حياتها دورآخر يبدو وكانه فائض ، واقرب الى قوة حكم المصادفات الطارئه ، فكم من ام غريبه عن الديار والاهل مثلها ، كان عليها ان تلجا الى قوة ماضيها ، وفصاحتها، كي تثارمن مضيفيها ، واهل اولادها ، ومن نفسها على تلك الشاكله الموجعة المرة ، قبل ان تغيب عن المسرح الى الابد ، وتنطفي الانوار على تلك العبقرية الشعرية والانسانيه ، وعلى هذا المشهد الاخير الزائد.

** ما وراء الشعر اخوات الرجال الصامتات

ليست هنالك اثار سوى الشعر ، كان يمكن ان يعلمنا عن وجود النساء في التاريخ ، والمجتمع العراقيين على مدى جزء كبير من تاريخ العراق الحديث ، والامر لايختلف كثيرا في المدن العراقيه الكبرى ـ التي هي مراكز السلطة ـ عنها في الريف ، الذي يضم الغالبية الساحقة من السكان ، ومع ان المدن قد احتفظت باقاصيص و))سوالف(( ، الا ان الخرافة والسحر ، وعالم المخلوقات الاسطوريه ، كان مايزال حاضرا في القص الشفاهي ، كانه يذكر باستمرارية من عهود قديمه ، بينما استمرت الابداعيه في تراجع قياسا الى قص الماضي ، والمنتجات الجديده ، تكاد تكون مجرد اضافات ، وتنويعات ، على جسم القص ، القابل للاعادة والتشكيل ، منذ ايام العباسيين ، ونادرا ماتبين ان الحكاية الشفاهيه ، قد عرفت اي تجديد ينم عن حيوية الحياة ، وقوة تحولاتها ، قياسا لما ورثته عن عوالم الف ليلة وليله ، وقليلا جدا ماصيغت حكايات مبتكره ، وان وجدت ، فانها ظلت تتميز على العموم بقصرها ، ومقاربتها لمقتضيات الوعظ ، والحكمه ، او انها ظلت تنحو غالبا ، منحى التركيز على بطولات وافعال رجوليه.

فالوردي يتحدث في الاجزاء الاولى من عمله ـ لمحات اجتماعيه من تاريخ العراق الحديث ـ عن مشاهد من هذا القبيل ، يقوم خلالها "فرسان" ينتمون الى عهود قريبه ، او قطاع طرق ، ولصوص ، بانقاذ نسوة ، من يد مجرمين آخرين او يخلصوهن ، من محاولات اغتصاب كماهو الحال في قصة حسن كبريت ، وتذكر ايضا ، براعات وخوارق منسوبة للنساء في السحر ، ولكن لاشئ على هذا الصعيد ، يبدو صالحا كسجل لحياة ونشاط المراة ، كما نجد ذلك عادة في الشعر الذي يرتبط بوقائع حيه ومشهوده ، وبالمقارنة ، وكدليل على الحيويه ونسائم الحداثه ، فان عالم القصص عرف حضورااكبر ، في الريف ، وبرزت هنا ، تاسيسات اولى ، لقيم شاملة ، ممثلة في مايشبه نوع من ملاحم حاليه ، كما هي امثولة حمد ال حمود ، شيخ الخزاعل والنموذج الاعلى للقائد القبلي ، وللزعيم الوطني ، ضمن حقبة، كان فيها دور شيوخ القبائل يتراجع ، ويحاصر، على يد الاتراك ، وعبروسائل جديده ، بدات تتوطد معها قوانين ملكية الارض ، والاغراءات التي اخذت تنزع المشايخ من ابناء جلدتهم المشاعيين ، لتحولهم الى ملاك ، وملتزمين ، يؤسسون للاستقلال عن المجتمع، ويصبحون متسلطين ، كما ظهرت قصص كثيره ، لكنها محدوده ، ومقرونه بنواحي عمليه عن شخصيات العوارف ، حفاظ القوانين والسناين ، ومقننوها ، او عن ايام القبائل ، ومعاركها وعن بعض الفرسان الذين يقول احدهم:

لووازتك دنياك هابالك تصيح

واركي الرمح بكلاك واصبر لما تطيح

وهذا على الارجح ، فارس اسمه "كايد" ، يفترض حسب الروايات ، وماسمعته تواترا من بعض المعمرين والمهتمين بالتاريخ الشفاهي ، قد عاش في اواخر القرن التاسع عشر ، هو واخ له يضاهيه فروسية اسمه "عدي" شاعت عنهما كلمات دالة ، كانت تقال للصوص وقطاع الطرق تقول ((رد ياولدي ....بالضعن كايد وعدي )) فيصاب قطاع الطرق بالياس ، ويعودون ادراجهم مبتعدين عن هدفهم خوفا من الموت ، لقد ظهرهذان الفارسان في مناطق اسفل الكوت ، باتجاه نهر الغراف والفرات الاسفل ، وسردت عنهما وعن كايد بالذات ، روايات عن افعال تدرجه ، في اللائحه غير الطويله للفرسان العرب ، ابتداء من عنترة ، الفارس والشاعر العربي ، الذي ذاع صيته في الجزيرة العربية قبل الاسلام ، وصولا للفرسان القريبين ، واخرهم "ابن عبدكه " قاطع الطريق ، الذي اشتهر في مناطق شمال بغداد ، عند بداية القرن العشرين ، وحدث ان استولى على القطار الصاعد من بغداد ، والتقى فيه ب "مس بيل" المسؤولة الانكليزيه المعروفه ، التي كانت تستقل القطار ، وحين عرفها اكرمها، وعاملها بحفاوه ، فتوسطت له ، واسقطت عنه الملاحقا ت القانونيه ، ووظفته في الدوله.

وليس من بين هؤلاء نسوه على الاطلاق ، فاين كانت المراة وسط كل تلك الحياة الثرة والمضطربة ، والمشحونة بالاحداث والتقلبات ؟ طبعا هذا السؤال لم يخطر ابدا على بال، اي من الكتاب الايديلوجيين ، الذين كانوا يفضلون ان يعتبروا مااستخلصوه من بعض اشعار، او مواقف جرت خلال ثورة العشرين ، قرينة نهائيه ، على حضور المرأة الدائم ، في المعارك المتكرره والمتصله بلا توقف ، بحكم شروط حياة العراقيين ، وعلى مدى عقود، من معالجة هذه القضيه ، لم يحدث ان تساءل اي من الباحثين ، او الكتاب ، والمتابعين، عن صورة ، لامراة تشبه تلك التي تم نحت صورتها من اشعار متاخرها قليله وغير مدقق في صحتها.

كل من يقرا او يسمع النساء النسويات ، او الرجال ، من الكتاب الايديلوجيين ، يتحدثون عن المراة العراقيه ، ودورها ، لايشك ، بان النساء العراقيات ، كن يمتطين صهوات الخيول، ويحاربن ، جنبا الى جنب ، مع الرجال ، فهذه الصورة متضمنة في كل مايقال عن المراة ، لدرجة ان المرء تصيبه الدهشه ، اذا قيل له ، بان تاريخ العراق ، لم يشهد اية ظاهرة ، من هذا القبيل اطلاقا ، ولو على سبيل الاستثناء ، واكثر من ذلك ، فان تلك الصورة تبدو غريبه تماما ، عن الثقافه الفعليه للمراة وللمجتمع عموما ، ان لم تكن ممجوجه ومطروده بداهة من التداول.

وهذا وضع طبيعي، حسب المجريات الواقعيه للحياة ، كما كنا قد وصفناها ، وكما هي قائمه فعلا، ومن الناحية الافتراضيه ، يمكن لنا ان نتخيل مثل هذا الخيار ، وقد طرح بطريقة ما ، او بصيغة من الصيغ داخل المشاعة القروية الزراعية المحاربة , وفي حال كان مثل هذا الاحتمال قد وقع ، فلابد ان يكون حدوثه ، تم خلال قرون الانحدار ، التي اعقبت غزو بغداد ، واحتلالها على يد هولاكو ، عند منتصف القرن الثالث عشر ، ففي القرون الثلاثة اللاحقه على ذلك التاريخ ، دخل المجتمع العراقي طورا من الانحدار ، والخراب ، والموت الشامل ، انهارت معه اسس الحضارة ، وتهدم اساس بنيان النظام الحضاري والانتاجي ، وسادت فوضى قاتله ، تسبب فيها ، كما هي العاده ، خراب نظام الري ، المعقد والمحكم ، واختلال التوازن الاجتماعي السياسي ، فعاد الفيضان الاهوج ، يحكم الحياة بلا رادع ، وتدافعت مجموعات الزراع ، مضطرة لمغادرة مواضعها ، وشاعت عواصف من الضياع ، والبحث عن اماكن ثابته للتوطن ، فتصادم الزراع ، واقتتلوا ، وتعزز داخل بنيتهم ، مزيج من ضرورتين لاتنفصلان : القتال ، والصلة الاجبارية بالارض والزراعه ، بينما تتكاثر عليهم مصادر التهديد ، وجبهات القتال ، فهم يقتتلون مع السلطة الغازيه الغريبه منطقا وتكوينا ، ويقتتلون من اجل الارض مع سواهم من المشاعات ، ويقتتلون مع طبيعة مجافية قاهرة لاترحم.

