صفية الجفري
كان خبير الماكياج في برنامج يعنى بالزينة في قناة مصرية خاصة يضع طبقات كثيفة من الألوان على عيني "الموديل"، باعتبار أن الفتاة الخليجية تغطي وجهها عدا منطقة العين، ومن ثم تهتم بإبراز هذه المنطقة وتجميلها، وكانت إضافة الألوان تتم بصورة بدت لي لا نهاية لها. إلى أين يمضي؟ وأي صورة هزلية يحملها هذا الخبير عن الفتاة الخليجية؟
في السعودية الخروج بماكياج للعين بهذه الصورة يعد خروجا على الآداب العامة، بل السائد إما كشف الوجه أو تغطيته عدا العينين مع ماكياج خفيف للعين إن وجد. ما يحصل من بعض المصريين هو اختصار الفتاة السعودية في نمط معين، وقالب جامد، في تغييب للحكم المنصف، والتعامل مع الثراء الإنساني الخاص بكل فرد.
تنميط مصري
تعاملت مع مصريين على عدة مستويات، ومن أجيال مختلفة، بعضهم يعيش في جدة وبعضهم في مصر، وكان القاسم المشترك بين بعضهم هو الذاتية المصرية -إن صح التعبير- تلك الذاتية التي تحجزهم عن التواصل المستكشف الذي يقدر الاختلاف، ويحتفي به، فضلا عن عدم قدرتهم على تجاوز رؤيتهم الخاصة للحياة باعتبارها الرؤية المثلى التي ينبغي أن تحاكم إليها ثقافات الآخرين.
وهذا نجده حتى عند بعض المصريين الذين يعيشون في المجتمع السعودي، والجهل عند هؤلاء يكون مركبا؛ لأن الصورة التي ينقلونها تكون مستندة إلى اعتقاد النظرة العليمة بتفاصيل الحياة في المجتمع السعودي، وهم في الحقيقة لا يرون إلا أمورًا مجتزئة، يصدرون من خلالها أحكاما تعميمية.
على مستوى التعليم مثلا، كيف يمكن للأستاذة الجامعية أن تؤثر في طالباتها إيجابا وهي تتعامل معهن على أنه لا فائدة ترجى من توجيههن؛ لأنهن لا يهتممن إلا بما هو سطحي وفارغ المضمون، ولأنهن نتاج بيئة جاهلة ومتخمة ماديا أفرزت نفسيات لا أمل في إصلاحها.
هكذا كنت أرى تعامل بعض الأستاذات المصريات في إحدى الجامعات السعودية (ولا يعني ذلك عدم وجود نماذج ممتازة من الأستاذات المصريات خلقا وعطاء علميا)، نعم هناك تجاوزات من الطالبات، وهناك خلل في المفاهيم عن التعليم وأهميته كغذاء للروح والعقل، لا شك في ذلك، لكن ما هو دور المعلم، أليست التربية هي الدور الأساس؟ وكيف يمكن القيام بهذا الدور إذا كان المعلم يتعامل بنفسية مترفعة، مزدرية للطالب؟
وقد جمعتني دورة تدريبية بإحدى الفتيات السعوديات، كانت أكثرنا تألقا بذكائها ودأبها، وعرفت فيما بعد -عن طريق شخص آخر- أنها تعول أسرتها لوفاة الأب، وتقوم بالادخار من مرتبها لتطوير قدراتها، قالت لي: كنت فيما مضى لا أكن احتراما للمصريين؛ ففي الجامعة صادفت نماذج تعاملنا بترفع، صدني عن الاستفادة والتعلم الحقيقي، وهذا لم يكن صوابا بالطبع، لكني لم أدرك ذلك حينها، ثم غيرتْ نظرتي إلى المصريين الفضائيات المصرية، متابعتي لها علمتني أن أحترم هذا الشعب،ولا أقع في التعميم ذاته الذي ظلمني، والذي عوملت وفقا له كجزء من صورة تنميطية كل السعوديات يشتركن فيها.
التغيير لا ينافي التقبل
وعلى مستوى الاستشارات الأسرية والاجتماعية، نجد أن الصورة التي تعالج على أساسها المشاكل الواردة من السعودية عند بعض المستشارين المصريين هي ذات الصورة التنميطية، وهذا لا يضر فقط بفهم المستشار وحكمته، ولكن يضر بالمستشير حين يجد نفسه تبعا للحلول التي تقدم من مستشارين لهم ثقلهم متخاصمًا مع بيئته الخاصة، وثقافته، وسعيه للتواصل معها هو سعي الناقم عليها، لا المتقبل لها -وتقبل وجود الخلل لا يعني الرضا عنه أو عدم السعي لتغييره- المدرك لجمالها كما ارتباكاتها.
صفحة: [ 1 ] 2