الجمعة, 03 أيلول 2010

أرسل دراسةً

إحصائيات

الصفحة الرئيسة

جديد الدراسات

الصفحة الرئيسة / أمان

بحث عن دراسة

 
 الأقسام
أبحاث
أوراق عمل
حلقات تلفزيونية
دراسات
محاضرات

 أبحاث

9- 2004 - 08: 1
الحروب.. وآثارها النفسية على الأطفال

محمد اسماعيل حديد‏

تترك الحروب، ولا سيما ذات الصبغة العدوانية، الكثير من الكوارث، ومن جرائم بحق الابرياء، ومن تدمير يلحق بالعمران والبيئة، لكن اكثر نتائجها مأساوية ما يتعلق بما تتركه لدى الاطفال من آثار سلبية قد ترافقهم طيلة حياتهم يقوم الخبراء والمحللون المختصون خلال الحروب او بعد انتهائها بإجراء الدراسات والتحليلات للآثار السياسية والاقتصادية والعسكرية والبيئية وغيرها التي ترتبت على هذه الحرب او تلك، والقلة من هؤلاء المختصين يتصدون لبحث الآثار النفسية والمعنوية لتلك الحروب على المدنيين بشكل عام، والاطفال على نحو خاص، ففلسطين والعراق تشهدان حرباً مروعة ترمي بظلها الاسود الحالك على اطفال فلسطين والعراق، لتحفر في ذاكرة اطفالهما صوراً لا تنسى تؤثر على صحتهم النفسية، وتسبب الآفات التي يصعب علاجها، والتي قد تتحول الى آفات نفسية مزمنة.

يتابع الكثيرون - في هذه الايام- ما تبثه شاشات الفضائيات المختلفة من صور القتل والتدمير الذي تنفذه قوات الاحتلال في فلسطين والعراق، ولا ندري أهو من حسن الحظ ام سوئه ان هذه الصور عادة ما تمحى بعد فترة من الزمن من ذاكرة من شاهدها ولم يعشها، ولكن - بالتأكيد- ان هذه الصور لا تزول من ذاكرة من عاش احداثها الحية، فأحس بالرعب والقلق جراء تعرض حياته للخطر، او بالاسى والحسرة لفقدان عزيز او بيت كان يؤويه او حقل كان يقتات من خيراته، وحسب علماء النفس، فإن الكبار اقدر على تحمل الصدمات من الاطفال، لذا فإن الحروب وما يصاحبها من اهوال ونكبات، يكون اثرها النفسي اكبر بكثير على الاطفال، وهذا ما لايدركه الاهل في حينه، بل بعد تفاقم حالة الطفل النفسية، وتحول مشاعر الفزع والرعب الى آفة نفسية مزمنة تحتاج للعلاج والمداواة لفترات زمنية طويلة.

وليس في قولنا ما يعيب، اذا اعترفنا بتقصيرنا - عربياً- في مجال الرعاية النفسية وتأمين الوسائل الضرورية لاحتواء ردة فعل الصدمات على الاطفال، في حين ان غالبية الدول الغربية تقوم بتوجيه الاهل - عبر الوسائل المتاحة - الى كيفية التعامل مع الاطفال، ليس فقط في مواجهة الحرب اذا دارت على ارضهم، بل تتجاوز ذلك الى الاهتمام بالتوازن النفسي للاطفال لاستيعاب الحروب التي تدور في دول اخرى بعيدة، وذلك للحيلولة دون تأثر الطفل من مشاهد المجازر الانسانية على شاشات التلفزة، خاصة اذا كانت جيوش تلك الدول هي صانعة هذه المجازر والنكبات، وقد عمدت بعض المدارس الى اضافة حصص دراسية في مناهج الاطفال لتهيئتهم لاستيعاب كل ما يمكن ان ينجم عن الحروب، دون صدمات نفسية او آثار مترسبة.

ويؤكد المختصون ان اخطر آثار الحروب هو ما سيظهر بشكل ملموس لاحقاً في جيل كامل من الاطفال الذين سيكبر من نجا منهم وهو يعاني من مشاكل نفسية، قد تقل خطورتها او تزيد حسب استيعاب ووعي الاهل لكيفية مساعدة الطفل على تجاوز المشاهد المروعة التي عاشها او شاهدها، ومن المؤكد انه يمكن التقليل من الآثار النفسية السلبية في هذه الحالات اذا تذكر الاهل الجانب النفسي للطفل في الاوقات العصيبة، وجهدوا لمعالجتها في حينه. ويشير الدكتور محمد النابلسي رئيس اتحاد علماء النفس العرب في موقعه الخاص على شبكة الانترنت الى ردود فعل الاطفال ازاء الانفجارات ويصنفها الى:

1 - ردود الفعل الاولية: وتشمل التخدير الحسي عند سماع الانفجار، ثم الانتقال الى مرحلة عدم استيعاب الحدث، تتبعها مرحلة الهستيريا من الصراخ والبكاء.