قليلا لابل نادرا ماشهد التاريخ محنة شامله كهذه ، تعيد صياغة المجتمعات ، وتضعها في كل لحظة مقابل احتمالات الفناء او البقاء ، ومن اكثر من ثلاثين مليون عراقي ، كانوا حسب تقديرات متواتره ، هم سكان العراق ، وصل تعداد العراقيين ، الى مايقرب من المليون نسمه ـ يذكر على الوردي ان تعداد سكان العراق كان بحدود مليون ونصف المليون عند منتصف القرن التاسع عشر ـ ولانعرف متى ، اوعند اية لحظة ، توقف الانحدار الطويل نحو الهاويه ، وبدا الاتجاه يميل الى النمو او الى الثبات في عدد السكان العراقيين ، وهنالك دلائل على ان هذه العمليه ، لم تحدث فجاه ولم تسر وفق وتيرة مطرده ، وان لحظات من الصعود والهبوط في الخط البياني لتعداد السكان ، قد حصل خلال الفترة ، من نهاية القرن السادس عشر، عندما اخذت تلوح بدايات تشكل جديد للمجتمع العراقي ، مع ظهور التحالفات القبليه في جنوب العراق .

والمؤسف ان تاريخ هذا الموت الطويل والرهيب ، لم يسجل ابدا ، ولا هو قد وضع ضمن مخططات الباحثين في المجتمع والتاريخ ، ولكن الواقع المرير ، والنتيجه التي افضت لها هذه العمليه ، تقول ، بان العراق ، قد غادر كليا ، حقبة الحكم الاسلامي والعباسي ، فمحيت كل اثارها ومدنها ، ولم يبق من تلك الحقبة العظيمه الزاهرة ، التي رفعت بغداد والعراق كمنارة في قلب القرون الوسطى ، اي شئ على الاطلاق ، وبرز اليوم عراق جديد ، كانه جاء من العدم ، ومع ان هنالك من يعتقدون ، بان تلك ليست سوى خاصية من خواص تاريخ العراق ، وان ماحدث له بنهاية عصرالعباسيين ، حدث مايماثله تماما ، مع نهاية الحضارة البابليه ، الاان فوارق كثيرة بين الحالتين ، ينبغي ان تسجل ، فانهيار الدولة الاسلاميه ، لم يترافق رغم كل ماحدث ، مع غياب كامل للعراق كشعب ، وعادت في العصر الحديث ، عملية صعود للمجتمع العراقي ، نهضت من قلب البنية المدمره، ووجدت في الطور الحالي ايضا ، آليات صراع ، قامت مباشرة منذ ان تشكلت الاتحادات القبليه عند اواخر القرن السابع عشر ، لتحيي عمليه شبه تقليديه ، من الصدام المستمر مع السلطة البرانيه المحتله ، واستمرت هذه العمليه تتطور، لتغدو من دون توقف ، اتجاها ثابتا لسياق من التجدد هي من دون ادنى شك ، ظاهرة صعود مجتمع في حالة صيرورة معاصره ، وهذا مع كل مايعنيه من دلالات ، لم يحدث في الطور الحضاري الاول.

خلال تلك القرون من الانحدار ، كيف جرى توزيع الادوار داخل الوحدة /الخليه الاجتماعية التي هي بامتياز ، المشاعة العشيريه الزراعية المقاتله ، ولماذا ؟ دعونا ننظرالى الاحوال التي ظهر فيها دور يذكر بالسلطة الاموميه ، فمثل هذه الحالة قد وجدت مرة كما هو معروف ، في قبيلة البو محمد في منطقة دجلة الاسفل ، عندما غدت ـ جليله ـ شيخا للقبيله، في ظروف خاصة ، وهذا حدث على الاغلب ، بحدود الخمسينات من القرن الماضي ، ولكن من الملفت ان تكون هذه الظاهرة قد وجدت في هذا المكان ، حيث الشروط التي نتحدث عنها، والتي عاشتها المشاعة القروية المحاربة لاوجود لها ، فمناطق العمارة ـ ميسان الحاليه ـ تتمتع بوفرة من المياه ، وبنمط اساسي للحياة يتصل بالاهوار ، والزراعة هناك مستقره ، وحتى توضع المجموعات الزراعيه ، يظل ثابتا وتتداخل مع الزراعة ، انماط من النشاط الانتاجي غيرالزراعي ، اذ يتخذ الرعي المائي ، وتربيه الجاموس ، وصيد الطيور والاسماك، مكانا خاصا مع زراعة الرز الغالبة في المنطقه ، وكل هذا ، جعل تاريخ هذه المنطقة يختص بملامح مميزه ، تركته معزولا ، ولاينتمي لتاريخ المناطق الفراتيه ، او حتى مناطق دجلة العليا ، ففي ارض السواد ، ودلتا النهرين ، تلعب مقومات اخرى كنا قد وصفناها عموما ، دورا فاصلا في تشكيل الحياة والمجتمع.

من الملفت ان تكون ظاهرة قريبه زمنيا، قد برزت في المحيط نفسه ، فوجود امراة تلعب دورا رجاليا بامتياز مثل دور ـ المختار ـ لم يعرف في اي مكان في العراق ، سوى في ـ مدينه الثورة ـ )الان مدينة الصدر وقبلها مدينة صدام ( ، وهذه المدينه مشكله من تجمع هائل من النازحين ، الذين بداوا يتوافدون منذ ثلاثينات القرن الماضي ، الى بغداد من مناطق الريف ، وبالخصوص ريف منطقة العماره ، وبين هؤلاء فقط ، امكن ان تظهر من جديد ، في السبعينات والثمانينات ، امراة احتلت موقع المختار، وهو ماقد يعتبر من ناحية ما، تكرارا ، وخصوصيه تعكس معنى عميقا ، يفيدنا حتما في تحرياتنا عن مكانة ودور المراة العراقيه في المجال الاساسي ، والاوسع ، للعملية الاجتماعيه داخل المجتمع الريفي العراقي.

لقد اصبح بالامكان تخيل مسار الخلية الاجتماعية ، القبلية المشاعيه ، الزراعية المحاربة، وهي تذهب وسط الموت الشامل ، والخراب ، نحو احتمال الانقراض ، متنقلة ومقاتلة وساعية للاستقرارحكما ، بفعل قوة جذب الارض ، بسبب خصبها من جهه ، ومايبدو من سهولة استغلالها بفعل الوفرة الفائضة للماء ، وفي مثل تلك الشروط ، تطرح حتما ، انتخابات نابعه من مواجهه القدر والمصير، والتوزيع الاولي للعمل ، يصبح مقررا ليس على اساس الاختيار ، بل وفقا للتحديات القاهرة ، واليوميه ، وهذه العملية قد جرت على الارجح ، كبداهه او انها اقتضت اتخاذ قرارات ، تم التوصل لها عبر تجارب معاشه ، واختبارات ، قبل ان يجرى لاحقا ، تثبيتها في الوعي الجمعي ، وفق سلم القيم ومواضعات السلوك ، والتعبيرات القيميه.

ويمكننا افتراض دخول العامل الجسدي كعنصر حاسم ، قرر تماما ، وبلا لبس ، الادوار بين الجنسين ، فالقتال ، والعمل في الارض ، كانا يتطلبان تخصصا يقوم به الاقوى جسديا وعضليا ، وهو ماقد تكون النساء ابتعدت عن تجربه الدخول في منافسه ، او صراع على حيازته ، وان حدثت فهي على الارجح لم تكن طويله ، وانتهت بسرعه ، لان الطابع العملي ، كان مفروضا بسبب خطورة وتعدد التحديات المحيطه ، بالوحدة المشاعية ، وبالمجتمع العراقي عموما ، حتى الوقت الحاضر، والقرارات تقتضي هنا مبادرات سريعه ، والخيارات الضعيفة ، عادة ماتترك من دون تردد ، ليحل محلها ماهو واقعي ومفيد للاستعمال.

لا تساوي في الحالة العراقيه ، وفرة الماء والخصب ، الا استحالة الوصول الى ثمرات الارض ، فالمصاعب التي تحيط بالعملية الانتاجيه هنا مهولة ، وتبقي الانسان في حالة صراع ، لايتوقف ويقظة متحفزه ، ومعلوم ان العراقيين ظلوا حتى عقود قريبه ، وربما حتى اليوم ، يستعملون المحراث نفسه الذي اكتشفه السومريون والبابليون ، وكثيرا مايقضي الزراع، ليالي طويلة ، يسهرون امام السدود التي صنعوها بايديهم ، للكسرات والمنافذ التي يتطاير منها الماء صوب الحقول ، ويهددها بالغرق وسوى المسحاة ، لايملك الزراع هنا اداة لتقليب الارض ، بينما هم يغوصون في الاوحال ، مع تقلب الفصول القاسيه ، والايام.

وكل هذه عوامل تزيل من الاذهان فكرة دخول النساء في المنافسه ، على الدور الاساسي في العملية الانتاجيه ، قبل عملية القتال ، او الحراسة ، فالارض لاتزرع او تحصد ، من دون سهر مديد ، ورقابة يقظة ، تتطاب البقاء دائما ، خارج البيت ، على الاقل بالتناوب بين الاهل ، حيث العمل تسوده ضرورات الجماعية المعروفة في الظروف المشابهه ، والفزعة ، قرينة النخوة ، هذه القيمه الثابتة لدى العراقيين ، تعود على الارجح ، الى تلك الممارسة من العون ، الذي يتنادى له الجميع لمساعدة المتضرر ، او المحتاج ، ومثل هذا النمط من الممارسة ، يطلق عليه تحديدا تعبير ((العونه))وهو يذهب بعيدا ، ليغدونظام علاقات، تشمل الديره برمتها ، اي ارض المشاعة العشيريه المقاتلة المنتجة بالتضامن والتلاحم.

