مركز الأخبار - أمان - تحقيقات وآراء (http://www.amanjordan.org/a-news)

تشريع يجرم التعذيب في الأردن - 2- كانون ثاني 2007 - 27: 2   (نشرها: ش.ع)
حلمي الأسمر

كنا في ورشة عمل حول اتجاهات القضاء الأردني، حين فوجئنا بإعلان مفاده أن الحكومة الأردنية الراحلة أجرت تعديلا على قانون العقوبات يجرم كل من مارس تعذيبا على مواطن، ومن غريب أن هذا التعديل الخطير والكبير الذي صدر بقانون مؤقت مر دونما ضجيج وبصمت مريب رغم أنه يستحق الاحتفال، وقد نال تعديل قانون السير الذي تزامن معه من الاهتمام أكثر مما نال هذا التعديل المهم. التعديل طال المادة 208 من قانون العقوبات، وهو ينص على إنزال عقوبات مشددة بحق أي موظف عام يمارس التعذيب ضد أي مواطن بهدف الحصول على اعترافات منه بعد أن كان يتم تجاهل هذه الاعترافات إذا تبين أنها أخذت تحت التعذيب.

ووفق الجريدة الرسمية الأردنية ينص القانون الجديد على أنه ‘’من سام شخصا أي نوع من أنواع التعذيب التي لا يجيزها القانون بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات’’ وقد وضح التعديل ما المقصود بالتعذيب، حيث استل تعريف التعذيب في جزء منه من اتفاقية مناهضة التعذيب، الذي ينص في المادة الأولى على أنه يقصد ‘’بالتعذيب’’ أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية.

ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها. التعديل الثالث الذي تضمنه القانون المؤقت نص على أنه إذا أفضى هذا التعذيب إلى مرض او جرح كانت العقوبة مصحوبة بالأشغال المؤقتة.. حسبما أعلن في ورشة العمل المشار إليها، فقد جاء هذا التعديل على قانون العقوبات نتيجة لتوقيع الأردن على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ونشرها بالجريدة الرسمية، ونتيجة لتقرير نوفاك وتقرير سابق للمركز الوطني لحقوق الإنسان بهذا الشأن، وهذا يعني أن الأردن يسير في الطريق الصحيح، وان تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان تؤخذ بالجدية الكاملة، وأنها محط احترام السلطة التنفيذية، وهو أمر نفهمه على أنه رد اعتبار للمركز الذي هوجم بشراسة إثر إصداره لبعض التقارير الخاصة بالانتخابات البلدية وما صاحبها من تزوير واضح.

وبوسعنا أن نفهم صدور تعديل قانون العقوبات كاستجابة مباشرة لمطالبات المركز بهذا الشأن، فقد تضمن تقرير المركز حول اوضاع حقوق الإنسان في الأردن لسنة 2006 تفصيلات مهمة بهذا الشأن، فقد رصد المركز خلال العام 2006 بعض المؤشرات الإيجابية في مجال مناهضة التعذيب وقد تمثلت بما يأتي: قيام الحكومة بتاريخ 15/6/2006 بنشر اتفاقية مناهضة التعذيب في الجريدة الرسمية وبذلك اصبحت جزءا من النظام القانوني الأردني. بتاريخ 19/11/2006 أصدر مدير الأمن العام تعميماً حول اتفاقية مناهضة التعذيب على كافة الوحدات الأمنية وتضمنت تعليمات خطية تحظر التعذيب وعدم جواز اللجوء إلى استخدام العنف في أي حال من الأحوال تحت طائلة المسؤولية الجزائية. ورغم هذا التطور - كما قال التقرير - إلا أن المركز الوطني لحقوق الإنسان كان قد تلقى في العام ,2006 (51) شكوى تمس حق الإنسان في السلامة الجسدية، وقام بالتحقيق في جميع الشكاوى التي وردت إليه، ومخاطبة الجهات المعنية في كل شكوى تبين أن لها أساسا منطقيا وقانونيا يستدعي المتابعة.

ويشير تقرير المركز إلى أن العام الماضي شهد صدور الكثير من التقارير عن المنظمات الدولية تدين أعمال التعذيب المنسوبة إلى بعض الجهات الأمنية داخل الأردن (تقرير منظمة العفو الدولية) تحت عنوان ‘’اعترافاتكم جاهزة للتوقيع’’ الصادر بتاريخ 24/7/,2006 وتقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان تحت عنوان ‘’اعتقالات مريبة’’ الصادر بتاريخ (19/9/2006) سواء في مراكز الإصلاح والتأهيل أو في أماكن الحجز المؤقتة متهمة بعض الأجهزة الأمنية بممارسة التعذيب المنهجي بحق جميع المحتجزين لديها بهدف الحصول على اعترافات منهم، وقد ذهبت بعض التقارير إلى ابعد من ذلك، حيث صورت أشكال التعذيب الذي يمارس وكيفية إفلات مرتكبي جرائم التعذيب من العقاب، وفي ضوء ذلك رأى المركز الوطني لحقوق الإنسان ان إلتزام الأردن بسياسة واضحة لمناهضة التعذيب بصورة فعالة يستوجب اتخاذ جملة من الإجراءات وأوصى في حينه بتعديل قانون العقوبات بحيث تشتمل هذه التعديلات ما يأتي: النص صراحة على تجريم اعمال التعذيب التي يرتكبها الموظف العام وتشديد العقوبات على هذه الجرائم. وهذا ما تم بتعديل قانون العقوبات.

عدم سقوط جرائم التعذيب بالتقادم وعدم شمولها بالعفو العام. النص صراحة على حق ضحايا التعذيب بالتعويض المباشر من قبل الدولة. توسيع نطاق المسؤولية في مجال جرائم التعذيب بحيث يكون مدير مركز الإصلاح والتأهيل أو مركز الاحتجاز مسؤولا شخصيا وفقا لأحكام قانون العقوبات عن سلامة المحتجزين وبحيث يسأل عن جريمة التعذيب في حالة عدم الاستدلال على الشخص مرتكب الجرم.

من هنا نرى أن التعديلات التي تضمنها القانون المؤقت لقانون العقوبات -رغم عدم كفايتها - جاء استجابة طيبة لمطالبات واقتراحات المركز الوطني لحقوق الإنسان، ما يؤكد أن الحكومة تأخذ بكامل الجدية تقارير المركز وتهتم بالاستجابة بما يقترح ويطالب، وهو كما قلنا رد مناسب على من تطاول على دور الوطني الكبير الذي يؤديه المركز والذي يحظى بدعم مباشر من الملك عبدالله الثاني.  

[مركز الأخبار - أمان]

عودة