2 - ردود الفعل قريبة الامد: وهي صعوبات التفكير وحالة من القلق والاضطرابات.

3 -ردود الفعل متوسطة الامد: فيها يبدأ الانسان بالشعور بعدم الاطمئنان، واحياناً الاحساس بالذنب «اذا كان ناضجاً» لعدم قدرته على تقديم المساعدة، وقد تنتابه حالة من الغضب الناتج عن العجز، وهذا يؤدي الى انتكاسات نفسية وجسدية.

4 -ردود الفعل طويلة الامد: تعتمد على قدرة الانسان على التكيف مع الاحداث.

ان تعرّض الانسان لخطر مفاجىء او رؤية مشهد مفزع أو سماع خبر مفجع، يتسبب في حدوث صدمة نفسية للمتلقي، ومفردة «الصدمة» تستخدم عادة للتعبير عن التأثر النفسي الشديد، وتعريف هذه الحالة المعروفة بـ «TRAUMA» بشكل مبسط: هي حالة من الضغط النفسي تتجاوز قدرة الانسان على التحمل والعودة الى حالة التوازن الدائم بعدها، دون آثار مترسبة. وقد قام المختصون بتعريف الصدمات النفسية بأشكال مختلفة يعتمد كل منها على التجربة الفردية الخاصة نحو الحدث الذي ادى الى الصدمة، ويعتبر اكثرها اثراً هو ذلك النوع من الصدمات التي تهدد الحياة، او حدوث الاصابات الجسدية والمفاجآت الخارقة للعادة، فتجعل الانسان في مواجهة الخوف من الموت او الابادة او الايذاء بشتى اشكاله. تقول الدكتورة نعمة البدراوي اختصاصية الطب النفسي: «تعتبر الصدمات التي يتعرض لها الطفل بفعل الانسان اقسى مما قد يتعرض له من جراء الكوارث الطبيعية واكثر رسوخاً بالذاكرة، ويزداد الامر صعوبة اذا تكررت هذه الصدمات لتتراكم في فترات متقاربة، ومن معوقات الكشف عن هذه الحالات لدى الاطفال هو انه يصعب عليهم التعبير عن الشعور او الحالة النفسية التي يمرون بها بينما يختزلها العقل وتؤدي الى مشاكل نفسية عميقة، خاصة اذا لم يتمكن الاهل او البيئة المحيطة بهم من احتواء هذه الحالات ومساعدة الطفل على تجاوزها».

ويؤكد علماء النفس ان هذه الصدمات قد تتصاحب بحالات من الفوبيا المزمنة من الاحداث او الاشخاص او الاشياء التي رافقت وقوع الحدث، مثل الجنود، صفارات الانذار، الاصوات المرتفعة، الطائرات، وفي بعض الاحيان يعبّر الطفل عن هذه الحالات بالبكاء او العنف او الغضب والصراخ او الانزواء في حالات من الاكتئاب الشديد، الى جانب الاعراض المرضية مثل: الصداع، المغص، صعوبة في التنفس، تقيؤ، تبول لاارادي، انعدام الشهية للطعام، قلة النوم، الكوابيس، آلام وهمية في حال مشاهدته لاشخاص يتألمون او يتعرضون للتعذيب، وفي حال مشاهدة الطفل لحالات وفاة مروعة لاشخاص مقربين منه او جثث مشوهة، او حالة عجز لدى مصادر القوة عند الطفل «الاب والام على سبيل المثال»، يصاب عندها الطفل بصدمة عصبية قد تؤثر على قدراته العقلية.

ويأتي اخيراً دور الاهل في الرعاية النفسية للطفل في الظروف الاستثنائية، وهذا الدور يفوق في اهميته دور الطبيب المعالج، لأن دور الاهل هو دور وقائي، اما دور الطبيب فهو دور علاجي، والوقاية افضل من العلاج، وخاصة توجيهات المختصين في هذا المجال انه على الاهل في حال تعرض الاطفال لظروف مروعة ان يبدؤوا مباشرة بإحاطتهم بالاطمئنان ولا يتركوهم عرضة لمواجهة هذه المشاهد دون دعم نفسي، وذلك عن طريق الحديث المتواصل معهم وطمأنتهم بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وانهم لن يصيبهم أذى، مع التركيز على بث كلمات من الحب او تشتيت فكرهم عن التركيز في الحدث المروع، خاصة في أوقات الحوادث المخيفة في حال وقوعها على مقربة منهم، لأن مثل هذه اللحظة ستترك آثارها الكبيرة في حياة الطفل النفسية، وكلما تركناه يواجهها وحده يزداد اثرها السلبي بداخله على المدى القريب والبعيد.