ولا تتيح عناصرهذا المشهد ، مجالا للشك ، بان قدرات الرجال الفسيولوجيه ،قد جعلت قيمتهم ومكانتهم في البناء الاجتماعي محسومة ، ويمكن هنا بالطبع ، ان نلاحذ على المستوى الاجتماعي ، التكرار المتضمن في اللوحة العراقيه الحديثة للقيم القديمة ، ولاصول ، مايعتبرمكونات ، او معطيات اساسيه ، في تشكيل المجتمع العربي والعراقي ، ويجدر بنا ان نذكر بهذه القضية ، لاسباب منهجيه ومفاهيميه غير عاديه ، لان البحث الاجتماعي المعاصر في العراق ، والعالم العربي ، لم ينتبه الى ماينطوي عليه انبثاق المجتمع العراقي الحديث ، باعتباره )) ظاهرة جديده كليا (( وقد تكون لهذا السبب بالذات ، جديره بالاهتمام لذاتها ، عراقيا ، او لاسباب اوسع ، تتعلق بعموم الظاهرة الاجتماعية العربيه ، هذا ناهيك عن ان باحثين لهم وزن ، في الاوساط البحثية والاكاديميه ، مثل الدكتور على الوردي ، قد وقع في الاسقاط المعتاد ، عند تناول الظاهرة الاجتماعية العراقيه ، فاعتمد مفهوما خاطئا كليا ، وهو يحاول دراسة المجتمع العراقي الحديث ، ذلك لانه اختار نظريه المد البدوي ، وقال بان الفوضى الحضارية في العراق ، تؤدي في العادة الى حدوث مثل هذه الموجات من المد ، وعلى هذا الاساس بنى كل منظوره عن التاريخ الاجتماعي للعراق الحديث ، طارحا جانبا تماما ، واقع كونه بلدا نهريا ، وزراعيا ، وهنا تكمن بالدرجة الاولى والحاسمه ، العوامل الرئيسيه التي تحكم تاريخيه.

في مثال الوردي ، تظهرلنا بلا ادنى شك ، معالم خضوع مجاني لمفهوم ـ مدينوي ـ ظل يميز على طول الخط ، منظوره ، وابعده عن الوصول الى تصورات مقاربة للحالة العراقيه ، تطابق خصوصياتها الفعليه ، مماابعده عن ان يساعد في توفير اساس ، يمكن الاستفادة منه من قبل من يريدون التعرف على اية عينة اجتماعيه وفقا لشروطها الملموسه كما هو حالنا الان ، ويبدو ان جانبا من هذه المشكلة ، يعود الى غياب مقومات نظرية ، كان لابد ان تتوفرحتى تدرس العشيرة بنمطها او صيغتها العراقيه ، وهل هي بالفعل نفس العشيرة ، او القبيلة بوجه عام ، او هي نوع من القبيلة الصحراويه البدوية المعروفه ؟ لقد اثبتت الاحداث ، وتطورات التاريخ العراقي اللاحقة ، ان الحالة العراقية تستدعي المغامرة البحثية ، وان الحاجة للاكتشاف ، موجودة وملحة بقوه هنا ، وتلك الضرورة وعلى عكس مايظن ، تتزايد الحاجة لها بمرور الزمن ، كما ان واقع وحالة العراق الراهنه ، واعمق تحولات هذه البلاد ، ومستقبلها ،ربما لايمكن فهمها ، مادامت هذه القضية لم تحل ويتم جلاؤها ، والمفارقة التي تعترض كل من يقترب من الحالة العراقيه ، كما تبدو عبر الكتابات والآراء المتوافرة عنها حتى الان ، هي ضخامة الفارق بين قوانين وخصوصيات الوضع العراقي ، وبين الافكار المسقطة عليه ، والتي تميل دائما ، الى محاكمته لابذاته ، بل بناء على نموذج مستعارمن حالات اخرى ، وهكذا ظلت الاراء ، ومن ثم الافكار والمشاريع السياسيه تسير في مجال ، والعراق يسير بقبليته وعشائريته الخاصة ، محكوما لمنطقه وخصوصياته ، كمجتمع زراعي نهري ، يعيش على حافة التحدي ، والاستحالة ، ويحكمه طابع خاص من المشاعية الزراعيه المحاربه.

اذا كان الاختصاص الحربي ، وشروط الزراعه ، قد قررا الجانب الاساسي من توزيع العمل بين الرجال والنساء ، الا ان ذلك لم يكن هو كل ماكان يعين ، المواقع والادوار ، بين الجنسين فاجمالي مهام العملية الانتاجيه ، وشروط المواجهة اليوميه المتداخلة والصعبه ، كانت تنطوي على تفاصيل ميزت العلاقة ، بين كل من الرجال والنساء ، وحسب ابسط الاعتبارات التي ظلت تتدخل في صوغ علاقة الرجال بالرجال انفسهم فان التعاون والاستجابة المشتركة للتحديات لم تكن تقتصر على الرجال وحسب وتكاد المهام هنا تفيض تماما عن قدرة هؤلاء بمفردهم على ادائها كما يجب او كما تقتضي الضرورات حتى الاساسية منها مما ترك للمراة مساحة هائله وفراغا كان الرجال عاجزين امامه ويقصرون عن ملئه فاضطلعت هي به ، ومن تداخل تلك المهام وتصدي النساء لهاوجدت المراة العراقيه المجال امامها متاحا بقوة كي تحرزحرية ومكانة خاصه لم تكن المراة المدينية تحلم بهاعلى الاطلاق.

وتوجد بهذا الخصوص ايضا عناصر معقده ومتداخله مصدرها الجانب الكمي من ناحيه والشروط النوعيه الخاصة باجمالي النشاط الانساني في الحالة التي نحن بصددها من جانب آخر، فالعملية الحياتية اليوميه والانتاجيه وتعدد المهام الملقاة على الفرد عموما تتداخل بقوة داخل المشاعة والديره مع الشروط الحديه ومع التهديد ونذر الخراب ، ففي هذين المنحيين تتشكل القيم الاساسيه والمنظور ونمط الاستجابات وهنا نتعرف على خواص الشعر التي سبق واشرنا اليها وايضا اشكال التعبير الاخرى سواء منها المعلنة او تلك المتضمنه داخل اشكال السلوك المختلفة.

ومن المهم ان نستعرض ولو بصورة مجملة مجالات نشاط المراة العراقيه ضمن الحيز المتروك لها فهي بالطبع معنية بتحمل اعباء الحمل والولاده والتربية ابتداء من الرضاعه ، الا انها لاتمارس تلك المهام وحسب ولاتوجد اية مهمة من المهام الموكلة للمراة تتم ممارستها باستقلال او لذاتها او كاختصاص فاليوميات الاخرى مثل تدبير الاكل والطبخ في ظروف الظيافة فيها لاحد لها ولاموعد مقرر وحلب المواشي وتدبيرعلفها اي جلب الحشيش ونظافة البيت بالحد الادنى تمارس مع بقية المهام الاضافية في الارض فالنساء لسن معفيات من المهام الزراعية المختلفة وهن عنصر اساسي في الحصاد ويساهمن في عملية الحرث ولهن دور كبير في الدراسة كما انهن يتولين جلب الحطب الى البيت ويسالن من دون توقف ايضا عن مظهرهن وعن ابنائهن وبسبب ازدحام كل هذه المهام فان النساء عادة لاتتوفر لهن فرصة التمتع اواداء واجباتهن الليليه كزوجات او محبات وهن اصلا لاتتاح لهن الفرصة للنوم بالقدر الكافي لراحتهن بعد عناء اليوم ومن الممكن ان نرى في هذا المشهد المزدحم اصلا مكانا خاصا للبنات من المواليد فالامهات ياملن بان تكون لهن بنات يكبرن بسرعه حتى يساعدنهن في العمل داخل وخارج البيت ومن هنا ايضا تحفر المراة الام اولا والمراة الاخت بصورة خاصة مكانها في الكيان العائلي.

فلا شئ ابدا بالطبع يضاهي مكانة الام لدى الفرد العراقي ، لانها الصورة الخارقة للكمال والعطاء ليس لانها المخلوق الذي لايكل عن العمل ليلا نهارا وعلى طول الايام بل لانها ايضا تمارس نمطا من الحنو ومن التطلب اللامحدود في الحماية على اولادها ، ان مجال الخطر والتهديد المهيمن على الحياة ياخذ مداه هنا متحولا الى مشهد علاقة بين الامهات وابنائهم جوهره معركة دائمة مع الموت المتربص في كل زاوية وكل شئ ، وفي العلاقات الاكثر حميميه ينشا بين العراقيين ميل مستمر للتساكن او السكن في اللغة كما مر معنا ، وبالاصل بالاشياء الاقرب والاكثر حميميه ومنها وعلى راسها السكن في الابناء اوالاخوة ، فمشكل البقاء بغض النظر عن اية عناصر مادية موجوده خارج الانسان هو هذا الكائن المسكون والمتحول هو ووجوده الى هاجس فقده يعني فقد الوجود نفسه فما قيمة الارض واللممتلكات وكل ماهو متوفر اذا لم يكن هنالك هذا القريب الذي يزرع ويقاتل عند الحاجة ويهاجر ويصد عوادي الفيضان والكوارث ويخوض الصراعات والمخاصمات التي لاتنتهي بين المشاعات على الحدود المتغيرة دائما وتوزيع الماء في ارض لاتستقر ولاتثبت لها حدود.

