فريد أحمد حسن
في العام 1956 وبالتحديد يوم الثالث عشر من شهر أغسطس منه أي قبل اثنين وخمسين عاما من الآن صدرت في تونس (مجلة) الأحوال الشخصية (قانون الأحوال الشخصية الذي لا يزال متعثرا هنا)، فبعد حصولها على الاستقلال بأشهر قليلة صدرت تلك (المجلة) التي تلغي تعدد الزوجات والطلاق التعسفي وتقر الطلاق القضائي وتعطي المرأة التونسية حق الانتخاب وحق الترشح للانتخابات وتعطيها حقها في التربية والتعليم وحقها في العمل وغير هذه من حقوق، لتتواصل من ثم مكاسبها حيث جعلت الدولة هناك النهوض بالمرأة أحد الاختيارات الكبرى التي يراهن عليها المشروع المجتمعي للدولة والقائم على الإدماج وعدم التمييز حسب القائم بالأعمال بالنيابة بسفارة الجمهورية التونسية لدى المملكة مروان كبلوطي الذي أصدر بيانا يبين حال المرأة العربية في تونس بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة الثاني والخمسين الأربعاء الماضي، وأكد فيه أن بلاده اتخذت العديد من الإجراءات لضمان المساواة بين المواطنين من الجنسين وتحقيق توازن الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع.
وحسب كبلوطي أيضا فإن تحسينات كثيرة أضيفت إلى مجلة الأحوال الشخصية منذ العام 1993 من بينها مبدأ التعاون والاشتراك في المسؤولية بين الزوجين داخل الأسرة لتمتد علاقة المساواة إلى كافة ميادين الحياة الاجتماعية حتى صار للمرأة نفس الحقوق التي للرجل في الحياة العامة نتج عنه حضور متزايد للمرأة في القطاعات الاقتصادية وإلغاء بعض أحكام مجمل الالتزامات والعقود لعدم تماشيها مع تكريس حق المرأة في العمل لتجد المرأة نفسها وقد مثلت ربع السكان النشيطين ونصف العاملين في قطاع التعليم وحقل الطب وتدير آلاف المؤسسات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات.
في الجانب السياسي للمرأة التونسية نصيب وافر من الحضور والفعل أيضا، فهي تشغل سبع مقاعد في الحكومة وتشكل نحو 23% من مجلس النواب ونحو 28% في المجالس البلدية حيث ضمن لها القانون نسبة لا تقل عن 20% من المقاعد.
مروان كبلوطي أشار في تصريحه إلى نقطة مهمة للغاية فيما يخص فوائد مثل هذه التوجهات الحضارية للمجتمع حيث قال إن سياسة النهوض بالمرأة كانت له انعكاسات إيجابية بالنسبة إلى كامل المجتمع حيث كان لها الفضل في تحكم تونس في نموها الديمغرافي الذي أصبحت نسبته دون نسبة نموها الاقتصادي بكثير.
من الأمور المهمة الأخرى التي أشار إليها كبلوطي أن بلاده اعتمدت منذ العام 2007 نظاما خاصا يتيح للأم العمل بنصف الوقت مقابل الثلثين من الأجر مع الحفاظ على حقوقها كاملة في التقاعد ،والهدف واضح هو تمكين المرأة من فرص أكبر للتوفيق بين الحياة الأسرية والحياة المهنية.
هذا الحديث يعيدنا من جديد إلى قانون الأحوال الشخصية الذي رفضه كثيرون هنا في البحرين دون حتى أن يطلعوا عليه ويعرفوا منافعه للأسرة والمرأة والرجل والمجتمع بينما دخل المعنيون من علماء الدين في تفاصيل لم تضع في حسبانها التطور الاجتماعي الذي تعيشه البحرين واتساع قاعدة المتعلمين ونضال المرأة البحرينية وغير هذه من أمور . بل أن البعض بالغ في التهويل إلى الحد الذي حذر فيه الناس من مغبة إضعاف الدين ناسيا أن الدين الإسلامي من القوة بحيث لا يمكن لقوانين وضعية أن تؤثر فيه سلبا أو تضعفه.
ليس في تونس فقط تحولت المرأة إلى شريك فاعل في المجتمع ولكنها صارت كذلك في عدد من المجتمعات العربية والإسلامية منذ سنين طويلة، أما الفارق بيننا وبين تلك المجتمعات فيكمن في أن الناس هناك كانوا أكثر ثقة في كل ما وجدوه أمامهم ولم يدخلوا في مساحات التشكيك التي دخلناها نحن بفضل تسييس الموضوع وبفضل دخول علماء الدين في مساحات مخصصة للسياسيين.
المؤلم في موضوع المرأة في البحرين وفي عموم دول مجلس التعاون الخليجي هو أن الحديث فيه ينفيك إلى خانة المتآمر على المجتمع والدين إن تبين أنك مناصر للمرأة أو داعيا إلى حق من حقوقها، وكأن مجتمعنا أو ديننا سيضيع إن أعطيت المرأة حقوقها أو تم إقرار قانون للأحوال الشخصية يعتمده المجتمع في التقاضي.
طبعا من الناحية النظرية لا يتردد حتى الذين يقفون في الضد من المرأة وقانون الأحوال الشخصية من الإشادة بدور المرأة وحقها في الحياة والعطاء والإبداع ولا يترددون عن الاستشهاد بشخصيات نسائية في التاريخ الإسلامي ويوظفون الكثير من الآيات القرآنية التي رفعت من مكانة المرأة وعبرت عن احترام الدين الإسلامي لها، لكن كل هؤلاء يقفون من المرأة موقفا سلبيا من الناحية العملية ولا يترددون (عندما يجد الجد) من الوقوف ضدها إلى درجة التسخيف بها وبالآراء المناصرة لها والداعية لنيلها حقوقها إلى حد التكفير والاتهام بالإساءة إلى الدين.
وضع مؤلم تعيشه المرأة الخليجية، ويزداد ألمها عندما تكتشف أن أختها في دول عربية وإسلامية سبقتها إلى نيل حقوقها وتحولت إلى شريك فاعل في المجتمع منذ نحو نصف قرن من الزمان بينما هي لا تزال تتهم بشتى أنواع الاتهامات ليس فقط لو أنها طالبت بحقوقها وبقانون للأحوال الشخصية يحميها ويحمي بيتها وأسرتها ولكن حتى لو تمردت على النقاب أو الحجاب.
ترى كيف لمجتمعنا أن يتطور ويكون للمرأة فيه إسهام موجب وهي لا تزال مقيدة بكل هذه القيود ولا يزال للبعض ممن لا صلة وصل بينه وبين التطور والحياة تأثير وحكم ولا تزال بعض المقاليد في يده؟
إنه مقال تحريضي مناصر للمرأة.