أما الأطفال الأكبر سناً، فيمكن مناقشة ما يجري معهم واقناعهم بأنهم في مكان آمن وان الخطر لن يطالهم، وان الأهل قد اتخذوا كافة الاحتياطات لحمايتهم، مع ضرورة عدم منعهم من البكاء أو السؤال عما يجري والحديث عنه، فمن الضروري ان نعرف ما يدور في تفكير الطفل، ولا ينبغي ان نتركهم يطلقون العنان لمشاعرهم في هذه الأوقات حتى لا تتراكم الصدمات، ويمكن تشجيعهم على الحديث بمبادرة من الأب أو الأم لتوضيح أحاسيسهم، مع اختيار الأسلوب والألفاظ التي يمكن للطفل استيعابها والتجاوب معها، ولعل من أهم ما يجب ان يفعله الأب بشكل خاص، كونه القوة المسيطرة في عقل الطفل، هو مراقبته لتصرفاته، إذ لا ينبغي للطفل ان يشاهد أباه خائفاً أو خائر القوى من الصدمة، كما يجب على الأهل ان يحاولوا المحافظة، قدر الامكان، على الحالة الطبيعية، وتدعيم القدرة على التحمل، وتلطيف الأجواء ليبثوا الثقة والاطمئنان في نفوس الأطفال حتى لا يقعوا فريسة الأوهام والوساوس التي قد تعرض صحتهم النفسية لمرض يصعب شفاؤه، ولعل من نافلة القول ان نذكر بأن المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن رعاية الأطفال في فلسطين والعراق، قد أشارت الى خطورة ما يتعرض له الأطفال في هذين البلدين من ضغط نفسي جراء العمليات الحربية التي تقوم بها كل من اسرائيل والولايات المتحدة، وأوضحت ان أعداداً كبيرة جداً منهم أصبحوا بحاجة لعلاج نفسي طويل الأمد.‏ ‏  

 أرسل هذه المادة الى صديق نسخة قابلة للطباعة أدلي بتقييمك (قراءة: 4346 | أُرسل لصديق: 5 | تم طباعته: 478 | تقييم: 0.00 / 0 صوت)

لاحق
هل حقوق المرأة مهضومة في التشريع الإسلامي – 9- 2004 - 09: 1
ما هي حقوق الطفل، ومَن يقوم بتحديدها؟ – 9- 2004 - 09: 1
مفهوم المجتمع المدنيبين الفلسفة السياسية الغربية والسوسيولوجيا المعاصرة – 0- 0000 - 00: 0
إضطهاد النساء في ظل العولمة – 0- 0000 - 00: 0
نحو مجتمع المعرفة – 0- 0000 - 00: 0

سابق
قراءة في تاريخ المرأة عند الإغريق – 9- 2004 - 08: 1
حواء بين الدين والأسطورة – 9- 2004 - 08: 1
معضلة مساواة الرجل بالمرأة عبر التاريخ – 9- 2004 - 07: 1
هل من الممكن أن تتساوى المرأة مع الرجل في الريادة؟ – 9- 2004 - 06: 1
المرأة المصرية في واقع متغير – 9- 2004 - 06: 1

إقرأ أيضاً ...
العنف ضد الأطفال من منظور ثقافي – 7- 2007 - 07: 0
الانترنت في خدمة قضايا الطفولة: مناهضة العنف ضد الأطفال أنموذجا – 7- 2007 - 07: 0
صورة المرأة في أدب الأطفال العربي – 2- كانون ثاني 2006 - 25: 0
عمل الأطفال في مزارع التبغ في لبنان – 2- كانون ثاني 2006 - 11: 0
أثر استخدام برنامج للمشاهدة الناقدة على عينة من الأطفال المصريين "دراسة تجريبية" – 7- 2006 - 25: 1
الطفل المغربي المعجزة، عمالة الأطفال في مصر  – 5- 2006 - 08: 1
حماية الأطفال والنساء من العنف – 4- 2006 - 24: 1
دراسة تربوية حضانة الأطفال في الأسر المطلقة – 2- 2006 - 09: 1
عمالة الأطفال في لبنان – 7- 2005 - 01: 1
الضغوط النفسية وأثرها على الطفل – 6- 2005 - 14: 1

بدعم من wmnews,php,mysql  

الزوار منذ 25/4/2001

© مركز الدراسات- أمان