تجلس النساء حين تتاح لهن الفرصة عند اسرة او مكان نوم ابنائهن الرضع ويبدان الغناء الذي هو جزء من تصريف الامهن وقسوة شروطهن ، ويقولون للمراة التي تفعل ذلك ـ تلولي ـ اي تلقي اصواتا مفعمة بالحزن المريرهي عادة شكوى للرضيع من تصاريف الزمن ودعوة له كي يكبر ويساعد في تخفيف التعب والالم غير ان لتلك الممارسة الخارجة عن وجود المشكو له مغزى التعميد فهنا يصاغ وجدان هذا الكائن ويصبح جاهزا لتذوق العالم حسب ايقاع معين ملي بالرهبة والالم ومن هنا ايضا يتشرب هوطريقه للدخول في سلك السكن والحلول اللازم في الخلية التي سيكبر ويترعرع ويعيش بينها.

البنت تتعلم الدروس الاولى من وظيفتها مبكرة ، والفرق كبير بين البنات اللواتي لهن اخوة يعيشون معهن والبنات اللواتي لااخوة لهن ، ولاشك بان الفتاة ذات الاخوة هي الغالبة عدديا وهي النموذج الذي يمثل صورة المراة العراقيه كاخت للرجال فهي اولا التي ستجعل اخوها ياخذ مكانه في الهيئة الاجتماعية ويمارس مهامه ووظائفه التي حددتها له الطبيعة والشروط المعاشه وحسب قائمة من الوصايا والتصرفات الصادرة عن الام تبدا الاخت بقبول مبدا تفرغ الرجل فتحرم عليه ولاتبعده وحسب عن عمل البيت الا انها عادة لاتتوقف مثل الام عند دائرة العطاء المطلق وبلا حساب ، فالرجال مراقبون في البيت من اخواتهم بقوة وهم في النهاية وفي جزء كبير من تربيتهم وحتى مصائرهم اقرب الى ان يكونوا صنائع اخواتهم.

ويبدو ان الحياة على قسوتها وتهديدها المستمر يمكن ان تتيح قيام صفقه تتمثل بالاجمال في قبول الاختصاص البيتي من قبل الاخوات ومنح الاخوة ماهم بحاجة اليه من تفرغ انما لقاء حق يتم استبطانه ويتمثل في طلب التفوق فالاخوات يردن من اخوتهن ان يكونوا متفوقين قياسا الى القيم والمواضعات المقرة بين افراد الديرة والعشيره اي ان هاته الاخوات يخلقن من ناحيتهن دافعا آخرلحالة الاستنفار المفروضة دائما على الانسان وافعاله ومجمل استجاباته ومن المعروف ان المتنخين في الحالات القصوى وفي الحروب والمعارك وعند مواجهة الخطر الاقصى او اي امتحان مصيري يصدحون قائلين ـ انا اخو فلانه ـ لكنه لايقول ابدا بانه ابن فلانه فالشرف يبقى مقترنا بالنسب الابوي ومن المعيب ان يسمى شخص باسم امه ولكن الاستبدال يتحقق عن هذا الطريق فالاخت تصبح نسبا اموميا بين العراقيين لان تلك التبادليه اي الصفقة التي عقدها الوجود الطبيعي تجعل اعلى مراتب شرف الرجل مقرونا بكونه لائقا بماتريده اخته منه.

وبهذا يكون هوليس مجر امين على عهد او راد للجميل بل حام ومستجيب ـ نشمي ـ ضد قصورحال تلك المراة التي قالت له اذهب الى الخارج انا هنا التي تحمي ظهرك وتعزك في بيتك ليصبح بناءعليه وهو موجود في المظيف او في الحقل او في اي مكان من اماكن اختبار القيم او القدرات حتى الجسديه مدينا لها بالتعويض وبهذا تكون الاخوات هن المربيات شبه الوحيدات ـ اذا مااستبعدنا فعل الشروط الموضوعيه ـ للرجال المتروكين سوى ذلك لحريتهم وارادتهم.

مع المزيد من التدقيق سوف نتعرف على ماهو ابعد من مجرد التربية الضمنيه الصامته وغير المعترف بها اجتماعيا للاخوات بعلاقتهن بالرجال فالمهمة الابعد لهاته النسوة تصل الى حد الاضطلاع بالدور الاكبر في تنظيم عمليه مواجهة العنف اليوميه كما تعيشها المشاعة القروية الزراعيه المحاربه وهن اجمالا قوة تنظيم وقيادة لاتعدم الاسلحة والوسائل ولا الاشكال المختلفة للمناورة او الضغط لابل وايضا القتل فالاخوات هن في بعض الاحوال قاتلات ومقتولات لايتوانين عن ان يحولن نظام الاشياء الصارم في هذا المكان الى فاجعة كارثيه.

** المنتخون والفصليات

ليس هنالك مشهد اكثر رهبة وايلاما من مشهد طفل في الثانية او الثالثة عشره من عمره يقطع المظيف المزدحم بصفين من الرجال ايسمرون نظرهم عليه وهو يخطو جارا بندقية او مسدسا يتمنطقه الى ان يصل الى حيث يجلس خاله واعمامه ويسلم عليهم سلام الرجال وقتها يكون اسر امراة التبي هي امه قد انتهى والدين الكبيرللاخت ثبت في رقبة الاخ واحيانا ابن العم . الولد هو ابن الفصليه وامه هي الفصلية التي انتظرت عمره كله قبل تحصل على حق النطق ولو بكلمة واحده في الدار التي احتوتها على حقد وغل مريرين.

هذه هي القصة التي تثبت تماما حقيقة علاقة الدين بين اخوات الرجال والرجال وتجري الامور عادة كالتالي: تحدث معركة لسبب من الاسباب الكثيرة التي عادة ماتنشب بسببها المعارك بين العشائر او حتى بين افخاذ العشيرة الواحدة فيسقط جرحى وقتلى وبما ان الدم لايذهب هدرا على الاطلاق والجماعة لاينبغي ان تفنى ، تضع الاعراف قوانين "سناين"واصولا لحل النزاعات على راسها دفع دية القتيل التي غالبا ماتتراوح بين دفع المال او النساء اللواتي يذهبن فصليات يتزوجن قريبا من القتيل عادة مايكون اخوه او ابن عمه مفتديه بالجحيم الذي لاشئ يشبهه ، اخاها.

يمكننا طبعا ان نتخيل اذا كنا لم نعايش مثل هذه الحالة النادرة نوع الاسرالذي ستضطر الفصليه لتحمله وهي تعاشررجلا يملك هو واهله كل الاسباب لكي يجعلون من وجودها سيرة للانتقام وهي من دون ادنى شك مسقطة الحقوق لاتملك فرصة المطالبة بما تطالب به النساء من ازواجهن لاعلى مستوى علاقتها به فحسب بل في علاقتها باهل الدار فهي مجرد الة للاستعمال لايجوز لها حتى ان تبدي اعتراضا او تتذمر ، تلك هي شروط حياة الفصليات كما تقررها السناين فهي ممنوعه من الذهاب لرؤية اهلها ، ليس من حقها ان تزعل ، ومن المستحيل عليها طلب الطلاق لانها لاتملك ان تستقوي باهلها واخوتها كما يحدث في مثل هذه الاحوال ، فاذا ما حدث استثناء وقصدت اهلها فانها ترد فورا ، ولهذا تتحاشى الفصليات تماما مثل هذا التصرف لانهن يعرفن النتيجة سلفا فيفضلن ان لايتعرضن لمصير يزيد من تقليل قدرهن ويضعف موقعهن فوق ضعفه ، وهكذا تصبح اخت الرجال موضوع فداء مطلق انها اليوم لاتعمل في بيت الاخرين كعبد وحسب ، بل وتغتصب بجفاء وحرمان كلي لكي يظل اخوها حيا ولكي لايضطر لمواجهة الموت او الجلاء عن ارضه ومع كل هذا الاستلاب يصير الصمت جزءا من مهمة الفصليه التي قليلا ما تقول الاشعار، اذ يبدو ان روحها لاتلبث ان تجف تحت وطاة العناد وتحمل القسوه ، وخيالها يختصر بفكرة الخلاص وليس الرحمه التي تتعلم ان لاترجوها من عدو بينما هي تصر حتى هنا على ان تجعل اخوها الذي تفتديه بايامها ولياليها الطويلة المره ، قادرا على ان يرفع راسه والطريق المعترف به لمثل هذا السلوك مؤداه الاصرار على معاندة الضعف ....لاللبكاء ... مع ان دمعة تطفر من عين فصليه من شانها ان تكسر قلوب حتى اقسى القساة وتجعلها تلين ، لكن الصلبات منهن لايفعلن ذلك وكثيرات من الفصليات عشن ايامهن في شبه حرب في بيوتهن وداخل فرش نومهن فقبلن الاغتصاب المقر عرفا كعقاب مقابل وطريق للخلاص وعرفن كيف يؤدين واجبهن ويقاصصن في الوقت نفسه مستعبديهن الحاقدين فرددن الانتقام بانتقام كن يبتكرنه فياخذ منهن الكثيران لم يكن كل مالديهن من نبض الحياة.

انني اعرف فصلية قريبة لي ، هي عمتي ، ورده ، التي جاءت خاويه وماان خرجت الى الفضاء الرحب حتى ماتت ، كانت بلاروح دواخلها يابسه كالحطب ولم استغرب ابدا حين وصل الخبريقول بان سيارة دهستها وهي في طريقها لزيارة الامام موسى الكاظم في الكاظميه في بغداد حدث ذلك عام 1966 وكنت قبل هذا التاريخ قد رايتها تتحدث بلا تركيز عن اليوم الذي اصبح فيه شاكر ابنها الذي لم يطق العيش مع اعمامه بعد موتها ، رجلا ، وذهب حاملا المسدس وصوبه الى قلب عمه بدل ان يباهي به ، فتصايحت النساء رعبا عوضا عن ان يزغردن كما هي العادة في مثل هذه الاحوال ...اية حياة تتبقى لكي تعاش بعد ذلك اليوم.

