فن تشكيلي ... الجيل الذي كوّن شخصية الفنانة اللبنانية المجتهدة
جريدة الخليج- من الأجدر أن نحسم مسبقاً إشكالية ما يسمى بالفن النسائي. فقد برهنت الأبحاث بأن الطابع الأنثوي يصعب أن يعلن حضوره على اللوحة، نظراً لصعوبة تحديد ملامح هذا الطابع أولاً، ثم لانعدام الفوارق بين الإيقاعين الذكوري والأنثوي في الثقافة البصرية عموماً. فنحن إزاء نص يدرك بالمدرك الحسي أولاً، ثم يحلل بالمدرك العقلي لإكسابه نتائج تفسيرية قابلة للمقاربة، أو على الأقل ذو قابلية على الفهم والمطابقة.
عمران القيسي
من هنا ندخل عالم المرأة الفنانة لنكتشف أنها لا تتميز عن عالم الرجل الفنان. لا من حيث الموضوعات التي تطرق، ولا من حيث الخامات والمواد التي تستعمل. وقد كان بعض الباحثين الاجتماعيين الذين ربطوا الفن بشكل أو بآخر بتفسيرات علمي الاجتماع والنفس يركزون على الموضوع النحتي، باعتباره من الفنون التي تحتاج إلى طاقة متوفرة بالرجل دون المرأة، يرون أيضاً أن عدم بروز أسماء فنية نسائية في النحت الكلاسيكي، من زمن عصر النهضة حتى الزمن “الروداني” (أوجست رودان نحات فرنسي ولد سنة 1840 وتوفي سنة 1917 في فرنسا هو الدليل الأكيد على الهوية الرجولية للنحت)، وهذا ما ألمح إليه “هيجل” في أغلب بحوثه المتعلقة بعلم الجمال. رغم أنه الفيلسوف الذي وضع مداميك هذا العلم العميق.
مع ذلك فإن انعطافاً صوب الحالة الإبداعية اللبنانية سوف يكشف أمامنا اهتماماً نسائياً مبكراً بالفن، حيث عاصرت المرأة اللبنانية الفنانة جيل الرواد الذي تمثل بداود القرم وخليل الصليبي كما درست على أيدي الانطباعيين الأوائل أمثال مصطفى فروخ وعمر الأنسي وقيصر الجميل. وكانت سباقة في الالتحاق بالدورات المبكرة للأكاديمية اللبنانية للفنون، ثم في قسم الفن بالجامعة الأمريكية في بيروت، إضافة إلى التحاقها المبكر أيضاً بمعهد الفنون التابع للجامعة اللبنانية منذ أولى دوراته. أما كبعثة ودراسة للفن في باريس وروما ولندن وأمريكا فكانت من الرواد الأوائل الذين درسوا الفنون الغربية. ثم عمموا التجارب الغربية في لبنان، بل إن بعضهن أقام أول المعارض لفنانين عالميين أمثال بيكاسو وبراك ودالي في لبنان.
* سلوى روضة شقير
يعتبر عالم سلوى شقير كتاباً متعدد الإشارات والطلاسم. لذلك لا يمكن قراءته إلا بلغة الفنانة ذاتها. أي أن أي عمل فني انتجته وبالأخص في مجال النحت الذي هو حقلها الأخصب، لا يمكن الوصول إلى ماهيته، وتحليل مفاصله، إلا بقراءات تشريحية تنطلق من ذاتيته التكوينية وترتد عليه ثانية لكي تفصح عن جزء جوهري منه، إنه تلك اللغة الصوفية ذات عبارات تتجاوز اللغة، حيث تنقلنا إلى استعمال جديد وغير مسبوق لها. كذلك منحوتة سلوى الخشبية أو الحجرية أو الحديدية. فهي من ظهورها الأول تتجاوز مادة تكوينها، بل تلغيها أحياناً لكي تطرح أمامنا مفهوماً استعمالياً جديداً للمادة، وهذا هو التجاوز الأول الذي يؤهلها لأن تدخل في صلب المعادلة التجريدية العامة القائمة على مرتكزات هندسية ورياضية، بإمكانها أن تحول المطلق العام إلى نظام متماسك يعلن ماهيته الجديدة، ويفرض حضوره ككتلة متحركة أو محورية غير ثابتة في فضاء اشتغلت الفنانة بكل مخزونها الفكري والثقافي لترويضه واستخدامه كزمان وكمكان لظهور ديناميكي لقوة منحوتتها.
ليست بالنحاتة السهلة، ولا مجال لأية عفوية في صياغاتها الذكية لمفرداتها التي تركبها كجمل تتكامل لتكون سطراً من لغة فكرية عميقة. فسلوى روضة شقير، كانت ولا تزال منذ أكثر من ستين عاماً النقطة الأعمق في محيط الفكر النحتي التجريدي في لبنان.
* إيفيت أشقر
من سلالة اللبنانيين المهاجرين إلى البرازيل منذ بداية القرن العشرين أو ما قبل هذا التاريخ وهناك ولدت لكنها جاءت إلى الوطن لبنان لتؤسس واحداً من أعمق العوالم التجريدية، حيث الفن الذي استوعبته هذه الفنانة الأستاذة هو ذلك الذي يقتطف من المنظر الخارجي حركته أو طيشه اللوني في لحظة الحركة، من هنا يمكننا أن نتعامل مسبقاً مع مسطح تشكيلي تتصدى له إيفيت أشقر بحركة مباغته تحوله إلى حيز يحف بهذا الانخطاف الذي منه تنطلق الذاكرة الذكية المليئة بالتداعيات وليس استغراقاً في عالم التصادم بين الحار والبارد، أو بين العتمة والضوء إننا نرى هذا الحضور المستفز للأسود أو للألوان المقتولة الضوء، بل لأن هذه الفنانة التي تفهم العالم الشرقي برمته من خلال حالة الاستقطاب الذهني بين الأنا والآخر، أو بين الداخل والخارج، سوف تندفع تلقائياً لصياغة الفكرة الأساسية للمشهد التجريدي المتحرك.
صفحة: [ 1 ] 2