في بيت الفصليه وخلف صمتها ورعبها من المصير، لو انها لم توفق وتنجب مخلصها الولد او في حال انجبت بنتا اصلا او اكثر من بنت تباعا ، هناك تنتهي الخيارات وسط حزمة من سبل الموت عندما تكون المراة في قلب عالم مشحون بتهديد الطبيعة والوجود وتصبح هي المفتديه وهي من ثم المنظمة الاكبر وبصمت لعالم العنف بمجمله ، حين تقع المعركة عادة تكون هذه المراة موجوده ولن تترك مكانها وقبل ذلك دورها كاخت جديرة باخيها ، لقد فهم الايديلوجيون والنسويات المؤدلجات تلك المحنة على انها بطولة تمثل امام الكاميرا ولم يفهمن ولم يفهموا جسامة العبء الذي يبطنه صوت المزغردات بين اصوات الرصاص وهن يقفن ـ ويحشمن ـ اخوتهن على القتال ويمنعنهم من التراجع فخلف المعركة وعندما يصمت الرصاص ستكون هذه التي تزغرد مهياة لكي تتحول الى قربان وتذبح انها تدفع هذا الذي هياته لهذا اليوم وجعلته يتحرر ، نحو ساحة الموت واذا هو انتصر ستكون هي من يفتديه لانه قتل ولم يحملها العار ، هكذا تكتمل الدائره بين طرفين يتهيآن للموت لانهما لايجدان امامهما غيرهذا النمط من السلوك يحرزان من خلاله مكانتهما ضمن الجماعة ومن ثم حقهما في الوجود ، ومن الواضح كم هي ضيقة وشبه معدومة فرص النجاح او النجاة وكم هو ضئيل لحد العدم مفهوم النصر الذي ينتهي الى كسب ، والدورة تذهب ايضا من هذه الزاوية كي تصل مرة اخرى الى السكن في الكلمات او في الآخر او للسكن داخل الحكايات والاشعار والسير ذلك هو المكان الذي تعطيه الحياة للعراقيين فيبدعون فيه وجودهم الحقيقي لدرجة ان المعاش يصبح هو الاقرب للمتخيل والمفترض.

في محيط من العنف الشامل يصبح المجتمع مجتمعا محاربا بامتياز وتتحول الافعال كلها الى استجابات ضمن معركة متعددة الجبهات ، ولكن العقل والذكاء الانسانيين لايتركان الوقائع لوحدها تتحكم بوجود الناس وبقدر مايتحرك هؤلاء مواجهين مصيرهم فانهم يتحسسون ممكنات مصيرهم خارج المعاش ويجهدون لكي يفتحوا نوافذ تتجلى اولا في الترميز فيذهب الفعل نحو الحد الاقصى كانه يرفض المعاش المستحيل خالقا عالما موازيا غير واقعي كثيرا مايكون بمثابة عبء وقيد على العموم فاسطرة الافعال وتضخيمها واعطائها بعدا مفارقا عن الواقع تبدو بمثابة ضرورة وجوديه الا انها تتحقق ضمن سلم من التحديات والانكسارات ، غير ان المراة لاتحظى بقدر كبير من تلك الاسطرة وهي قد اصابها جانب منها لاعندما كانت تمارس دورها كمنظم للعنف باعتباره حياة متصله وحقيقة وجوديه بل في وقت لاحق مع ظهور حركات ونزعات الحقوق التي مالت دون وعي منها لنفس الايقاع الميال الى الاعلاء والتصعيد المبالغ.

ولم تكن هذه الموجة لتنتبه الى ))الواقع ((كما هو ، على الاقل باعتباره سلسله من الممارسات المتناقضة والمتدرجه واحيانا المتعاكسه للفاعلين ضمن المشهد العشيري المشاعي الزراعي المحارب فداخل هذا الموضع كان هنالك كما في اي وضع آخر واقعة القصور الانساني ازاء المثال وهنالك حسابات مباشره واحيانا صغيره ونزعات انسانيه عاديه ، لقد شهدت شخصيا موقعة حدثت بين عشيرتين في نهاية الخمسينات ، كان الشجار قد ابتدا في الشارع بين ولدين يلعبان وتدخلت النسوه ثم خرج بالصدفة الاباء فقتل بعد دقائق واحدا منهم وانتشر الخبر ولااعرف كيف تحول المشهد خلال دقائق ليصبح القتال مركزا في الساحة القريبة من النهر واصبح المقاتلون يمرون مسرعين من القريتين المتجاورتين باتجاه الساحة ، كان هؤلاء يمرون بطريق اجبارية محاذية للنهر وفي الطريق كنت ارى البعض منهم ياتي راكضا بكل قوته وهو يشهر مسدسه بينما بعض المارة والنسوة يحاولون الامساك به وهو يتفلت ومن بين كل من مروا استوقفني منظر احد هؤلاء وقد تكاثرت عليه النساء وانتزعن منه مسدسه ورمين به في النهر، غير ان الوقت كان صيفا والنهرقليل الماء، وسرعان مانهض الشاب متملصا من بين ايدي الممسكات به والقى نفسه في الماء ثم بدا يخوض ويغطس الى ان نهض والمسدس بيده وراح يركض بحماسه متجها نحو هدفه بينما اخذت النسوة اللواتي كن يمسكن به قبل قليل يزغردن بفرح وابتهاج حماسي.

لست اعرف تماما اذا كان ماقيل لاحقا عن هذه الحادثة صحيح الا انني سمعتها تتردد على مدى سنوات وقال الناس مؤكدين ان ذلك الشاب خرج من بيته واخته تتبعه بالزغاريد وظلت تركض خلفه لمسافة ثم توقفت لانها كانت قد شاغلته قليلا قبل ان تودعه حتى يتسنى لابنها الذي ارسلته على عجل حاملا طلبها الى النسوة من اهلها الذين يسكنون على الطريق ان يمسكن عليه الطريق ويمنعنه من الوصول او يؤخرن قدرمايستطعن وصوله لحيث هو متجه وهذا ماحدث بالفعل فالنسوة كن موجودات اصلا خرجن على صوت الرصاص والزغاريد المتعالية في سماء المنطقه وحين وصل الولد اليهن صاح))امسكن خالي امي تقول امسكنه ولا تتركنه انه ات خلفي((ففعلن وهذا قد رايته مع البقية الغريبة والمثيرة من المشهد.

هكذا في الواقع المعاش تصطنع الرموز التي يظل يكتنف انفكاكها من العالم الواقعي نحو المجال الاعلى للسكن الضروري كل الوان الضعف والتحايلات والخوف الانساني والقلق على المصير وايضا قوة التطابق مع المثال والمستحيل فخلال رحلة هذا الشاب توالت المستويات وتداخلت الى ان انتهت بانتصار المثال والاسطوه ورضي الجمع ماهو مكتوب ولكن الشاب خرج من النهر وهو يتنخى صائحا ((عفى والله انا اخو سكينه (( وقد فعل ذلك ربما وهو يعلم بانها قد تحايلت عليه من اجل حمايته من الذهاب من عالم الوجود نحو حيزالاسطورة والرمز،وبما ان شخصا مثله كان يعرف يقينا بانها فعلت ذلك فلقد اصر وهو يغوص في الماء ويخرج بالمسدس على ان يصيح باسمها على سبيل الوفاء لديون لها حملته اياها منذ اول يوم من حياته وحياتها ...واذن فلقد ذهب ليقتل.

في كل الاختبارات يقف الرجل مدينا استحق عليه الدفع ، فالحياة هنا لاتخضع فقط لدافع الشروط الحديه للطبيعة وما تورثه في الانسان المستنفرة طاقاته وانتباهه والماخوذ بجنون الحدود ، المثقلة احلامه بكابوس الطوفان والنهب ، المضطر لان يستل حياته من بين انياب الذئب ، بينما تطالعة تمثلات حيه وحميمه تتبع خطى مصيره فيضطر لان يتحول الى كتلة متراصة شديدة التلاصق تراقب لحمتها بلجاجة لاتتوقف كانها تحكي قصة الخوف من المواجهة العزلاء امام قدر غا در متربص في كل مكان.

** الفشل الذي كالفناء: لماذا يقتلن ؟

تعرفت على رجال كانوا قد قتلوا اخواتهم غسلا للعار وكنت اعرف نسوه يعشن حياة تخف ، تزوجن من دون موافقة اهلهن واضطررن للهرب والاختفا ء وكنت اعتقد في دواخلي ان اغلب الهاربات ـ يطلق عليهن اسم "الناهبات" ـ كن يقتلن فقط حين يشيع نبا وجودهن ويعلم بمخباهن احد غير اهلهن الحميمين ، طبعا كان القتل يحدث داخل البيوت ويمارس ضد نسوة وفتيات لم يهربن من بيوت اهليهن ووقتها يكون القصد قتل الفضيحه لاقتل المغدورة هي بذاتها ، وفي الغالبية الساحقة من تلك الحالات تكون الفتاة قد حملت من دون زواج ، وحين يحدث ذلك يفكر الاهل بلا تردد في القتل السري ، و هم احيا نا ما ياخذونها الى مكان بعيد حيث تقتل ثم يدعون ادعاء ما يبررغيابها فليس هنالك من اخ قتل اخته وظلت روحه حية تنبض.

اما الامهات فهن اللواتي يتحملن العبء الاكبر في مثل هذه الحالة لانهن سيعتبرن قبل أي شئ مقصرات غفلن ولم يراقبن بناتهن كما يجب وهن خاسرات سوف يفقدن اقرب الناس الى نفوسهن والصقهن بحياتهن واكثرهن عونا لهن على حياتهن المضنيه ، كما انهن يتحملن ايضا وزر الفضيحه بين يقية النساء والاهل والانكى من ذلك انهن اصبحت في اوقات لاحقة معرضات لفقد ابناءهن الذين سينفذون مجبرين حكم الموت باخواتهن، ولكن من الذي لاتطاله تلك الكارثة المدمرة اذا حلت.

في سجن بعقوبه شمالي بغداد تسنى لي في عام 1989 ان اعاشرفاضل حمد اكثرالآخذين بالثارتطرفا ووحشية ، لقد قتل اخته حرقا هي واولادها الثلاثه ، جاء الى البيت بغياب زوج اخته وتمكن من ربط الضحية واولادها الصغار واحرقهم جميعا وهم يتوسلون به ، وذهب الى مركز الشرطة ليسلم نفسه ويقضي بقية ايامه ينتظر مصيره يصلي متوسلا ليل نهارالى ربه ببكاء ولوعة ، كنت مضطرا لان اسمع نحيبه الذي لاينقطع وفي محاولاتي للتسرية عنه كنت استفزه فاساله : يافضل لما ذا قتلت الاطفال ؟ فيردعلي بعنجهية : اولاد زنا ، فاقول له : ولكنها تزوجت على سنة الله ورسوله ، فيرتفع صوته و يهيج صائحا : اقول لك اولاد زنا اولاد حرام احنا هكذا عندنا التنهب خلفتها زناسناينا هكذا.

غير ان القصة لم تكن كما كان يحب هو ان يرويها فالسجناء يتداولون رواية اخرى فيؤكدون بانه كان يعرف مكان اخته منذ سنه ، وبعضهم يقولون بانه حين عثر عليها لم يتورع عن زيارتها وظل يتردد عليها في غياب زوجها احيانا الى ان جاءه خبرمن آخرين يمتون له بصلة فابلغوه بالمكان لكنه بادر الى تحذيرها ، وطلب منها ان تهرب ، فتلكات وطال ترددها ، لعلها قد الفته ولم تصدق تهديده وهو الذي كان ياتي لزيارتها ويطمئن عليها وعلى اولادها رغم معرفته بامرها ، وفي يوم مقتلها هي واولادها على يده جاء فجاة وهددها بانه سيحرقها هي واولادها اذا لم تغادر المكان فورا ، ومن الواضح من السياق انه لم يكن يقصد ابدا انزال العقاب بها على ذنب ارتكبته يوم هربت ، بل كان بالاحرى يعاقب فشلها في ان تجعله بريئا من دمها وغير مسؤول ، وعند ذاك لابد من ممارسة قتل هواكثر من مجرد عقاب على خرق المقدس الاجتماعي انه شئ اقرب الى حكم بفناء الجنس.

يعرف الرجال الاخوة مرارة انقطاع ذلك الرابط الازلي بينهم وبين اخواتهم عندما يكون الفشل اشبه بانتصار الكارثة المحدقة دائما ، ولااحد يعرف لماذا تفعل بعض النسوة عبر الحب مثل هذا الفعل المدمر، ولكن العشق الجنوني يمكن ان يتحول الى سلاح ، وتخاف الاخوات والاخوة والامهات حتى الموت من الضغائن او من الحزازات الصغيرة ويحرصن على تعويض كل حرمان او لاعدالة بين الاخوات بحب لاحدود له لانهن يعرفن خطر الاسلحة التي تملكها اية فتاة اذا هي قررت ان تدمرالمكان الذي تعيش فيه فوق راس اصحابه.

فهل دوافع الحب الجنوني مفصولة عن مثل تلك المحركات الخفيه للرغبة بالانتقام او للرد على ظلم ، لابد ان العشق موجو د ، وهو المحرك الاول لتلك الافعال غير ان القسر الذي يفرضه نظام الاشياء والمجتمع يقابله ايضا قدر من الشعور العميق بالحرية واستقلال الاراده فالمراة العراقيه لاينقصها ابدا مثل هذا الشعور، على الاقل لانها تعيش حياتها كفاعل اساسي ، فهي ليست زائدة ولاملحقه و حيزها الاجتماعي و دورها يكاد يضعها في مكان لايمكن الاستغناء عنه لامن ناحية دورها في الحياة اليوميه والعملية الانتاجيه بل وفي اجمالي بناء الحياة في الظروف الخاصة لمجتمع مهدد ويمارس وجوده في حالة دائمه من الاستثناء.

واذا ماحسبنا دور النساء بدقة فسنجد انهن مهيات لقدر من الحرية والاستقلال لايمكن للرجال سلبهن اياه فالشؤون الكثيرة التي تضطلع بها المراة والمجهود التربوي المتشعب وكثرة الاعباء الاساسيه تعطي للنساء احساسا بالدين على الهيئة العامه أي على العشيره ،ومثل هذه القناعة تترجم الى شعور ضمني بالضرورة ومن ثم بالقدرة عند ا لحاجة على اتخاذ قرارات ، وليس صحيحا بان ماتقوم به النساء من عمل هو من قبيل الاستغلال لمخ الوق دوني فالنساء ينظرن الى قدرتهن على جعل الجماعة تسير او تتوقف فيتيقن بلا تردد من لزومهن الذي لا يعوض واذن ومادام وجودهن على هذا القدر من الضرورة فان على الاخرين ان يحسبوا دائما حسابهن.

هكذا يكون اسا س الحرية والاستقلاليه مفتوحا على احتمالات تقننها التربيه ، أي افهام النسوة الصغيرا ت شرطهن ضمن الشرط العام ، انهن خطرات وقاتلات اذا اردن ، و لاشئ يمكن ان يدمر الوحدة العائليه الصغيره وحتى العائلة الاوسع مثل هرب امراة مع حبيبها ، وكل زلل من قبل الاخوات ينعكس خللا ابديا وموتا للاخوة الذين يعيشون مطوقين بدين اخواتهم ويقفون بين المجموع رافعي الرؤوس واسوياء او فخورين لانهم اخوة لنساء يمسكن بين ايديهن وقلوبهن سر وحدة الجماعه ويحفظن قانون الطبيعة والمجتمع ليس القتل غسلا للعارغالبا فعلادافعه الاساس تكريس نظام يذكرنا بالزواج الداخلي اواحترام حقوق ابناء العم او حوافزحفظ السلاله ونقاوتها ، فهذه كلها وجدت تحت قوة دفع اول كان هو الذي قام عليه اجمالي الهيكل الاجتماعي حيث الاولويات التي تحكم العلاقات الابتدائيه في الخلية العائليه تتوزع على العائلات المتقاربه فتلعب الوظيفة الاساسيه بمواجهة الطبيعة واشتراطات المكان دورا حاسما في تحديد ادوار الفاعلين ، و في "الديرة " التي هي موضع مشاعي ابطاله كلهم مرصودون ومراقبون في كل خطوة وكل حركة وجد موقع الرجل الاخ كما تبنيه الاخت لاخيها وارتفع عاليا العمد الاساسي للخلية الصغرى كما ترسمها جملة تتردد دائما تقول : (( ياعمد بيتي )) لتاخذ معنى خاصا رغم عموميتها في الاداب والثقافة العربية.

ولكن الرجال يفشلون و النساء كذلك يفشلن ودعونا نناقش هذه الفرضية ، فبعد كل الذي ذكرناه عن التحدي الدائم المسلط على الانسان العراقي لابد ان نفكر في حدود الاستجابات الانسانيه وحتى وان كان المطروح هو مسالة الحياة وحفظ النوع فان القدرات الانسانيه قد لاتكون كافية واستعدادات البشريمكن ان تصاب با لتصدع او تمرعلى الجماعات ظروف يعجزون فيها عن الارتقاء الى مستوى التحديات المفرضة عليهم ، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان درجة استعداد اعضاء الجماعة سواء اكانوا من الرجال او النساء ليست هي نفسها وحتى الاشخاص انفسهم يتغير استعدادهم حسب الفترات ، وهنالك اناس اقل تحملا للعبء من غيرهم قد يفشلون في اداء مهماتهم ، ومن هؤلاء نساء وشبان لم يكونوا ابدا جديرين باخواتهم وامهات عجزن عن القيام بماهو مطلوب منهن حتى يستحقن مكانتهن وعموما فان مسار الحياة والصراع الذي لايكل مع الاشياء والطبيعه له ابطاله ورموزه وله ضحاياه وفي سجلاته نجد ايضا متخلفون وفاشلون.

ومع اننا لانستطيع احصاء الحالات التفصيليه للجماعات المشاعية العشيريه مع مايتضمنه اجمالي المشهد وتبدله باختلاف الفترات وتغير الظروف والمواضع من وقائع الا اننا لابد ان نتوقع حالات اوسع من الفشل او من التخلف كان يشمل احيانا مجموعات برمتها ومنها تجمعات عشيريه ازيحت من مواضعها اوفقدت بمرور الزمن اماكن ممتازة كانت تمتلكها سواء بالقوة وبفعل ازاحة مارستها مجموعات عشيريه اخرى اولاسباب تعود الى سوء تدبرالعلاقة مع الارض ومتطلباتها المعقده او حتى بسبب خلل في التوازن بين العمليات المتداخله الدفاعية الحربية الاجتماعية والزراعيه فالفشل والنكوص متوقع في النشاط الانساني عموما وهو جزء اساسي من المشهد داخل المشاعة القروية العشيرية وضمن مجموع بحر ا لشماعات الزراعيه المحاربه الزراعيه.

وتلاحظ على العراقيين موجات من القنوط والعزوف عن ممارسة الحياة ، وهذه حالة قد تسري على المجتمع برمته احيانا فتشير الى قدر من الياس والتعب يتساوى معه كل شئ ويحل العبث بين البشرالمرهقين المبددة جهودهم وامالهم ، والافراد الذين يتملكهم هذا النوع من المشاعرلايخلومنهم أي مكان من العراق خاصة في المدن وبين المثقفين الذين هم بالاصل تعبير عن ذلك الاحساس الاصيل يجاهد لكي يغوص داخل عبثه المتحول الى خيار دائم باحثا عن موضع ايجابي يترجمه الابداع ، وحتى هؤلاء يهيجون احيانا من وسط القنوط كما تفعل جموع العراقيين حين تنهض جامحة وتصعد الى عالم من الكلمات وهي تدبك هازجة تغني معاندة الفناء.

من اكثر المظاهرتقليدية في الحياة العراقيه في اصلها القرو ي العشيري المشاعي الممارسة المشهديه فالناس هنا يعيشون ويعملون كجماعات مراقبه ، لااسرار على الاطلاق لان الفعل الانساني اليومي هو مصدر الاطمئنان والخوف والذي يصدر عن الرجال صغارا وكبارا وعن النساء في البيوت وفي الحقول في المضايف عندما يجتمع الرجال في الحصاد وفي المعارك في الصيد ان كان هنالك صيد ، في ركب الخيول وفي اللعب ، في الكلام والجلوس والصمت الذي يصدر في كل ساعه عن اعضاء المكان هو مايقرركل شئ هنا يعرف الرجال المتميزون وتحتسب القدرات في كل مجالات الحياة الحرب والسلم الكلام والحكمه الشعر واستعمال السلاح الفروسيه و تدبير شؤون الارض ترصد الطبيعة وانوائها وتوقع الاتي واختباره ، الماضي والمستقبل كما توحي به ملكات الصغار التي تراقب بدقه اجمالي الافعال والقدرات مجموع الثروة البشريه ومجموع الاستجابات ازاء المتوقع والمفاجئ.

والرقابة لاتتوقف عند يوم بل تظل مستديمه ومتغيره لان التحديات لاتتوقف والمفاجآت لاتنتهي ، ومن هذا المدخل على الاغلب تتسرب المراة الاخت تحت جلد اخيها كدافعة ومراقبة وكتعويذة لايسير في الطريق من دونها ابدا ولايستعيذ بالشيطاين الا من الاعظم لو ان حارسته تخذله وتفشل لاي سبب معلوم او غير معلوم مقررة موتها وموته.

في عام 1968 عندما كان نظام البعث في ايامه الاولى جرت في منطقة الفرات الاوسط حادثة نادره للغاية فلقد هربت امراة متزوجه مع شخص من عشيرة اخرى ، عشيرتا المراة والرجل هما بنو عارض وبنو حسن وهذه الاخيره هي احدى عشائر قبيلة بني حجيم المتوطنة بين السماوة والرميثه حيث وجدت تلك المراة التي قالت في ثورة العشرين بيتها الشعري الذي لن ينسى ردا على زوجها القادم من المعركة وهو يقول ((جن ماهزيتي ولوليتي )) ، واما بنو عارض فهم جيران ومحاددي بني حجيم و يسكنون منطقة تمتد من شمال الرميثه الى شمال الحمزه حتى اطراف الديوانيه مركز محافظة القادسيه.

قد يكون من المثير ان نعلم بان تلك الحادثة كانت الاولى من نوعها اذ لم يعرف عالم العشيرة المشاعيه حادثة مثلها ، وهذا فال سئ على جميع الصعد فلم تكن هنالك سوابق ولاسناين تنظم مثل هذه الحاله مماكان ينذر باحتمال تحولها الى كارثة فكل التصادمات والمعارك لها قواعد وهنالك "عتبه" "وعطوة" أي هدنة تطلب على كل تعد قبل ان تتقرر الحرب وغالبا ماتؤدي الهدنة الى دخول الوجاهات والمشيات بهدف ايجاد حل غير ان هذا كله تعطل وقتها بسبب انعدام السابقه مما كان يوحي بان المعركة قد تكون معركة افناء متبادل وهذا بالفعل ماقد خيم على الموقف وقتها وبعد عدة ايام اضطرت السلطة للتدخل بالطائرات والدبابات وتم اعتقال المئات وحكم على عجل على عدد كبيرممن القي القبض عليهم بالاعدام وعدد اكبر با لمؤبد ولكن المشكلة لم تحل وفي تلك الاونة شهدت المنطقة واحدة من الخلوات التاريخيه للعوارف الذين ظلوا اياما طويله مجتمعين يحاولون استنباط سنينه جديده ينظمزن بها الحالات المشابهه ويحكمون في الواقعة الفريدة التي بين ايديهم.

هذا على حد ما اظن لم يكن مجرد حدث عابرولقد جمعتني الظروف باهم قادة تلك المعركة والواقعه فكنت اتساءل واياهم من دون جدوى عن مغزى حصول هذا الحدث اليوم وفي هذه المنطقة العشائرية الصافيه التي تمثل بورة من بؤرصفاء القيم العشائريه بالذات ، من جهتي كنت مؤمنا بان عالما كان يشارف انذاك على الانتهاء وقد رايت برغم تقديري للقيم الاساسيه للتكوين المشاعي العشيري الزراعي المحارب بان ماكان يحدث وقتها اكبر وابعد من ان يترك للصدفه ، واردت ان اجد مااستعين به رغم مخاوفي السياسيه وتوجسي التاريخي من مجئ البعثيين الى السلطة ، بان احيل هذا الحدث الى مفهوم الفشل الذي سبق وطبقناه على الحالات الفردية والعامه مع اختلاف كبير فنحن هنا امام فشل بالمعنى التاريخي فكل نظام المشاعة العشيريه الزراعيه المحاربة كان يومها قد اصبح عرضة لخطر غير عادي وهاهو يفصح بذاته وفي الموضع الذي كان قد شهد اندلاع شرارة اعظم حدث في تاريخه وتاريخ العراق الحديث عند عام 1920 عن فشله الكبير ويرتكب في عام صعود البعث الى السلطة ، معصية لم تكن موجودة في سجله من قبل.

** من الجزئي الى الكلي: المراة الضائعه ونساء الدولة

مع وقوع ذلك الحادث كانت الدولة العرا قية الحديثه قد مرعلى قيامها قرابة نصف قرن، ومعها تاسست مفاهيم ومؤسسات شعبية ورسمية ، بدت و كانها تسير نحو الرسوخ ، وعموما فان منظورا للحياة والتاريخ والظواهر كان قد اصبح مقرا ، وشائعا عن عراق تحكمة تطورية حديثه وفجه ، وكان مفهوم العصر الحديث ، وتغلغل الراسماليه ، والا نتقال من مرحلة الانتاج للكفاف الى الانتاج للسوق ، قد اصبحت سائدة بين النخب المدينيه في اعلى السلطة الحا كمه ، ولدى الفئات المتنو رة المعارضة ، ومنها بالاخص ، اليسارية الاكثر ميلا الى تبني مفهوم ذهني وتخطيطي عن عراق بلا ماض ، ضيعته نخبته المتعلمة ومثقفوه وقواه السياسيه ، ساحقة تماما ، أي منظور محلي ، ومتجاهلة كل خصو صية تاريخيه ، او آ ليات عمل لها علاقة بالواقع الوطني ماقبل الحديث.

سوف نعود هنا مضطرين ومرة اخرى لذات قضايا النقاش الذي كنا قد بدانا به اصلا عند مفتتح هذا البحث ، وهذه المرة ليس للدفاع عن منطلقات نظريه ، فلقد انهارت مؤخرا الدولة العراقية الحديثه وبعد 82 سنه من تاريخها اصبحت مجرد خربه وركام ، وعاد العراق فجاة من دون دوله وقد تحلل الى عناصرومكونات مادون وطنيه ، والاهم من ذلك هو الانهيار في موقع القوى العصرية برمتها ، فالاحزاب والقوى العلمانيه غابت اليوم عن التاثيرالفعلي ، بينما تعاظم دور القوى العشائريه والدينيه والمذهبية ، او تلك التي تنطق باسم مطامح القوميات الصغرى ، وهذا وضع لابد ان يعيد طرح اسئله ، عن حقيقة ووزن المنظور العصري والحديث ، أي ذلك الذي كان اصلا تبسيطيا للغايه ، ويقول جزافا انما بقطعية ومن دون استدلالات ملموسه ، بان الشعب العراقي قد وجد ، واكتملت ملامحه ، وتوحدت سوقه الوطنية ، في عام 1920.

لو كان هذا الذي نشهده اليوم لم يحدث بالصورة التي هو عليها الان ، لكان ماقمنا به اعلاه من محاولة توصيف لاسس ومحركات العملية الاجتماعيه ، وموقع المراة في البناء الاجتما عي العراقي على العموم ، واليوم بالذات ، قد اصبح بلا معنى ولاحاطت به وبجدواه الشكوك من النواحي المنهجيه ومن حيث الجدوى ، او ا لقيمة والصدق العلميين ، الا ان المصادفة التاريخيه احيانا ماتكون من ذهب ومثلما كانت حادثة العارضيات على محدوديتها ذات دلالة تاريخيه غير عاديه فان احداث ا ليوم ومع الغزو الامريكي وماتمخض عنه ، قد منحتنا دلالات لايمكن الشك فيها على الا طلا ق ، وبسهولة اصبح من الممكن ان يقال ، بان العراق الحديث مازال خاضعا لصيرورة طويله لم تبدا في عام 1920 ولاانتهت عندما قامت الدولة العراقية الحديثه ، فهذه بالذات كانت برغم خطورتها وضخامة وقوة فعلها في المجتمع ، مجرد مرحلة بين مراحل سابقه ، انتهت على طريق انتقال المجتمع العراقي ، من حكم الدولة ا لمركبه من اعلى ، الى مجتمع ودولة التوافق.

وقد نسال ماهي قيمة مثل هذا النقاش ومامدى اهميته لبحثنا الحالي ولاي بحث يريد ان يتحرى موقع وقضية المرا ة في العراق ؟ للجواب على هذا السؤال قد نضطرللجوء الى طرح بعض اسئلة مقابله ، مثل : هل نحن بصدد البحث عن فاعل اجتماعي ، وشروطه ، واستجاباته ضمن لوحة محددة واقعيا ، ام اننا نريد التحدث عن حالة ا فتراضية وذهنيه ، كماسيكون عليه حالنا فيما لو ا ننا تبنينا المنظور الشائع لدى المثقفين والكتاب والعاملين في المجالات السياسيه والاجتماعيه من العراقيين الذين يعتمدون المنظور التطوري التبسيطي عن التطور العراقي الحديث ، كما هو مفترض ومتعارف عليه منذ بدايات القرن الماضي ، وبالاخص منذ عشريناته ، وليس مانميل اليه بالامرغيرالمبرر او الغريب في اوضاع البلدان التي تعيش ظروف تحول تاريخي وتغيرات مطردة ، لاتترك مجالا واسعا للحديث عن ثبات في اللوحة الاجتماعيه ، ولا تتيح الجزم بشان الحكم النهائي على رسوخ حركة الظواهراوالمعطيات التي تتشكل منها.

هل المراة التي حاولنا التحدث عنها في الصفحات التي مرت هي "المراة العراقيه" ؟ ام اننا قد تابعنا حالة امراة منقرضه ، لم يعد لها من وجود منذ قرابة قرن من الزمن ، وهي محصورة في مكان محدد من العراق هو العراق الاسفل ، الغالبية من المهتمين العراقيين يميلون الى اعتبار اللوحة التي نتبناها منتهيه ، وهم يبا درون الى تبني صورة اخرى عن المراة التي ظهرت منذ العقود الاولى للقرن الماضي ، امراة مدينيه ، متعلمه اتيحت لها فرصة الذهاب الى المدارس الحديثه ، اي هي بنت الدولة الحديثة ومؤسساتها ، بنت الصحافة ، والمدارس ، والجامعات ، والاحزاب السياسيه ، والنقابات ، وهذه لاشئ طبعا يميزها عن غيرها من النسو ة المعروفات في البلدان القريبه والمجاورة في العالم العربي ، هنالك بعض التاخراوالتقدم في توقيت بروز ناشطات مبكرات ، او كاتبات ، اوعاملات في الحقل العام ، انما الاساس واحد ، والمحركات او محددات الدور لاتخرج عن نطاق ماتفرضه عملية التطورالعامه كما كانت ترسم اعتباطا ، من الاقطاع الى البرجوازيه ، من الاستعماروالهيمنة الاجنبيه الىالتحررالوطني ، من الصراع ضد الجهل والتخلف ، الى انتزاع الحقوق والمشاركة في الحياة العامة والعمليه.

عندما تحدثنا عن المراة في عالم المشاعة ا لزراعية القروية المحاربه ، سعينا للعثورعلى ملامحها وموقعها مرسوما في تضا عيف العملية الاجتماعيه ، وتعرفنا هناك على محدداتها ، اوعلى كيفية ادائها لدورها ، هذه المراة ضاعت ملامحها مع قيام الدولة وانتشار الا فكار الحديثه ، واحيلت الى عالم التخلف ، واقصيت عن كل اهتمام او بحث وخلال الفترة مابين الثلاثينات والستينات كان نموذج المراة الحديثه يتقدم ، بينما الهجرة الريفيه تملا بغداد ، والمراة وريثة افكار وقيم المشا عة القرويه تشكل ثقلا متعاظما في نسبة السكان داخل العاصمه ، ولكن التقابل بين المراة الصاعده بنت الدوله ، والمراة الاتية من الريف ، لم يكن يفهم الا باعتباره تصادماوالغاء ، وحين كانت النسوة في مدينة الثورة ، يبدين قدرا من التحرر ، ويشاركن في العمل الى جانب الرجال ، ويخرجن من بيوتهن حتى من دون اذن ازواجهن ، ويحضرن مجالس الرجال ، ويتحادثن مع الغربا ء من دون وجل ، كان ذلك كله يحال الى الدونية والتخلف ، وغالبا الى قلة الحياء وانعدام الاحترام للذات ، لم تكن تلك المراة الاقدم ، تستحق مكان الام او الجدة المباشره لنساء الدولة الحديثه ، وهي لم تستنفر ابدا الرغبة في البحث عن اصول ماكانت تتمتع به من حرية مكتسبة ، بينما هي آتية من ماكان يعتبره المتعلمون مجاهل مغرقة في الظلمه.

لا يمكننا ان نقارن اوضاع الجارين ، اللذين القاهما القدر الى جانب بعضهما وكانه اراد ان يضعهما وجها لوجه بتقابل لابتتابع ، لقد كانت المراة القديمه موجودة في بغداد ، العاصمه، ومركز التقدم ، وفخر الدولة ، تنمو عدديا ، وتطغى على العالم الجديد ، وتقصى من قبله ، توضع بينها وبينه الحدود ، ليس مكانيا وحسب ، بل في المنظور والموقف ، انها اللاشئ العابر ، المنقرض ، الى ان جاء يوم وانهارت الدولة فجاة ، واذا بطوفان النسوة المهاجرات يغدو سيد الموقف ، لقد كان مما يثيرالرهبة ازاء مفاجئات التاريخ ، ان تخرج قبل ايام قليله تظاهرة نسوية في مدينة الصدر، تاييد لتيار الصدر، تتقدمه عضو "مجلس الحكم الانتقالي" سلامه الخفاجي ، وهي ترتدي العباءة والجرغد تهتف وتخطب بالنساء ، هذه المراة كانت قد تعرضت قبل ايام ، لمحاولة اغتيال قتل فيها ابنها الشاب ، وبعدما خرجت من موقعها ، هاهي تؤيد الان تيار الصدر الاسلامي ، لقد اندمجت ضمن  

 أرسل هذه المادة الى صديق نسخة قابلة للطباعة أدلي بتقييمك (قراءة: 11731 | أُرسل لصديق: 8 | تم طباعته: 1784 | تقييم: 0.00 / 0 صوت)

لاحق
إلى متى ... الإحصاء الإستثنائي؟ – 0- كانون ثاني 2004 - 13: 1
المرأة الفلسطينية في الرواية بين إنتفاضتين – 0- كانون ثاني 2004 - 13: 1
العنف اللفظي تجاه الأطفال – 0- 0000 - 00: 0
واقع الطفل الفلسطيني في ظل اتفاقية حقوق الطفل – 0- 0000 - 00: 0
حقوق المرأة السياسية في بلدان العالم الإسلامي حقوق شرعية متناقضة التطبيق – 0- 0000 - 00: 0

سابق
دور المرأة السياسي في عهد النبي والخلفاء الراشدين – 0- كانون ثاني 2004 - 07: 1
النساء يسيطرن على الإنترنت؟! – 0- كانون ثاني 2004 - 06: 1
الجدران تضربني: تأملات في علاقة العنف بالمعمار( نموذج الفندق) – 0- كانون ثاني 2004 - 06: 1
العنف: شاشة أم مرآة؟ – 0- كانون ثاني 2004 - 06: 1
المرأة المسلمة.. أزمة واقع أم أزمة تفكير؟ – 0- كانون ثاني 2004 - 04: 1

إقرأ أيضاً ...
لمحات من تاريخ الحركة النسوية العراقية عودة الى بداية الصراع من أجل التحرر – 1- 2007 - 08: 0
حقوق المرأة العراقية في الدستور – 0- كانون ثاني 2006 - 19: 0
المرأة العراقية والدور الجديد – 7- 2004 - 15: 0
المرأة العراقية والحصار – 5- 2004 - 20: 1
المرأة العراقية بعد عام من الإحتلال – 4- 2004 - 20: 1
الأسرة تحت أوزار الحرب-المرأة العراقية والمحنة المستمرة – 3- 2004 - 05: 1
المرأة العراقية وأنشطة الحياة العامة – 3- 2004 - 03: 1
واقع إنتهاكات حقوق المراة الليبية – 1- 2004 - 27: 0
تحرّر المرأة العراقية وخطاب الثقافة والمثقف العراقيين – 1- 2004 - 09: 1
المرأة العراقية في ظل الإحتلال وغياب الأمن – 9- 2003 - 23: 1

بدعم من wmnews,php,mysql  

الزوار منذ 25/4/2001

© مركز الدراسات- أمان